أصالة الارتياب

 

 

كثيراً ما يهرب الحيوان عندما نحاول اصطياده من خلال تقديم الطعام له، بالذات عندما لا نكون مألوفين لديه، أو لا يكون قد ألف تقديم الطعام من البشر بالطريقة التي نفعلها معه، والسبب أنه يشكُّ بنوايانا، وعلى الرغم من أنه يرى الطعام ويشمُّه، ويتأكد من كونه طعامه المفضل، غير أنه لا يقتنع ويرجح بين احتمالين، احتمال أن تكون نوايانا طيَّبة واحتمال أن لا تكون كذلك، واختياره الهرب دليل على أن شكَّه تغلب على جوعه وأنقذه من الفخ، وهذا ما يجعل الشكَّ آلية مهمة لإبقائنا بعيدين عن الخطر.

 

وبغض النظر عن درجة تطور هذا الشك، أو مدى ارتباطه بسلسلة عمليات تشبه تلك التي تحدث داخل عقل البشر، إلا أنه نافع جداً في سياق الحفاظ على البقاء. وما دام الشك موجوداً في عمليات الوعي الحيواني، فهذا يعني أنه أوَّلي ومرتبط بالوعي ارتباطاً جذرياً.

 

وعندما نختار، نحن، طريقا من بين طريقين، فكثيراً ما نفعل ذلك لأننا نشك بمناسبة الطريق الثاني للوصول إلى الهدف الذي نروم الوصول إليه، وعندما نفضل صنفاً من الطعام من بين أصناف أخرى نحبها فربما نفعل ذلك لأننا نشك في مناسبة الأصناف الأخرى لذائقتنا الحالية، وهكذا.

 

وما بين كون الشكّ الية أولية للحفاظ على البقاء، وبين كونه متحكماً بأكثر تفاصيل حياتنا بساطة وتلقائية، يتضح ما له من أهميَّة بالغة في حياتنا، ومدى التصاقه بعمليات الوعي اليوميَّة، فلولاه ربما ما استطعنا أن نختار الأنسب من بين الاحتمالات الكثيرة التي تواجهنا.

 

لكن أهميَّة الشك لا تكمن بحفظه البقاء أو توجيهه الحياة العمليَّة، بل هناك دور أكثر أهميَّة له هو تحريكه ساكن المعرفة البشرية، إذ الشك هو الذي يحرك خمول العقل ويوقد نار الفضول ويحرك الوعي اتجاه الإجابة على الأسئلة الأكثر الحاحاً، والوعي الذي لا شك بحقائقه وعي ميت، وعندما يتوقف الشك في وعي ما، تستوطنه الخرافة وتحتلُّه الأسطورة. وهذا الدور للشك على أهميته البالغة مقموع وممنوع من التحرك داخل منطقة خطيرة جداً من مناطق الوعي، أقصد المعتقدات، التي أحطناها بأسوار من المحرمات وجعلنا الشكَّ بها دلالة على الانحراف. فنحن البشر من النادر جداً أن نشكُّ بعقائدنا. أو نحن، بطريقة ما، طورنا آليات تطفئ الارتياب بالمسلمات العقائدية التي نأخذها عن العائلة ثم عن الحاضنة الاجتماعية وذلك بسبب أهمية الانسجام مع عقائد الجماعة كشرط للحصول على دعمها، فهذا الدعم مشروط بالإيمان، وعدم التزام أي فرد بضوابط وشروط جماعته يجعله عرضة للطرد منها، والطرد يقلل من فرص البقاء لديه. إذن شرط البقاء ارتبط فيما مضى بعدم الشك بالعقائد، الأمر الذي ينتج نتيجة تمثل مفارقة كبرى، وهي أن العقل لم يخلق ويتطور ليصل بالإنسان إلى معرفة الحقيقة، بل ليضمن له أفضل فرص الاستمرار بالبقاء.

سعدون محسن ضمد

اسم الكاتب: سعدون محسن ضمد

عدد المواضيع المنشورة: 24

نبذة عن الكاتب: كاتب وروائي وإعلامي عراقي يكتب في المجلات والصحف العرقية منذ ٢٠٠١. صدر له: روايتان: (حكاية الثلاث كلمات الساحرات) و(مدونات الصمير أنا). صدر له كتابان: (أوثان القديسين، جدل الحضارة والوعي والوجود) و(هتك الأسرار، تحولات فكرية في العلاقة بين الدين والمقدس). عضو مؤسس في منظمة مدارك للأبحاث والدراسات، وهي منظمة غير ربحية تنشط في مجال الفكر والشفافية والدفاع عن الحريات.

التعليقات

عدد التعليقات

احجز مساحتك الاعلانية الآن
تصفح موقع DW الألمانية