الإصلاحات في العراق شماعة للمزيد من “المحاصصة”

 

اقتصر الحديث عن الإصلاحات بين الخصوم- الشركاء في العراق على تغيير الأشخاص، الوزراء أولا ثم رؤساء الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة كما وعد رئيس الوزراء حيدر العبادي، ورئيس مجلس النواب المقال- الباقي سليم الجبوري، وهذا ليس إصلاحا بقدر ما هو إعادة توزيع للمناصب على وفق مقاسات وأشكال جديدة سيتم إخراجها بطريقة وكأنها "إصلاحات"، مع أن ما سيحدث وما أثبتته جلسة مجلس النواب الأخيرة برئاسة المقال- الباقي سليم الجبوري هو توسيع "المحاصصة" لتشمل كل الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة والمؤسسات التي تدار بالوكالة الآن، فهذا ما حددته "وثيقة المحاصصة" التي وقع عليها الرؤساء الثلاثة مع بعض "رؤساء المحاصصة"، وهذا ما يريده التحالف الكردستاني واتحاد القوى الذي لم اسمع حديثا لرئيسه أحمد المساري يخلو من جملة "حق المكون السني"، وكأن وزير الكهرباء "السني" سيصلح الكهرباء في المناطق "السنية"، ولا يفعل ذلك في المناطق "الشيعية"، أو أن وزيرالبيئة "الكردي" سيعمل على مكافحة التلوث في نهري دجلة والفرات –مثلا- لغاية حدود كردستان، وان وزير الخارجية "الشيعي" سيجعل "الشيعة" وليس "العراق" على علاقات طيبة مع الصين أو المانيا.

 

تدعي أحزاب بعينها تمثيل "مكون"، ولا تقبل أن يكون أي شخص من نفس "المكون" ممثلا عن هذا "المكون"، كي تحظى هي بالمنصب الذي هو من حصة "المكون" دون غيرها من نفس "المكون"، وهذا ما دعى اتحاد القوى أن يصدر بيانا قبل ايام يذكر فيه أنه الممثل الوحيد لـ"المكون السني"، ردا على ورود أسماء لوزراء "سنة" في قائمة العبادي الأولى للتعديل الوزاري من المستقلين من خارج كتلتهم، أي إنه لا يعترف بعراقية هولاء المرشحين فضلا عن أنه ينكر "سنية" أي شخص خارج تكتله السياسي، وكذلك فعل التحالف الكردستاني فهم لا يعترفون بأي شخص "كردي" يمكن أن يتسنم منصب وزير من خارج التحالف الكردستاني. أي أن "تمثيل المكونات" التي يصدعون بها رؤوسنا يوميا هي في الحقيقة ظلم وإجحاف بحق نفس المكونات لأنها لا تشمل غير المتحزبين والقريبين من رؤساء الكتل من تلك "المكونات" ليس إلا، فلا يعترف "اتحاد القوى" بأي شخصية "سنية" مستقلة يمكن أن تتسنم منصب وزير وكذلك التحالف الكردستاني ومثله أحزاب التحالف الوطني وخاصة كتلة المواطن التي قاد زعيمها عمار الحكيم حملة أفضت إلى توقيع "وثيقة المحاصصة" التي يتظاهر الشعب منذ أكثر من ثمانية أشهرلإلغائها.

 

يريد فريق المحاصصة في مجلس النواب وأحزابها أن تشمل المحاصصة كل الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة، واستخدام "الفرصة السانحة"، وشعار "الإصلاح" لتمرير عملية تجذير أسس المحاصصة في تلك الهيئات والدرجات الخاصة، فما سيحدث هو أسوأ مما هو عليه الحال الآن، سنكون أمام اقتسام جديد للمناصب بذريعة بل "خدعة" الإصلاح.

 

لكي نصدق دعاوى الإصلاح الذي يدعو اليه الجميع، نحثهم أن يذهبوا إلى تشريع القوانين التي تتطلبها عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي والإجتماعي ومن التشريعات والقوانين التي تساهم في عملية الإصلاح قوانين تحديد رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث التي لا زالت بلا سند قانوني، وتشريع قانون لا يجيز لأي سلطة بإقرار قوانين وتعليمات تمنح لأعضائها رواتب أو مخصصات كما فعلت الجمعية الوطنية السابقة ومجلسي النواب السابقين ومجالس المحافظات لأن ذلك يدخل في باب تعارض المصالح وهو نوع من أنواع الفساد الذي نصت عليه إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وتشريع قانون "تجريم الطائفية"، لأنها قادت البلد الى الحال الذي هو عليه الان، و"تحريم استغلال الدين في العمل السياسي"، وتشريع قانون إنتخابات منصف يضمن ذهاب صوت الناخب لمن إنتخبه حصرا، وتشريع قانون يلغي "الحصانة"، عن كل متهم بالإرهاب أو الفساد ومهما كان منصبه أو موقعه في الدولة، وتشكيل لجنة متخصصة من رجال القانون والإدارة والعلوم السياسية لتقديم مقترحاتها لتعديل الدستور بما يضمن إقامة نظام ديمقراطي مدني حقيقي وإشاعة العدل والمساواة بين العراقيين دون تمييز.

 

بهذه القوانين والإجراءات يمكن أن "نشرع" بعملية إصلاح لما دمره "زعماء الفشل" في الثلاثة عشر عاما التي اشاعوا فيها الخراب والطائفية والفساد وتغليب الهويات الفرعية على المواطنة، فالإصلاح لا يتعلق بتغيير الاشخاص قدر تعلقه بقوانين ضابطة وقضاء عادل ونظام متابعة ومساءلة فاعلين، فهل القوى السياسية الحالية مستعدة فعلا ومؤهلة لهكذا عملية إصلاح؟ سننتظر وسنرى.

 

نصيف الخصاف

اسم الكاتب: نصيف الخصاف

عدد المواضيع المنشورة: 15

نبذة عن الكاتب: باحث مختص بالشأن العراقي ولديه كتاب قيد النشر بعنوان "دعوة للتغيير"، زاول النشر في عدد من الصحف والمواقع العراقية والعربية، وأسس صحيفة (صوت عراقي حر) التي أغلقت بسبب انعدام التمويل.

التعليقات

عدد التعليقات