الحملة التشنيعية على الراحل عبد الرحمن منيف ودلالاتها

عبدالرحمن منيف

علاء اللامي

 

يتعرض الروائي العربي الراحل عبد الرحمن منيف والذي أقض برواياته الرائعة مملكة آل سعود طوال أكثر من ثلاثة عقود حتى سحبوا منه جنسيته السعودية، ومات وهو كاتب عربي نقدي قولا وفعلا، يتعرض إلى حملة من التشنيع وتشويه السمعة أطلقها على صفحات جريدة الأمير خالد بن سلطان "الحياة" الكاتب فالح عبد الجبار وشارك فيها لاحقا بعض الكتبة الهامشيين والجهلة لتصفية حسابات يبدو انها قديمة مع منيف منها أنه كان ضد احتلال العراق ومؤيدا لما يسمونه بسخرية "المقاومة الشريفة" وانه كان طائفيا ضد الشيعة في روايته "أرض السواد"، وهذه محض أكاذيب سمجة سنتوقف عندها لاحقا، ولكن، هذه الآن بعض النقاط والعناوين الرئيسة في الرد على هذه الحملة على أمل أن أكتبها لاحقا في مقالة مسهبة حول الموضوع.
أولا: خلاصة اتهامات فالح عبد الجبار للروائي الراحل منيف بأنه كتب روايته "الآن.. هنا" اعتمادا على مجموعة أشرطة كان قد سجل عليها حكايات معتقل سياسي عراقي كردي هو حيدر الشيخ، واستنطقه، على مدى أيام، ويقول فالح: "أودعني حيدر ذكرياته لأصوغها كتاب وقائع، بلا تزويقات، بلا رتوش: الحقيقة العارية.. في مصادفة (سيئة أم حسنة؟) التقيت الروائي الراحل عبد الرحمن منيف وتجاذبنا الحديث (...) التمس منيف ان يطّلع على مضمون تسجيلات السجن. كان هذا خريف العام 1988.. لم يُعِدْ منيف الأشرطة كما وعد، على رغم تكرار مطالبتي (...)، بعد عام أو نحوه، صدرت رواية منيف "الآن، هنا".. وخلت من أي إشارة الى صاحبها، (...) حيدر، شأني أنا، أصيب بما يشبه الصدمة بسبب إغفال ذكر مصدر القصة".

 

يضيف فالح: "لقد رحل منيف ولن نعرف جليّة الأمر. لعله أودع مكنونه لشخص ما، سنظل بانتظاره حتى لو كان غودوبيكيت! لكن الثابت أن حق الملكية الفكرية غائب"). وإذا ما نحينا جانبا الحذلقة المضحة البيكيتية في كلام عبد الجبار فلن يبقى أمامنا سوى استيائه هو وربما استياء صديقه الشيخ من عدم ذكر اسم بطل الحوارات على الأشرطة في الرواية ومطالبته الكاتب الراحل برد حقوقهما للملكية الفكرية.
ثانيا: الرواية المذكورة "الآن هنا" كما يقول عنوانها هي تتمة أو هي جزء ثانٍ من رواية منيف الأشهر "شرق المتوسط" أو هي بمثابة استمرار لروايته تلك والتي كتبها أصلا كقراءة روائية في شهادات ووقائع التعذيب السياسي التي كانت وما تزال سائدة في دول شرق المتوسط.
ثالثا: الرواية المذكورة "الآن.. هنا" صدرت قبل ربع قرن أي في سنة 1991 وكاتبها رحل عن عالمنا سنة 2004 أي بعد عام من الاحتلال الأميركي للعراق فلماذا سكت فالح عبد الجبار، ولم يكتب أو يتصل بمنيف حين كان على قيد الحياة ويعاتبه أو يقاضيه مطالبا بحقوقه عن الملكية الفكرية لأشرطة التسجيل خاصته؟
رابعا: هل كان ممكنا لمنيف أن يذكر اسم السيد حيدر الشيخ المعتقل الشيوعي السابق في السجون  العراقية فالإيرانية والمشرد من وطنه بعد السجن دون ان يعرضه او يعرض عائلته وذويه في العراق لخطر القمع من قبل نظام صدام سحين سنة 1991؟ وإذا كان الشيخ قد التحق بإدارة المنطقة الكردية الخاضعة للحماية الأميركية والأطلسية المباشرة بعد 1991 أفلا يمكن أن يكون منيف قد اقتنع بعدم الإشارة الى هذا السيد آنذاك لالتباس موقفه السياسي و دخوله في خدمة إدارة تابعة للاحتلال الأميركي غير المباشر؟ نحن هنا نطرح احتمالات لا أكثر ولكن الأكيد هو ان الأمر لا يتعدى موضوع عدم الإشارة الى صاحب الكاسيتات علما بأن أي ناقد مبتدئ يفرق بين العمل الروائي المنجز وبين ما يستعمله من وثائق صوتية و مرئية وسجلات حكومية ووغير حكومية.. الخ.. وكان يمكن ان يتوقف الامر عند رسالة عتاب أو استفسار من صاحب الأشرطة للمؤلف في حياته علما بأن ابنة حيدر الشيخ نفسها اكدت في تعليق لها على صفحتها على الفيسبوك حين نشرت مقالة فالح أن أي سرقة أو استيلاء لم تحدث كتبت (للأمانة، هو ما اخذهن بدون علم الوالد، لكن ما أخبرهم عن جاهزية الرواية والاهم انه ما أشار الي الشخصية الحقيقية بالقصة ولو بالمقدمة او بالتلخيص) أي أن الأمر لا يستأهل كل هذه المعمعة والجعجعة التي أثارها فالح وبلغت حدود المطالبة بحقوق الملكية الفكرية من المؤلف الميت بعد أكثر من عشرة أعوام على وفاته.

 

فالح عبدالجبار

فالح عبدالجبار

خامسا: هل كان فالح عبد الجبار يمهد لِإطلاق كتاب جديد عما استقر في ذاكرته من حكايات الكاسيتات بهذه الحملة التشنيعية على الروائي الراحل؟ ام أنه يريد استغلال المناسبة للتقرب من الماكنة الإعلامية والثقافية السعودية ليضع خبرته، الثقيلة والحق يقال، في خدمتها، مثلما وضعها سابقا في خدمة مؤسسات الاحتلال الأميركي في عهد غارنر وبول بريمر؟
سادسا: لم يقل فالح عبد الجبار شيئا عن موقف حيدر الشيخ من موضوع عدم الإشارة له في رواية منيف، مثلما لم يقل شيئا عن حيدر الشيخ نفسه كوزير سابق في حكومة الإقليم متهم وعليه قضايا في المحاكم تكلمت عنها الصحافة الكردية المحلية وبعض المواقع اليسارية العراقية نقلا عن تلك الصحافة وتجدون رابط ما نشر بهذا الخصوص في خانة اول تعقيب). ولن نتوقف عند هذه الجزئية لأنها خارج الصدد في الوقت الحاضر ولكنها مجرد إشارة الى ان جهود فالح عبد الجبار لتصوير موكله كملاك طائر تبقى تدور داخل إطار المجاملات والعلاقات بين الأصدقاء والمحازبين والمؤيدين للاحتلال الأميركي على الأقل.
سابعا: معلومة قد تكون مفيدة: إن الراحل منيف نفسه وكما كشفت عن ذلك أرملته السيدة سعاد قوادري منيف قد تعرض لسرقة فعلية بعد وفاته طالت مكتبته التي تضم أكثر من 15 ألف كتاب و مخطوطاته وجميع متعلقاته من بيته العائلي في ريف دمشق، من قبل شخصين ذكرتهما السيدة منيف، وكانت قد استضافتهما بعد ان أصيب بيتهما نتيجة الأحداث الجارية في سوريا.
ثامنا: بخصوص ما أثاره أحد الكتبة من اتهامات لمنيف من أنه كان مؤيدا للمقاومة العراقية ضد الاحتلال فهذا ليس اتهاما بل هو مصدر فخر لمنيف ولغير منيف فالمقاومة العراقية، و على الرغم من جزئيتها وانقسامها الفئوي والطائفي بين فصائل سنية عديدة وأخرى شيعية بقيادة جيش المهدي الصدري، وعلى الرغم من الدخول المدان والمرفوض من قبل العصابات التكفيرية في القاعدة على الخط ومحاولتها خلط الرايات و الأوراق، تبقى – المقاومة ضد الاحتلال الأميركي - أشرف وانبل ألف مرة من خيانة العراق وشعبه والاصطفاف مع المحتلين الذين دمروا العراق ثم جعلوه تابعا لهم تحت حكم رجعي متخلف.
تاسعا: ما كتبه أحد أصدقاء فالح عبد الجبار ولنسمه صاحب نظرية (والكاتب مثل ماء الاركيلة: صاعد نازل!/ كما كتب جادلا لا مازحا كما يبدو!) محاولا إعطاء الانطباع بان هذه الرواية " الآن هنا" هي رواية ضعيفة. ولكننا نعثر على معلومة مفيدة قالها هذا الشخص وهي أن ثلث هذه الرواية فقط مأخوذ من كاسيتات صاحبه عبد الجبار.

 

أما اتهاماته إلى منيف بانه كان طائفيا في روايته أرض السواد والتي اعتبرها شخصيا اعظم روايات منيف وأهم رواية عن العراق المملوكي صدرت حتى الآن فالواقع أن جغرافية الرواية وشخصياتها محددة بأحياء قليلة من بغداد وهي أحياء تسكنها غالبية من العرب السنة فكيف يمكن لمنيف ان يتكلم عن أشخاص من الشيعة فيها؟ بمعنى لو ان منيف كتب رواية عن مدينة العمارة الجنوبية فهل نتهمه بانه طائفي لأنه لم يذكر شيئا أو شخصيا من السنة؟ أما بالنسبة لقوله (كل الابطال الايجابيين فيها هم من السنة وكل الابطال السلبيين والخونة والمتعاملين مع القنصلية البريطانية هم من الشيعة او من ذوي الاصول الايرانية!) فهو كلام سطحي وليس دقيقا أو نظيفا البتة، فالرواية تزخر بالقتلة والمجرمين ومنفذي الاغتيالات وعملاء بريطانيا أو الباب العالي من السنة وكذلك من الشيعة والأكراد و لم يخامرني هاجس كهذا حين قرأت الرواية بجميع مجلداتها مرتين وأعود الى بعض أجزائها بين الحين والآخر. وعموما يبقى الحكم القيمي الذوقي على أي عمل أدبي أو فني أمر شخصي يتعلق بالذائقة الفردية أكثر من تعلقه بشيء آخر له علاقة بالنقد العلمي، إلا إذا تجاوز حدود التعبير عن الذوق الشخصي الى الطعن بصاحب العمل بناء على قراءة غير نقدية ومغرضة. وأخيرا لو كان منيف طائفيا فلماذا صفق الباب خلفه وقطع كل صلاته بالطائفيين في نظام صدام أو في المملكة السعودية وراح يسامر الشاعر الجواهري و ضيوفه في دمشق و الذين يعرفهم صاحب نظرية " الآركيلة النقدية" كما كتب هو ذاته في شهادته هذه؟!

 

رابط مقالة فالح عبد الجبار:

 

http://www.alhayat.com/Articles/21050584/%D9%85%D8%B0%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AC%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D8%AD%D9%8A%D8%AF%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D9%8A%D9%86%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%87%D8%A7-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AD%D9%85%D9%86-%D9%85%D9%86%D9%8A%D9%81-%D9%88%D9%8A%D9%8F%D8%B3%D9%82%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%85

 

رابط التقرير الإخباري عن الاتهامات الموجهة للسيد حيدر الشيخ علي

http://saotaliassar.org/Frei%20Kitabat/02ArabicWriter/HaiderALshaikch.htm

 

علاء اللامي

علاء اللامي

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 10287

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات