أميركا.. ورقعة الشطرنج

خالد الطيماوي

 

لا يختلف اثنان على أن الأزمة الأخيرة بين دول مجلس التعاون الخليجي قد جاءت بمباركة وضوء أخضر أمريكيين ومن ترامب مباشرة.

 

الهدف حتى اللحظة غير واضح. فسياسا وعسكريا تعد دول مجلس التعاون الخليجي أكبر حلفاء أميركا في المنطقة، إذ تستضيف قطر أكبر قاعدة أمريكية في العالم، وتملك السعودية أحد أكبر الجيوش وأقواها في المنطقة، وأحد أكبر داعمي ومؤيدي أميركا في سياساتها تجاه إيران. والدولتان معا السعودية وقطر تعول عليهما أميركا كثيرا في سوريا في تقديم الدعم المالي للمعارضة السورية والقيام بما لا تستطيع أميركا القيام به بشكل واضح هناك.

 

فعليا فإن كلمة واحدة من ترامب أكثر من كافية لرأب الصدع في العلاقة بين الأخوة، ولكن اكتفاءه بالمراقبة حتى اللحظة غباء سياسي لو كان الهدف منه حقا هو هاتين الدولتين.

 

لأن الاكتفاء بالمراقبة هنا سيجعل النفوذ الأمريكي مهددا في منطقة تعد الأسخن في العالم، حيث الحفاظ على موطئ قدم فيها صعب، والتراجع خطوة قد يفقدك موقعا استراتيجيا مميزا في وجود منافسين أقوياء ينتظرون خطأ بسيطا لاستغلاله بمنتهى الذكاء، كروسيا وتركيا وإيران.

 

لو درسنا الموقف من هذه الناحية وهي كون إفساد العلاقات الخليجية-الخليجية هي الهدف من وراء الصمت الأمريكي، فأننا سنجد أن الطرف الأمريكي هو الخاسر الأكبر اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، إذ أن أميركا هي أكبر مستورد للنفط الخام، وأي هزة أو توتر عسكري في منطقة الخليج التي تعد أكبر منتجي النفط والغاز، قد يؤدي لتوقف إنتاج النفط هناك، وارتفاع أسعاره بشكل جنوني من ناحية، ومن ناحية أخرى قد تضطر هذه الدول لسحب جزء من استثماراتها الخارجية لتعويض النقص المالي الحاصل بسبب توقف إنتاج النفط، وكلنا نعرف أن أكبر استثمارات هذه الدول موجودة في أميركا مما سيكون له آثاره الكبيرة على الاقتصاد الأمريكي نفسه.

 

وسياسيا ستفقد هذه الدول ثقتها بأميركا كحليف قوي، مما يضعف التأثير الأمريكي على دول المنطقة.

وعسكريا فإن شبه الجزيرة العربية كانت حكرا على الولايات المتحدة الأمريكية، وما حدث اضطر قطر تحت التهديد السعودي الإماراتي للاستعانة بالقوات التركية التي وجدت ولأول مرة منذ سقوط الخلافة العثمانية موطئ قدم جديد في هذه البقعة الهامة من العالم، ورغم تصنيف تركيا كأكبر حليف لأميركا خارج دول الناتو، فإن لتركيا سياسة خاصة بها تتعارض مع السياسة الأمريكية في الكثير من القضايا، على رأسها القضيتين الفلسطينية والكردية. كما أن سعي تركيا بقيادة أردوغان لاستعادة مكانتها كإمبراطورية تقود العالم الإسلامي، سيكون سببا في استماتتها للحفاظ على موطئ القدم هذا، وبذلك شاركت أميركا في نفوذها هناك.

 

كما أن قطر في دفاعها المستميت عن نفسها، وبعد فقدها لثقتها في أميركا، قد تكرر السيناريو السوري وتوجه الدعوة لروسيا لحمايتها، وتكرر ما قام به الأسد، وهذا قد يكون أسوأ سيناريو قد يحدث، إذ تدرك أميركا أن بوتين لن يرد دعوة كهذه.

 

ولكن...

 

إن أي متابع للسياسة الأمريكية منذ نشأتها، سيدرك أنها ليست بهذا الغباء لتحفر قبرها بأيديها، فهي تدرك جيدا أن عدوها الرئيسي الحالي في المنطقة هو إيران، وأن حربا لا بد وأنها ستقع عاجلا أو آجلا مع هذا ‘‘العدو’’ الذي يجاهر بعدائه لها ولربيبتها ‘‘إسرائيل’’ وإن رأس الحربة في هذه الحرب ستكون دول مجلس التعاون الخليجي، وأن إضعاف هذه الدول بشكل عام ليس في صالحها، وإنما سيزيد من قوة إيران ونفوذها مع وجود حليف قوي هو روسيا.

 

إيران حتى اللحظة حائرة ومترددة، وقد اكتفت بفتح مجالها الجوي للطائرات القطرية وإرسال بعض المساعدات الغذائية، وهي تدرك جيدا حدودها هنا، وتدرك أن أي محاولة لإرسال قوات الحرس الثوري هناك ستعتبره أميركا عدوانا سافرا على قواتها، وسيكون بالفعل كذلك أمام العالم، مما سيؤدي إلى حرب لا هوادة فيها، تكتفي فيها روسيا بالمشاهدة، لأن المعتدي هنا هو إيران، وهي تخشى في نفس الوقت إضاعة الفرصة حتى لا تضيع حصتها هناك، وهي تدرك جيدا من تجربة سابقة أن الانتظار والاكتفاء بالمراقبة حاليا قد يمنحها الكعكة كلها كما حصل من قبل في العراق.

