استعدادا لمرحلة ما بعد داعش السياسة اولا واخيرا

العالم الجديد- جمال الخرسان

حتى قبل ان ان تنتهي داعش ميدانيا بشكل تام من العراق وحتى قبل ان تنتهي القوات الامنية من مهمة تحرير ما تبقى من المدن التي تقع تحت سيطرة داعش بدأت منذ مدة ليست قصيرة استعدادات الداخل والخارج لمرحلة ما بعد داعش خصوصا في الساحة العراقية الحبلى بالازمات، لكن تلك الاستعدادات تكاد تقتصر في جوهرها الجاد على الصعيد السياسي فقط، وتركت المجالات الاخرى الاكثر اهمية في معالجة نتائج تلك التجربة المريرة التي مر بها العراق والمنطقة.

الاطراف الداخلية والخارجية اعدت العدة للمرحلة القادمة، لكنها عدة لا تاخذ بعين الاعتبار خطايا الماضي، الكل رسم تصورا خاصا به، لكن التصورات لم تخرج كثيرا عن الطموحات التي انتجت ما نحن فيه من خراب، كاننا نريد العودة للمربع الاول ولم نستوعب ما مر به البلد من فوضى وتراجع كبير، كاننا نرغب بعودة داعش اخرى وباعادة تدوير ذات السياسة السابقة!

جزء مهم ان لم يكن الاهم من القوى السياسية السنية تعتبر الاقليم اولوية لها في مرحلة ما بعد داعش، رغم انها غير قادرة على ادارة الاقليم الذي يراد انشاؤه امنيا مما يوفر غطاءا سياسيا وامنيا للمجموعات المسلحة التي تهدد امن الدولة، ما يقلق في تشكيل ذلك الاقليم من الاقليم ايضا هو عبث الاخرين وتحكمهم به بسقف مرتفع كثيرا عن سقف التدخلات التي تحصل حاليا في العراق من قبل مختلف بلدان الجوار، ناهيك عن حسابات اخرى لمحاور المنطقة حول التواصل او عدم التواصل بين اطراف الهلال الشيعي عبر الانبار.

الاكراد يعزفون على وتر الانفصال المزعوم، انفصال يطمح لقضم المزيد من الاراضي ولا يقدم حدودا ادارية واضحة لمشروع الدولة الكردية، ان مشروع الانفصال غير واضح حتى الان ويضع الجميع بما في ذلك اصدقاء الاكراد في زاوية حرجة بخصوص التعامل مع معزوفات الانفصال واجراء الاستفتاء. المؤسف ان خطوات الانفصال اصبحت محطة للسباق بين الاحزاب الكردية وكلما تقدم حزب خطوة اجبر الاحزاب الاخرى لاتخاذ خطوت مشابهة وما حصل في سهل نينوى وكركوك خيار مثال على ذلك. ان الازمات مع الجانب الكردي كانت تعزى الى تعامل الحكومة السابقة مع الاقليم بطريقة غير حكيمة، مما بشر بعهد جديد للعلاقة بين الجانبين في عهد الحكومة الحالية، نعم ذلك صحيح على مستوى الخطاب السياسي، اما على الارض فان التحركات الاحادية الجانب من قبل الاقليم حول السيطرة على المناطق المتنازع عليها، التغيير الديموغرافي، عدم تنفيذ الالتزامات الملقاة على عاتق الاقليم اضافة الى التنسيق والتحرك دوليا بعيدا عن التنسيق مع بغداد جميع تلك المعطيات على الارض كانت بنفس الوتيرة السابقة ان لم تكن بوتيرة اسرع.

اما القوى الشيعية فعادت مرة اخرى لخطابها المعهود، خصومة ابدية بين الاخوة الاعداء قد تغلب عليها تفاهمات على مضض من اجل تقاسم الكعكة، وهذا عادة ما يثمر عن تحالفات شكلية جدا لا تمنع اي طرف من القفز عليها والانخراط في تفاهمات اخرى في منتصف الطريق.

ما يختلف في البيت الشيعي هذه المرة عن الفترات السابقة هو وجود قوة عسكرية قوية ليست مستقلة تماما عن القوى السياسية لكنها في نهاية المطاف تحاول اظهار نفسها بحلة مختلفة عن تحركات السياسيين مما منحها شيئا من الاستقلالية في القرار، انه الحشد الشعبي الذي يجعل الحسابات مختلفة هذه المرة لاي طرف يحاول تكرار داعش على غرار الاجتياح الذي حصل عام 2014، الحشد الشعبي يمثل خطوة مهمة في معالجة اخطاء المرحلة السابقة، انه ذراع عسكري لم يكن متوفرا بهذا الشكل فيما سبق. لكن التساؤلات كلها تنصب حول مدى قدرة مؤسسة الحشد الشعبي على تحصين نفسها من الصراع المحموم بين القوى السياسية الشيعية والى اي مدى تبقى تلك المؤسسة محصنة ضد اي محاولة لجرها الى قتال داخل المكون الواحد، ورغم ان تنضيج المؤسسة واعادة هيكلتها يجري العمل عليه بين الحين والاخر الا انه لا توجد ضمانات كافية تمنع من القتال الشيعي الشيعي حتى الان.

كان يفترض من القوى الفاعلة في المجتمع العراقي سواء كانت سياسية او منظمات مجتمع مدني اضافة بالطبع الى دور المؤسسات الرسمية في ردم الهوة بين مكونات الشعب العراقي، معالجة الكثير من التفاصيل التي عززت ما حصل، اعادة النظر في الخطاب الديني وضرورة محاصرة جذور التكفير التي لازالت موجودة في الكثير من المساجد بما في ذلك الواقعة تحت اشراف المؤسسات الرسمية. ان معالجات الجانب الامني والعسكري مطلوبة ويجب ان تكون صارمة لكنها بلا شك ليست كافية، كما ان التحرك السياسي لوحدة ليس حلا بل ربما هو السبب الاكبر في تكرار ذات الازمة التي مر بها العراق.

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 10054

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات