التلوث في البصرة بين الروتين الحكومي وإهمال المواطن

وسام الحِجّاج

 

تُصَنّف مشاكل البيئة إلى نوعين، النوع الأول: مشاكل عالمية ابتليت بها كل بلدان العالم، وتحاول الكثير من الدول السيطرة عليها وتحجيمها والقضاء عليها بشكل تدريجي، وتشمل التصعيد الحراري وثقب الأوزون، وكذلك تلوث الأراضي الزراعية بالمواد الكيمياوية. وما تجلبه لنا عوادم السيارات والمعامل الإنتاجية ومصافي النفط وغيرها، فضلاً عن النمو السكاني الكبير الذي تشهده البلدان والذي يحشر الملايين في مناطق سكنية لا تتوفر فيها الشروط الإنسانية. كما أن غياب الرقابة وتلويث مياه الأنهر من قبل أصحاب المصانع من خلال رمي المخلفات الكيمياوية وربط المجاري بالأنهر أوصل التلوث في المياه إلى درجة دُقّ فيها ناقوس الخطر.

 

النوع الثاني: المشاكل البيئية التي تعاني منها مدن العراق والتي حصدت البصرة الجزء الأوفر منها، وقد شاركت في هذه المشاكل بلدان إقليمية من خلال دعمها للإرهاب أو من خلال بناء السدود لمنع دخول المياه إلى  الأراضي العراقية، فضلاً عن جولات التراخيص النفطية التي حوّلت الأراضي الزراعية والأهوار إلى مناطق تابعة للشركات النفطية دونما رقابة ودقة في مراعاة للشروط الصحية والبيئية.

 

فقد مُنيت بيئة البصرة على  مرّ السنين بالعديد من المشاكل والأزمات، وكان أهمها الحروب التي تعرضت لها وما تركت من مخلفات حربية وإشعاعات وكذلك تدميرها للبنى والأراضي الزراعية وحصدها لبساتين النخيل. فضلاً عن التصحّر الذي بدأ يجرف العشرات من الأراضي الزراعية والمناطق الخضراء. ولا ننسى تملّح الأراضي الزراعية  الذي أودى بما بقي لنا من بساتين ومزارع على ضفتي شط العرب وفروعه. وكذلك تجريف الناس للأراضي الزراعية وتحويلها إلى أراضٍ سكنية.

 

لقد مر العراق خلال العقود الأخيرة بمجموعة من التغيرات السياسية والحروب التي انعكست بصورة مباشرة على واقع المجتمع العراقي والإنسان والبيئة العراقية بصورة سلبية، ونتيجة لذلك أصبح الحفاظ على البيئة والارتقاء بها وحماية الموارد من الاستنزاف، وهناك بعض الأسباب التي لعبت دوراً في تدهور البيئة العراقية وعلى مختلف المستويات وقد تراوحت تأثيرات هذه الأسباب من التأثيرات المباشرة على مقومات البيئة الحية وغير الحية كونها في تماس مباشر معها، وتأثيرات غير مباشرة على البيئة بسبب مؤثرات وعوامل داخلية وخارجية، ويمكن إيجاز التدهور البيئي واهم أسبابه بما يلي:

 

أولا: الضغط السكاني: تشير جميع التقديرات ذات العلاقة إلى أن معدل نمو سكان العراق في حالة تزايد مستمر منذ الخمسينات وما بعدها، وقد تسبب ذلك النمو السكاني في الضغط على جميع مفاصل البيئة وازدياد تدهور البيئة العراقية وخللاً في معادلة الموارد والسكان وذلك عن طريق الآتي:

 

أ: تزايد الحاجة إلى موارد الغذاء والطاقة والإسكان والماء.

 

ب: تزايد الضغط على البيئة نتيجة زيادة المخلفات والفضلات الصلبة والسائلة.

 

ج: إتباع السكان لممارسات تهدد استمرار الحياة في النظم البيئية مثل قطع الأشجار والأحراش وتدهور التربة والصيد الجائر للحيوانات والطيور البرية.

 

ثانيا: نزوح سكان الأرياف إلى المدينة: حيث ازدادت بمعدل ثلاثة أضعاف خلال العقدين الماضين، ومن أهم هذه الأسباب الاتجاه المتزايد لاستخدام الوسائل التقنية في الحياة التي تتوفر في المناطق  الحضرية، فضلاً عن البحث عن فرص عمل  أفضل أو سكن ملائم ضمن البيئة الحضرية وكذلك توفر خدمات صحية على مستوى أفضل. هذا النزوح شكل وسيلة ضغط  على مقومات البيئة الحضرية وذلك لعدم قدرتها على استيعاب الثقل السكاني مما يحتويه من استنزاف للموارد بأنواعها وازدياد معدلات التدهور وما يتبعه من عواقب وأضرار لا يمكن تفاديها مستقبلاً .

 

ثالثا: ضعف الوعي البيئي:

 

أ: يعتبر الوعي البيئي على النطاق المجتمعي (أفراد ومؤسسات) احد أهم ركائز تطور المستوى والأداء البيئي لأي منظومة اجتماعية، فقد لوحظ ضعف مستوى الوعي الجماهيري على الرغم من الجهود التي تقوم بها وزارة البيئة وكذلك منظمات المجتمع المدني، ومن أهم أسباب هذا الضعف: حداثة مفهوم الوعي البيئي في المجتمع العراقي وانحسار الوعي البيئي الفردي والمؤسساتي نتيجة للأولويات الاقتصادية والأمنية السائدة في الظروف الحالية.

