الأبوة في الفعل التنويري

 

أفكر دائما بأن فعل التنوير يجب أن يكون فعلاً أبوياً يستهدف الرعاية والإصلاح، لا الصدام والاستفزاز، والسبب يكمن في أن الحقيقة الأكثر تجذرا في الدين هي حقيقته الاجتماعية، وإذا استبعدنا العامل السياسي الذي يستولي على الأديان بعد تأسيسها، وحاولنا أن نحلل الفعّاليات الدينية بدقَّة فسنكتشف بالتأكيد بان الدين ينحلُّ إلى مجموعة من الآليات التي تستهدف حماية الجماعة وضمان تماسكها وتكافل أفرادها، لأن الدين هو الجذر المقدس في الهوية الاجتماعية الذي تدور حوله أغلب الفعاليات الأخرى، وليس هناك ما يضمن تماسك الجماعة أكثر من هذا الجذر، إذ يمكن للفرد أن ينقلب على قانون الجماعة، وأن يتنكر لأزيائها ولغتها وبقية ملامح هويتها، ولكنه لا يستطيع أن يتنكَّر بسهولة، لدينها أو مذهبها، ومن هنا يكتسب الدين أهميته بالنسبة للجماعة والمجتمع.

 

من جهة أخرى هناك دائماً بعدان في أي نظام اجتماعي، هما: بعد التأسيس الذي تملية الحاجة، وبعد التغير والتطور الذي تملية تعقيدات المجتمع وتطوره، وهناك فرق كبير بينهما، فالقانون العشائري، على مستوى التأسيس، مثلاً، وجِدَ لضمان أمن الجماعة واستقرارها، لكن تطور الحياة وتعقيداتها قد يحولان هذا القانون إلى عائق أمام ذلك الاستقرار، كما هو الحال بعد انتفاء الحاجة إلى نظامي "النهوة والفصلية". وهو ما حصل ويحصل بالنسبة إلى الأديان، فهي تولد بهدف استقرار الجماعة وزيادة تماسكها، لكنها ونتيجة لظروف وملابسات معقدة وكثيرة تتحول إلى عائق أمام هذا الاستقرار.

 

وفي حالة كالحالة العراقية، التي تحول فيها الدين/ المذهب، إلى عائق أمام تحقق السلم الأهلي، لا يمكن أن ينجح الفعل التنويري ما لم يأخذ بنظر الاعتبار الغايات الاجتماعية التي تختفي خلف المظاهر التدينيَّة وتحركها وتربط الأفراد بها، فليس من المعقول أن نتجاهل أن اصرار الشيعة على المسيرات المليونية، وبقية الطقوس، إنما هو تعبير عن عمق الخوف الذي ينتابهم على هويتهم، ومن ثم وجودهم، فهم يتعرضون منذ بدايات التغيير إلى حرب إبادة ترجمتها عشرات الالاف من المفخخات التي حصدت ارواحهم وهددت أسواقهم وجوامعهم وطقوسهم. ونفس الأمر ينطبق على السنَّة، فالسنّي خائف منذ التغيير على هويته من التمدد الشيعي. من رايات الشيعة التي يجدها تزحف باضطراد لتغلف ليس الشوارع فقط، بل وحتى الوزارات والمؤسسات الاجتماعية والصحية. الطرفان خائفان من بعضهما. ومن هنا فإذا أراد التنويري أن يرسم خطة الإصلاح فعليه ألا يجعلها مقتصرة على برنامج المعالجات الفكرية فقط، بل عليه أولاً وبالذات، أن يُضَمّنها برنامجاً للعلاج الاجتماعي، أو على الأقل أن يأخذ بنظر الاعتبار الحاجة الملحَّة لإطفاء المخاوف على الهوية وعلى الوجود. باختصار؛ قبل أن نحاول اقناع الناس بأن الإرهاب لا علاقة له بالدين، علينا أن نطمئن مخاوفهم على وجودهم.

 

لكن الأبوة في التنوير يجب أن لا تعني أو تؤدي إلى تقييد الفعل التنويري أو تحويله إلى فعل مهادن أو مخاتل، فالرعاية الأبوية يجب أن تكون شجاعة وواضحة وصارمة، لكنها في نفس شجاعتها ووضوحها وصرامتها لا تستهدف أي غاية زائدة عن الإصلاح والتقويم، وهما غايتان لا تنجحان من دون توفر الفهم الدقيق والموضوعي الخالي من أي عواطف أو أحكام مسبقة.

سعدون محسن ضمد

اسم الكاتب: سعدون محسن ضمد

عدد المواضيع المنشورة: 24

نبذة عن الكاتب: كاتب وروائي وإعلامي عراقي يكتب في المجلات والصحف العرقية منذ ٢٠٠١. صدر له: روايتان: (حكاية الثلاث كلمات الساحرات) و(مدونات الصمير أنا). صدر له كتابان: (أوثان القديسين، جدل الحضارة والوعي والوجود) و(هتك الأسرار، تحولات فكرية في العلاقة بين الدين والمقدس). عضو مؤسس في منظمة مدارك للأبحاث والدراسات، وهي منظمة غير ربحية تنشط في مجال الفكر والشفافية والدفاع عن الحريات.

التعليقات

عدد التعليقات

احجز مساحتك الاعلانية الآن
تصفح موقع DW الألمانية