 

قد يقول البعض إن حقد ترامب وكرهه الشديد للعرب والمسلمين وراء موافقته على ما يحدث، ولكن لو تتبعنا خطاب ترامب السياسي أثناء حملته الانتخابية وسياسته بعد نيل كرسي الرئاسة فإننا سنجد اختلافا كبيرا بينهما. فمثلا وعْده بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس بمجرد تنصيبه رئيسا، لم ينفذ. ووعوده بطرد المسلمين انحصرت بأبناء ست دول دمرت أميركا أوطانهم. وهناك تخوف من أي رد فعل انتقامي، ولن أقول إرهابيا كما أنه عمليا إجراء اعتدنا عليه ولم يعد غريبا عندنا، إذ أنه أول إجراء تتخذه دولنا العربية تجاه أبناء أي دولة عربية أخرى اختلفت معها بالرأي، وهو ما رأيناه واضحا في الأزمة الخليجية التي نناقشها الآن.

 

وواقعيا فإن قيادة ترامب لأميركا وقراراته تبقى مرهونة ومقيدة بمصالح الدولة العليا. وأي قرار لابد وأن تتم دراسته جيدا قبل إصداره، وعند هذه النقطة يتحتم علينا النظر للموضوع من زاوية أخرى والتساؤل:

 

ماذا لو كان الهدف مما يجري.. شيء آخر؟

 

ماذا لو لم تكن قطر المستهدفة؟

 

ماذا لو كان كل ما يحدث هو لعبة على سطح رقعة شطرنج يترك فيها الحصان مكشوفا للإيقاع بوزير الخصم أو إنهاء اللعبة بقتل ملكه؟

 

لو راجعنا الأحدث ثانية من هذه الزاوية نستطيع تلخيص الموضوع كالآتي:

 

دعم السعودية وقطر والإمارات لأميركا في أحداث الربيع العربي كل حسب اتجاهه واختياره للجهة التي سيدعمها وإن اتفقوا في الهدف.

 

تجاهل أميركا دعم هذه الدول لجماعات تضعها على لائحة الإرهاب ما دام هذا يصب في مصلحتها.

 

اتهام السعودية والإمارات لقطر بتمويل الإرهاب ودعمه.

 

رفض قطر لهذه الاتهامات.

 

تصعيد سعودي إماراتي ضد قطر وحصار بري ومنع الطائرات القطرية من التحليق في أجواء دول مجلس التعاون الخليجي.

 

فتح الأجواء الإيرانية للطيران القطري وإرسال مساعدات غذائية إيرانية.

 

تقديم طلبات تعجيزية تعلم السعودية استحالة تنفيذها مع تهديد بالتصعيد العسكري في حال رفض هذه الطلبات وكأنما تدرك السعودية عدم وجود أي رادع لها هنا رغم التعهد الأمريكي بحماية دول الخليج وعلى رأسها قطر.

 

إنزال قوات تركية على الأراضي القطرية وطبعا مع سكوت أمريكي ضوء أخضر هنا وضوء أخضر هناك.

 

اتفاق خليجي مصري على وضع قاعدة عسكرية مصرية متقدمة في البحرين.

 

رفض قطر للشروط التعجيزية.

 

تهديد سعودي إماراتي مصري بالتصعيد.

 

وصول حاملة الطائرات الأمريكية الضخمة جورج بوش التي تحمل قرابة الــ80 طائرة وأكثر من خمسة آلاف جندي تضاف إلى قوام قواتها في المنطقة الموجودة في الأردن وتركيا وقطر نفسها.

 

لو نظرنا للرقعة من الأعلى فلن نرى إلا حشودا من القوات تكفي لشن حرب كبرى وليس مشكلة يكفي حصار قوي على المدى المنظور لإنهائها.

حشود من السعودية وقطر ومصر والإمارات والبحرين والكويت وتركيا وأميركا.

 

حشود مع اختلاف توجهاتها إلا أنها تتشارك في أن لها عدوا مشتركا قد يكون هو الوزير أو الملك المقصود من كل ما يحدث.

 

لماذا لا تكون إيران هي الهدف من كل ما يحدث وقطر هي الحصان أو الطعم الذي استعمل لإبعاد الأنظار عنها كهدف رئيسي للأحداث!.

 

أليست في نظر هذه الدول هي الدولة الشيعية الصفوية الكافرة!.

 

أليست التهديد الأكبر لدول مجلس التعاون الخليجي ومصر والعدو التاريخي للإمبراطورية العثمانية!.

 

أليست مصدر الخطر الأكبر على إسرائيل وبالتالي أميركا!.

 

ألم تقف في وجه المشروع السعودي القطري الإماراتي التركي الأمريكي في سوريا واليمن!.

 

هذا السيناريو قد يكون السيناريو الوحيد المقبول للصمت الأمريكي حتى هذه اللحظة وما دونه هو خسارة كبرى لها على كل الأصعدة. وأي سيناريو آخر قد يتسبب في المستقبل القريب في خسارتها لموقعها ومكانتها التي احتاجت لعقود لبنائها في هذه البقعة الهامة من العالم.

 

 

كاتب فلسطيني

 

[email protected]

 

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 10063

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات