أصالة اللئيم

 

يولد الواحد منّا وسط ظروف قاسية جداً قد تحرمه أغلب أنواع المساعدات التي يحتاج إليها، فيعيش ألم فقدان يد العون حيث يجب أن تكون ممدودة وحانية، يعيش قسوة الشعور بخذلان من لا يجب أن يخذلوه، ثم يكبر مع هذه القسوة فيتشكل لديه خوف من أن يُعرِّض الآخرين إلى آلامها، أن يعرَّضهم إلى الخذلان.. والمساعدات التي يمكن أن يقدمها مثل هذا الانسان ستكون نموذجيَّة، لأنه يمكن أن يقدم المساعدة قبل أن تُطلب منه، فحساسيته إلى حاجة الاخرين ستنمو وتكون مرهفة إلى حدود بعيدة.

 

وقد يولد انسان آخر وسط ظروف مختلفة تماماً، ظروف تجعله يكره تقديم المساعدة، وهذا الكره يمكن أن ينشأ نتيجة إلى الدلال المبالغ به، الدلال الذي يجعل أيدي العون كثيرة وملحاحة إلى درجة تحرم أحدنا من ممارسة أنشطة يحب ممارستها دون مساعدة أحد. وقد ينشأ هذا الكره نتيجة إلى العيش بين اتِّكاليين أو عَجَزَة، فيكون مضطراً إلى الدوران بدوامة خدمات لا تنتهي والرضوخ إلى طلبات ليس لها آخر، فيكبر مع هاجس يوجب عليه الالتفات إلى ذاته والخوف من أن تمنعه حاجات الأخرين من هذا الالتفات ولذلك ينظر إليها بعين الازدراء والدونية.

 

أول المثالين يمكن أن يكون نموذجاً ناصعاً للشخصيَّة الكريمة وثانيهما يمكن أن يُشَكِّل صورة كريهة للشخصيَّة اللئيمة، لكن هل حقاً أن الأول كريم والثاني لئيم؟ شخصيّاً أجد أن كلا منهما يهرب من تأثيرات الاخرين السابقة عليه يهرب جروحهم التي تركوها غائرة فيه، وأن من نصفه بالكرم بينهما لا يقدم المساعدة وهو يفكر بفضيلة الكرم بقدر ما أنه يحاول الهرب من لعب دور كثيراً ما عانى من لاعبيه وكرههم، أقصد دور من حرموه من اشباع حاجات كان يمكن له اشباعها لو أنهم ساعدوه، وكذا من نصفه باللؤم قد لا يمارس اللؤم وهو يعيش حالة كونه رذيلة وإنما يحاول الهرب من خناق طالما ضيَّق عليه أنفاسه.

 

ميَّز المجتمع البشري، التكافلي، بين هذين الفعلين فسمى الأول فضيلة ونعت الآخر بالرذيلة لأنه مجتمع قائم على التساند وهو بحاجة ماسَّة إلى زيادة أفراد الصنف الأول وتقليل أفراد الصنف الثاني، ثم عمل على تكريم أهل "الفضيلة" ومعاقبة أهل "الرذيلة" بشتى صنوف المكافئات والعقوبات، وهذا أمر طبيعي وهو آلية ممتازة للحفاظ على تماسك الجماعات وتلبية حاجات أفرادها، لكن المشكلة الحقيقة تكمن في الثواب والعقاب الزائدين عن حاجتنا إلى التكافل، أقصد عقوبة النظر إلى اللئيم بدونية مبالغ بها ومثوبة النظر إلى الكريم بعلوية زائدة عن الحد، والسؤال الذي ينبش في احقية الكريم بالنظرة العلوية واللئيم بالنظرة الدونية يكون محرجاً وصادماً عندما نتذكر أن كلا منهما قد لا يكون معنيَّاً بمساعدة أو عدم مساعدة الآخرين قدر عنايته بنفسه وبتخليصها من شبح ذكريات واحزان مؤلمة وربما مخيفة.

 

إذن ووفق هذا السياق فكلا الشخصين أناني بطبعه وهذا ما يجعل الأخلاق جميعها تعود إلى رذيلة الأنانية، تلك الرذيلة القادرة بامتياز على تلبية حاجتنا إلى البقاء رغم اضطرارنا إلى العيش داخل جماعة يتكافل أفرادها مع بعضهم البعض.

سعدون محسن ضمد

اسم الكاتب: سعدون محسن ضمد

عدد المواضيع المنشورة: 24

نبذة عن الكاتب: كاتب وروائي وإعلامي عراقي يكتب في المجلات والصحف العرقية منذ ٢٠٠١. صدر له: روايتان: (حكاية الثلاث كلمات الساحرات) و(مدونات الصمير أنا). صدر له كتابان: (أوثان القديسين، جدل الحضارة والوعي والوجود) و(هتك الأسرار، تحولات فكرية في العلاقة بين الدين والمقدس). عضو مؤسس في منظمة مدارك للأبحاث والدراسات، وهي منظمة غير ربحية تنشط في مجال الفكر والشفافية والدفاع عن الحريات.

التعليقات

عدد التعليقات

احجز مساحتك الاعلانية الآن
تصفح موقع DW الألمانية