 

ب: عدم دمج البعد البيئي في الإطار التربوي الذي يهدف إلى رفع الوعي البيئي على جميع مستويات المجتمع.

 

ج: إتباع المجتمع والإفراد أنماط سلوكية شائعة ذات آثار سلبية على البيئة والصحة.

 

د: ضعف أنظمة الرصد البيئي والتي تعد صفارة الإنذار عن أي بداية لعملية تدهور بيئي وإن تقادم بعض أنظمة الرصد البيئي وعدم وجود متابعة وتحليل مستمر لها يؤدي إلى مشاكل بيئية.

 

هـ: الحروب والوضع السياسي.

 

إن العلاج البيئي الناجع يعتمد على خطط استراتيجية طويلة الأمد تعيد إلى البصرة الكثير من احتياجاتها. فالبصرة اليوم تعد من المدينة شديدة التلوث البيئي بسبب وجود النفط وشركات الاستخراج وكذلك الحرق المستمر للغاز الطبيعي فضلاً عن وجود محطات توليد الطاقة الكهربائية وكذلك انتشار المولدات الأهلية التي تحرق الوقود. لذا لا بد من الحث على استخدام الطاقة المتجددة والاستفادة من نور الشمس وحرارتها في تدفئة المنازل والأبنية للتقليل من استخدام المدافئ بأنواعها، فضلاً عن استخدام العوازل الحرارية في بناء المنازل للمحافظة على حرارة المنازل والتقليل من استخدام أجهزة التبريد.

 

ويمكننا أن نورد عدداً من الأمور التي يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار:

 

أولا: العمل على إعادة تأهيل المناطق الزراعية التي تم تدميرها والتي لم تتحول إلى مناطق سكنية ففي مناطق كثيرة يمكن إعادة زراعة بساتين النخيل وكذلك إيقاف أعمال التجريف وفرض عقوبات قاسية على من يحوّل المناطق الزراعية المأهولة إلى مناطق سكنية. وكذلك توفير المناطق الأراضي السكنية لامتصاص تمدد المدن والازدياد السكاني.

 

ثانيا: العمل على تغيير مسار مياه المجاري ومياه الأمطار وبناء معامل إعادة تدوير هذه المياه بدلاً من ربطها بالأنهر التي تمر داخل المدينة والتي حوّلت هذه الأنهر من مياه صالحة للشرب إلى مياه مجاري تنفث على البيئة والمدينة الروائح الكريهة وتحول دون الاستفادة من هذه الأنهر.

 

ثالثا: بناء معامل تدوير النفايات للقضاء على ما يطرحه السكان من النفايات بدلاً من طمرها. وكذلك العمل على تدوير الأجهزة المنزلية المستهلكة وسن القوانين لمنع دخول الأجهزة والمعدات سريعة التلف لضمان تقليل طرح النفايات الألكترونية والكهربائية.

 

رابعا: زراعة حزام أخضر حول المدن لتوفير بيئة صحية ومساحات خضراء لتوفير أماكن الرعي وإيقاف التصحر، ومنع العواصف الترابية.

 

خامسا: دعم المزارعين وتوفير الخدمات لهم وإيصال المياه الصالحة للسقي لهم، فضلاً عن شراء المنتجات منهم لضمان عدم خسارتهم، وكذلك منع استيراد المنتج من الدول المجاورة في موسم الحصاد.

 

سادسا: السعي لإطلاق حملة توعية تتبنى الجوانب التالية:

 

أ: التوعية البيئية بأنواعها وتتضمن توعية التقليل من حرق النفايات، والتقليل من رمي النفايات في الأنهر، وكذلك التوعية في استخدام المواد الصديقة للبيئة كالأكياس الورقية، والأواني الخشب والتقليل من الأدوات والمواد المضرّة بالبيئة وغير القابلة للتدوير والتحلل. ومن الضروري شن حملة لمنع قطع الأشجار وفرض الضرائب على هذا العمل، بل ومحاسبة المقصرين في رعاية الأشجار.

 

ب: التوعية بضرورة ضبط النسل والتقليل من الإنجاب غير الممنهج والتشجيع على استخدام عمليات عقد الأنابيب للمرأة والرجل والتعريف بالوسائل الناجعة لمنع حدوث الحمل للأُسر التي تمتلك أكثر من ثلاثة أبناء فضلاً عن تشجيع تبنّي الأيتام وفاقدي المعيل.

 

ولا بد من العمل على فرض قانون لاستيراد مواد غذائية (المغلفة) طويلة الأمد لضمان استهلاكها قبل انتهاء مدد الصلاحية وعدم السماح بدخول المواد قريبة الانتهاء من تاريخ الصلاحية. وتشديد الرقابة الصحية على المخازن التجارية وفرض العقوبات الصحية الصارمة لتطبيق عوامل التخزين الصحي للمنتجات المغلفة والمعلبة لضمان عدم تعرضها لأشعة الشمس وتلفها. وضرورة تفعيل السيطرة النوعية عند استيراد الأجهزة المنزلية والإلكترونية لضمان دخول أجهزة عالية الجودة للتخلص من ظاهرة استيراد الأجهزة ذات الأعمار القصيرة سريعة التلف.

 

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 9192

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات