السرد وما يُمليه

قراءة الموصلات للنص/ سرديات رغــد السهيل أنموذجا

جاسم عاصي

 

ما نعنيه بتبلوّر الخطاب الموصل إلى النص؛ هو توّحده مع ذاته. أكان هذا الخطاب ذكورياً او انثوياً، بالرغم من أننا لا نميل إلى هذا التصنيف، إلا بقدر ما تُتيح لنا رؤانا لفحص طبيعة الخطاب وخصائصه، من خلال علاقته بالواقع المعيش من جهة، والواقع المعرفي من جهة أخرى.ولأننا بإزاء تقديم قراءة لسرود كتبتها أنثى، يتوجب علينا أن نوّضح القصد عبر رؤيتنا لهذا النص والبحث عن موجبات تاريخية ساهمت في بلوّرت صوّت الأنثى السردي عبر التاريخ، وبمواصفات ديالكتيك وجدلية طبيعة السلطة المعرفية المتناوبة عبر مراحل التاريخ.

 

 

إذ نجدها مهمة لتجاوز الحكم العفوي، والمزاجي، بمعنى الاستناد إلى تنامي الفكر وسرده، بما يمنح أحقية وحقيقة جدلية لما ننوي البحث فيه، وفي غيره من مشروع دراسة السرد الأنثوي للإمساك بخاصياته الذاتية. فهي قراءة تستنبط القيّم المعرفية العامّة التي يُرشحها النص، كذلك القيّم الفردية التي تتمسك بها رؤى الساردة. فالمشاريع دائماً تنبثق من رؤى ذاتية، لتقيم اعتبارات جمعية.

 

 

إن الخطاب الأنثوي عبر التاريخ على قِدَمه يُشير إلى طبيعة موَّجِه هذا الخطاب وفعاليته، وهذا تطلب منه أن يكون متمسكاً بنوّع من التفرد والخاصية الذاتية. فأول الخطابات التي نجد فيها نوعاً من الارتكاز المعرفي، هو خطاب (حوّاء) إزاء (آدم) وهو خطاب تميّز بقدرة الذات ليس على التخاطب، وإنما على التغيير الذاتي والموّضوعي. مستندين في هذا إلى تخريج؛ كوّن الاغواء السردي الشفهي،كان بقبول التفاحة وقضمها. أي أن ما رمت إليه (حوّاء) هي الاستعانة بالمعرفي للكشف عن السر الجمالي في الجسد. فالمخبوء يؤدي إلى اليقظة، واليقظة تؤشر التغيير في النمط.

 

 

وهذا ما حصل بينهما بفعل عنصر الأسطورة ورمزها (تفاحة) المعرفة مثلاً.ثم تلا ذلك صراع قابيل وهابيل ووسطهما الأنثى كمبرر لسلطة أكثر مرونة وليونة من سلطة البطريارك.التي يمثلها (آدم) فأول من تأثر بهذا المغيّر هو (آدم) وليس (جلجامش) تاريخياً، فالتفاحة تقابل (انكيدو) على صعيد الأسطورة. ثم امتدت بعد ذلك الخطابات على اختلاف مناهجها وسياقاتها المعرفية من جهة، وطبيعة السيادة الطبقية والفئوية من جهة أخرى. وتوالي الصراع يعني تنامي الحراك الكوّني بين الأقطاب المؤسسة للوجود المادي؛ فنجد أن (عشتار) حاولت أن تخترق التابو البطرياركي من خلال فرض خطابها الزراعي على الرعوي وبما يؤسس استقراراً مادياً في المكان على أساس وجود الأنثى دالة على توفير أسس الحضارة،مبتدئة بسرقة النوميس من الإله، فانتصر الزراعي، ابتداء من الزواج من الراعي (دموزي) وصولاً إلى نفيه إلى العالم الأسفل. كذلك تمثلها لصورة الأفعى لسرقة (عشبة الخلود) من (جلجامش) على شفة البئر،وإعادة الاعتبار للسلطة الأنثوية. ثم استعارة الثور السماوي للفتك بالطرف الأساس، ليس بالملك بقدر ما التخلص من الوافد المعرفي (انكيدو) فهي تعرف جيّداً الكيفية التي ظهر عليها الوافد لتغيير بنية نظام (أوروك) السياسيو الديني(المعبد) باتخاذه خطاب معرفي خالص، بديلاً ومناقضاً لما فرضته سلطة المعبد، سواء على رعايا (أوروك) أو على (انكيدو) وهو الحكم بالموّت (الاغتيال السياسي) حسب تخريج الباحث (ناجح المعموري) والنفي إلى العالم الأسفل. مقابل ذلك نجد أن (ننسون) أم (جلجامش) قد وقفت موّقفاً متوازناً اتجاه الظواهر التي أجراها خطاب (أنكيدو) على بنية تشكّل ولدها الملك النفسية والسلوكية السياسية والاجتماعية. فهي تخاطبه بولدي أثناء تهيئتها لمستلزمات توديعه لرفقة ولدها إلى غابة الأرز. وقد خاطبته بلغة موازية لخطاباته العملية، بأن قالت له : (أنت العارف بكل شيء / الخابر للطرق./ سر أمام ولدي وأنتما تخترقان الغابة المليئة بالوحوش..) فهي العارفة بما يعنيه (خمبابا) بالنسبة لـ (عشتار) لأنها أساساً أنثى بلغت درجة من الحِكمة في النظر إلى الأشياء. ويوازي (ننسون) خطاب (سيدوري) صاحبة الحِكمة والوجود في مفترق، تلتقي عند حانتها الطُرق. فيما نرى أن خطاب (لابان) الذكوري، وهو خال (يعقوب) أكثر تسلطاً ومراوغة. بحيث زوّج ابنتيه لابن أخته(يعقوب) هما (ليئة وراحيل) أي واءم بين نقيضين، لم يفلح خطابه أن يفرض موّازنة بينهما، فنُفيَّ (يوسف) إلى البئر. والذي يهمنا هنا هو حكاية (زليخا) وعلاقتها بيوسف التي أعدّت لأبناء جنسها مِتْكئاً ووضعت السكاكين جنب بعض. علماً أن شخصية يوسف التكوينية، تشكيلة (انثرورجولية) أي شخصية مزدوجة. الغرض من هذا اثبات جمال (يوسف) كحجة دامغة للوّم الذي حصدته من لدنهن إزاء تعلقها العشقي ليوسف جسداً وشكلاً مبهر الخصائص الجمالية، أي اسبغت عليه الأسطورة خصائصها السحرية. فكانت أصابع الإناث قد استجابت لشفرات السكاكين، فبضعنَّ راحات الكفوف بدلاً من بضع الفاكهة،أثاء دخول (يوسف) من أجل اثبات سلطة (يوسف) عليهنَّ، وهي سلطة الجمال الذكوري الممزوج بجمال وفتنة الأنثى. أي أن الأنثى هنا قد تعلقت بالذكورة وخصائصها الظاهرة (الجمال) وسحره. وهذا ممكن، لأن (يوسف) نتاج أسطوري، عبر تنول (راحيل) لنبات (اللّفاح) كما ذكر التوراة في سِفر التكوين ؛ التركيب كان من الناحية الجنسانية فـ (زليخا) لم يكن لها خطاب، سوى الجسد الذكوري المرافَق بسحر الجمال الأنثوي، وهذا ينمّ عن تعلقها بسلطة الذكورة، وتابعة له بانقياد وانجراف.

 

هذه السياحة تقودنا إلى فتح الرؤى إلى خطاب الأنثى لمحاورته. وحصراً الخطاب الأنثوي العراقي.، الذي غلب عليه خطاب صوت الرجل المتداخل. ذلك لأن الأنثى منذ نشأتها الأولى، تعيش تحت ضغط سلطات متعددة. الأولى سلطة الأب السائدة في المجتمع العراقي. وهي في معظمها سلطة جائرة وحازمة وغير متوازنة إزاء وجود الأنثى ككيان وشريكاً معبّراً عن وجوده بما لديه من استعدادات قادرة على صناعة المواقف. ثم سلطة المجتمع والمؤسسة التربوية في كل مراحلها. والأهم هو سلطة الأم التي هي خليط من عناصر الضعف إزاء الزوج، ومكمن الانقياد إلى تابو الدين والمحرم والخرافي بكل وسائله. الأنثى الساردة تنشأ وسط هذا الخليط غير المتجانس، حتى بلوغ سلطة الزوّج الذي يحاول صياغة شخصيتها وفق رؤيته كما ذكرت (فاطمة المرنيسي) في كتابها (بنيان الفحولة) مما ولّد صورة لتكرار خطاب الرجل بعنوان الأنثى. فالساردة تنظر بعين الرجل لما حوّلها. وما حوّلها. وهو مسلك معقد وكبير وشائك. من هنا نستطيع استعارة نظرة القاصّة والروائية (رغد السهيل) في تخريجها لبلورة مفهوم سرد الأنثى، الذي ابتدأ باللغة وخاصيتها، وصولاً إلى فلسفة الخطاب الأنثوي. لذا فخطابها بإزاء خطاب الآخر يستعين باللغة (سرداً واسلوباً ورؤية) والخطاب بطبيعة الحال يأخذ بخاصية اللغة ومميّزاتها. وهنا يستوقفنا نموذجها في خطاب الأنثى، وما يطغي على بعض الأصوات في هذا المجال. ألا وهو خطاب القاصّة والروائية والمقالية (لطفية الدليمي) من خلال سردياتها فهي عملت على تصفية صوتها من شوائب صوت الرجل. وذلك بالاستعانة بمتن المعرفة. ومزاولة الكتابة التي كان لها فعل محو المفروض أسرياً واجتماعياً من أجل فرض المقبول والمرغوب ذاتياً في صقل الشخصية المعرفية. لا لشيء، بقدر ما عملت على هذه البلوّرة عبر نماذجها في النصوص. فـ (مزيّنة) في رواية (من يرث الفردوس) لم تستعر صوت الرجل (سحبان) الذي رافقها إلى حصن (المسهج) ومن ثم إلى الجبل حيث الخلاص من دنس الذكورة المتمثلة في سلطة الآخر والصعود به في اختيار فضاء اليوتيبيا لتأسيس الخطاب الجديد. وهي رؤى فلسفية خالصة، خلقت محاورها في الرواية. كما وأن شخصية الأنثى في رواية (بذور النار) لم تتخلص من هذا المنحى، بل أنها امتداد لشخصيات الرواية الأولى. وتوالت لديها سس الملحمة في لروية في رواية(سيدات ُحل).وهكذا عملت (علياء الأنصاري) كي يكون سرد المرأة متوّحداً مع ذاتها، وتمردها على سلطة الزوّج السياسية قبل الأسرية، وهي الأستاذة الجامعية ذات الصبغة الدينية المعتدلة في سلوكها وتعاملها مع الطلبة خاصة من الإناث. إن هذا الميّل للتغيير دال على تأسيس كينونة ذات نمط فلسفي وفق منطق الخطاب الأنثوي. وهنا لابد أن نقترب من خطاب (السهيل) في أطروحاتها. وهي بطبيعة الحال مع ما ذكرته الكتب المعنية بخطاب الأنثى في ما يخص العلاقة بين الجنسين فـ (لكل فريق لغته الخاصّة التي ترتبط بالخصائص النفسية والتاريخية والاجتماعية. ولن ينجح الحوّار بين الطرفين ما لم يتم تفهّم لغة الآخر. فلا يفرض أحدهما لغته على الثاني، وإلا تلاشى الفرق واندمجت اللغتان. واصبح الخطاب بلغة واحدة ؛ هي المهيّمنة. وهذا اقصاء لهوية الآخر. فاللغة جزء من الهوية "السهيل") وهذا القول من الناحية المنطقية صحيح، ومن الناحية التطبيقية محدود لكنه موجود، فهو خطاب يبحث عن هوية الجنس السارد. وتأكيدها على انتفاء توصيف خطاب أو نصوص المرأة بأنها كتابات النساء، بقدر ما هي توّصف بـ (الأدب النسوي) وهنا ليس مهماً من يكتب النص، بقدر ما المهم طبيعة الخطاب وما يُرشحه من خصائص ذاتية.ولعل توصيفها لذلك كان أكثر جدّية في (إن الأدب هذا لا يتحدد بجنس الكاتب، وإنما في فلسفة الكتابة "السهيل") وهذا الرأي أكثر جدّية في النظر إلى نص الروائية من خلال ترشح مثل هذا المنحى المختار في الكتابة السردية.فرواية (أحببت حمراً) تندرج ضمن الخلق الذاتي للنص. ذلك لأن ما ورد في النص كان له مواصفات ذاتية سنأتي عليها لاحقاً.

 

 

مداخلات السرد

 

حفلت السرديات التي تنتسب وتنسّب إلى المرأة ــ وهذا التعبير مجازاً ــ بتنوعات في مستويات عابرة للمألوف أو النمط الذي يوحي باتساع دائرة المعارف لدى الكاتبات. مما ولّد امكانيات ذاتية كفيلة بأن تُنعَت التجربة من خلالها ؛ كوّنها ذات سمات قارّة في انتسابها إلى نوع من السرد يعمل خارج عباءة الرجل، أو التحرر من الهيّمنة الذكورية المتسلطة. فالمبنى الأسري والمهني والوظيفي أخرج كائن المرأة كصوّت يبحث عن استقراره وتفرّده واستقلاله الأدائي. وهذا تطلب بطبيعة الحال فحصاً دقيقاً، بعيداً عن السلطة المعرفية الذكورية. فالدائرة اتسعت مساحتها ضمن تراكم معرفي كثيف، خلق جرأة في استعمال الحرية المتاحة ذاتياً، ووفق منظور قادر على التثبت من التجربة والمواصلة موضوعياً. إن الحرية بعيداً عن مفهومها السياسي الذي أنتج مفهوماً اجتماعياً واسرياً متنوّعاً ومتبايناً ؛ هي ممارسة ذاتية، تستخلص امكانياتها وآلياتها عبر تشوّف ذاتي خالص. لأنها أساساً مرتبطة بالنتائج المستخلصة من التجربة، وهنا نعني بها تجربة الكتابة التي تمارسها المرأة لعكس تشوفاتها للواقع باستقلالية معرفية ورؤيويه.

 

ولنا في تجارب كثيرة لكاتبات مارسن الكتابة بحرية مقتدرة على التأسيس.، مثل (لطفية لدليمي، ميسلون هادي، عالية طالب، هدية حسين،علياء الأنصاري) مثلاً. ولعلنا ونحن نحاول دراسة سرديات (رغد السهيل) أن نوّضح نظرتنا ونوّظفها لصالح ما تميّزت به كتاباتها عبر قصصها في مجموعتين، ورواية واحدة. وإزاء هذا العدد القليل في المفردة، والكثير في النوّع، يمكننا ممارسة حرية الكتابة، بانضباط وفق ما منحتنا إياه تجرية الكتابة عندها.

 

 

كشف المعقول في اللامعقول.. السرد القصصي

 

إن البحث في الفوضى التي عبرت الواقع المعيش باتجاه طرح وجهة النظر؛ يحتمل الكثير من القراءات. غير أننا نقتصره في ما يعنيه النص القصصي في قصص القاصّة (رغد السهيل) ضمن مجموعتيها (ضحكة الخاتون/ سايكو بغداد) وفي كلا المجموعتين، لم تغادر نوع الاهتمام في بناء النص من حيث علاقته مع الواقع، وخلق اقتدار فني له. كذلك لاستكمال العبارة. وبما يعنيه البحث على صعيديّ المعنى والبناء. لذا يكون بحثنا عن الفوضى يتضمن، الكيفية التي تنبهّت إليها القاصة في واقعنا ما بعد 2003 الذي عشناه ونعيشه جميعاً، كذلك التخلص من شرك وقوع النص في هوّة هذه الفوضى الفنية. فالتعالي على هوّة السقوط ذاتياً اعتمد التحصن المعرفي، بحيث كانت الساردة المراقبة والمشاركة، أكثر حذراً في التقاط ما يتوجب التقاطه لدعم النص. صحيح أن الفوضى تُحجب كل شيء، غير أن بصيرة الساردة الواعية تتماهى مع الأكثر تأثيراً، والأكثر تراجيديا والكوميديا السوداء. فالقاصة تحاول اخفاء تراجيديتها المتأتية من واقع مأساوي، بروح السخرية، وتسفيه بعض المفاصل، ليس على حساب بناء النص، بقدر ما كان الفعل السردي هذا أكثر تركيزاً ومواءمة مع جسد النص. في قراءة نصوص المجموعتين، قراءة ثقافية. بمعنى استحصال ما يترتب من وعي ثقافي ومعرفي لدى الساردة التي تُدير مسار النص بوعي فيه مرونة من قبل القاصّة خارج النص. ونقصد المرشحات المعرفية. وهذه الملاحظات تنتظم ضمن محايثة للنصوص.

 

من الملاحظ أن محتوى كل نص عبارة عن ازدحام رؤى فرضها الواقع بكل نتائجه السلبية. فالذي يجري يتسلل إلى النص بكل مرونة وبساطة، دون تعقيد. ذلك لأننا تلمسنا مثل هذا النهج، ليس في هذا النص دون غيره. مما وفّر لنا الوصول إلى مداخلة معرفية بأصول بناء النص عند (السهيل) بمعنى اختيارها بشكل تلقائي لمثل هذا المنهج في الكتابة، في أن يكون النص حمّال أوجه، بالرغم من بساطة أحداثه، والكيفية التي طُرح من خلالها هذا المشهد أو ذاك. فهي غير معنية بتصعيد التراجيديا، بقدر ما تؤشر لذلك بأسلوب مزيج بشيء من الأسى والتهكم. فهي تمزج بين الفعل وفاعله، بما يضعنا ضمن نقد الواقع وتعرية مفاصله. إن ازدحام الرؤى يمنح نتائج للنقد والنقد الذاتي للبنى الفوقية، و الأسى على البنية التحتية، ونعني بهم ضحايا السياسة الخاطئة، وهم ضحايا الارهاب اليومي. مقابل هذا تتوّفر على نوّع من السخرية المبطنة بموّقف واضح، معرفي وثقافي والشعور بالمرارة القاتلة، وبشيء من الايديولوجية المتمثلة في صياغة الموّقف الذاتي من كل ما يجري.أي الموّقف المعارض والناقد. إن الوقوف بإزاء الزيف اليومي للعلاقات الاجتماعية والسياسية، يتطلب قدرة على تشكيل الموّقف والموازنة الذاتية التي تقود بطبيعة الحال إلى الموّضوعية. كذلك الكيفية في عرضه وعدّه جزءاً من تشكّل العقل الأكبر في المجتمع. وهذا ما فعلته (السهيل) في أن تتخذ من الموّقف العام موّقفاً خاصاً. فالإشارة إلى مثل هذا الزيّف والعقم، يتوجب له رؤى متمكنة أيضاً، لا تعني من خلاله العرض فقط، بقدر ما يتوجب اختيار عرض الرؤى المغايرة. وفي هذا عمدت القاصّة، على أن تصوغ المشهد بما هو مزيج من هذه الرؤى. فالتعاطف واحد من أساليب الطرح الذي يُجسّد الانحياز. فالصدفة التي قادت الباحث في النفايات بعد ضياع تمثال رأس (أبي جعفر المنصور) يعثر على الرأس مطموراً تحت الأزبال. وواضح القصد في عرض مثل هذا المشهد. وتُعاد صياغة هذا المشهد في روايتها (أحببت حماراً) لكن الذي تعثر عليه المرأة هو رأس زوجها الفقيد، الأمر الذي يتطلب العثور على بقية الجسد، كي يوارى التراب كأقرانه المغادرين يومياً.هذه الصياغات تدل على ذاكرة مزدحمة، لكنها عارفة بكيفية توّظيف مفرداتها، وواعية لكيفية توزيعها على النصوص. الازدحام لا يقف حجرة عثرة في تنظيم النص من جهة، ولا يضع عثرات في خلق المناخ المناسب لصياغة هذه المفردة أو تلك من جهة أخرى.

 

إن القاصّة وهي تعمل على صياغة مفردات نصها، لا تغفل عن البناء النفسي الذي يتركه المشهد بكل مكوّناته. فبناء الشخصية فعل وردود فعل، وهذا ما سارت عليه القاصّة وهي تتبع مجرى الأحداث مما تراه في الوطن، أو تنقله الأصوات من داخله وتسمعه وهي خارجه. إن التأثيرات النفسية واضحة الأثر على الشخصية. فالإشكال الذي حدث في قصة (هاتف بغداد) كان وقعه شديداً على الشخصية التي قالت عبارتها (مائة مليون دينار عراقي... ستعفيني من الاستجداء أمام الجامع الهاشمي في عمّان. لماذا لم أكن سمر صالح؟) ناهيك عن القوة الجارفة من الحنين إلى الوطن في ذات المُهاجر قسراً.

 

 

لقد حاولت (السهيل) أن تضع نصها موّضع المعارض للواقع. لكن معارضتها تتم وفق أصول عالية من الأخلاق السياسية والثقافية. إنها تحرص على أن لا تؤدي بالنص إلى هاوية التبسيط في العلاقة مع الواقع، ولا التعالي عليه. وإنما من خلال اتخاذ موّقف العارف المدرك لجدلية حراك الواقع، وما يفرزه من ظواهر، لأنها تحتكم معرفياً إلى العلة والمعلول وهما عماد الجدلية. كما وأنها لا تغفل عنصر مهم في الكتابة، وهو التخييل الذي يدفعها كثيراً إلى نوع من خلق رؤى الفانتازيا. وهي رؤى تقترب من فن الكاريكاتير، ولكن بأسلوب سردي متوازن لا يضيّع هذا بحساب ذاك. وأرى أن التمكن من طرح الرؤى يأتي من قوة المعرفة وقوّة قاعدتها. كما وانها عالجت العلاقة الثنائية بين الرجل والمرأة، من باب تمكن الأنثى من طرح أفكارها، ومن قدرتها على ممارسة حريّتها باقتدار ذاتي. سيكون هذا ضمن طرح يخص روايتها (أحببت حماراً).

 

 

رؤى مرشحات النص الروائي

 

من الملاحظ أن نص (أحببت حماراً) قد رشّح صوّر ومواقف حياتية، أسهمت في بلوّرة صوت الخطاب الذي دعت إليه الكاتبة. بمعنى كان الخطاب ذي محتوي للكثير من مجريات الواقع الذي كبلته قيّم جديدة، تنحو للخطأ من وجهة نظر الساردة، كذلك ما تجسّد خلالها من صوّر باطلة، أحدثت شرخاً بين القيّم الموضوعية والأخرى الذاتية. إن الساردة عزمت على التمسك بقيّمها التي أوحى بها مستوى الوعي والحساسية إزاء بؤر اعتبرتها أكثر قرباً منها حسياً. لذا فالحماس الذي كان عندها مترشح من أحقية تلك القيّم التي آمنت بها. ذلك لرؤيتها لنموذج (زكي) ومن بعده حماره بمقياس تهذيب النموذجين. ولهذا دلالة اجتماعية. العلاقة التي ترشحت كانت بمثابة بديل على الفقدان الخاص (زكي) والفقدان العام (ضياع القيّم) من هذا نرى أن التعلق بالحيوان ليس حالة شاذّة، بقدر ما كانت تنّم عن حساسية النموذج(المرأة) التي استجمعت كل ما واجهته وتواجهه ضمن التشكيلة الاجتماعية والوظيفية. هي صورة مقلوبة لشخصية (سامسا) في (مسخ كافكا) الفرق واضح بينهما في نوع العيّنة المفروزة من مجموعة عيّنات الواقع الذي اختلطت فيه القيّم، لكن الدلالة توحدهما. إن البناء الاجتماعي يتأسس على قيّم عليا، يرثها المجتمع، ويُجدد صوّرها ضمن حركة الزمن. غير أن تلك القيّم بالمقياس الذاتي، انحرفت عن نصاعة الصورة، بل تهاوت في الخطأ بمرور الزمن، بحيث ولّد هذا نوعاً من الشرخ بين القيّم الجديدة التي بنيّت على الخطأ، والقيّم الذاتية التي حافظت على قيمتها ووحدتها الموضوعية. وهذا الفرز الواقعي كان في متناول تداول النص. ولعل محاولة الكاتبة عبر ساردتها قد تمكّنت من رفع الحيّف عن القيّم المفتقدة، والامساك بخيوطها خوف القطع النهائي، كما فعل الزمن بالقيّم العامّة عند الكثيرين الملوّنين في المواقف. إن البحث عن النقاء ليس بالأمر السهل، فهو يتطلب تضحيات. وهذا ما فعلته بعض نماذج الرواية، خاصة شخصية (بابا نوئيل). فبنية التاريخ في النص بنية متبدلة في علاقاتها، قد تأرجحت بين التأسيس بمواجهة المُخرّب. فهي بذلك عملية صراع، لم ترده الكاتبة أن يكون شديداً ضمن حراك مفتعل، فقط كان مرماها أن تأخذ بالجزء المؤثر في نظرها (علاقتها بالحمار) لتؤسس من خلالها وجهة النظر. أعتقد أن الكاتبة عملت كثيراً من أجل أن ترسم معالم غير واضحة بالمنظور الفردي والجمعي عند الآخر. بحيث جعلت ما هو غير منظور منظوراً عبر تأسيس علاقات مفترضة ذات محمولات نسبية لأقناع الآخر. القيّم التي تؤسَس تحت ظروف ضاغطة، وبغياب الحياة السويّة، وبإرادات خارج المنظومة الاجتماعية كما حدث إبان الاحتلال الأجنبي للعراق منذ عام 2003 وظهور قيّم جديدة، خاصة منطق وصورة الموّت الجماعي نتيجة الإرهاب، واحتلال المُدن العراقية بزمن قياسي، لا تتناسب أو تتناغم مع قيم الذات العراقية، فهي ماحقة لصيرورة الفرد والمجتمع، من الصعب تجاوزها، لأنها مسنودة من قوى مخططة لمشروع التدمير، راسمة كل السياقات والسياقات البديلة التي يتوجب حدوثها. وهذا ما أسفرت عنه اعترافات عدد من قاد عمليات تنفيذ المخطط الأمريكي وعلى رأسهم(بول بريمر) في توصيف لكل ما حدث، وما كان يتوجب أن يحدث في مذكراته، التي أتت عليها الكاتبة، آخذة بالصورة الظاهرة للعيان. ونقصد كل ما جرى ويجري في الواقع من تصفيات بشرية كنتائج لسياسة معيّنة، واستيطان أرض دونما حق. كذلك تمزيق قيّم عقائدية بحجج ملفقة. إن ما عمدت إليه الكاتبة هي الامساك بحساسيتها الذاتية إزاء التاريخ الذي رسمته أقلام دخيلة، وحاولت جر خطوطه كي تتعرى من خلال مسار نسق النص.

 

 

رؤى تطبيقية لصوّر النص

 

 

من الممكن معرفة مستلزمات التعبير عن الواقع من خلال آليات الكتابة في الرواية التي كان من ميّزاتها الرئيسية، كوّنها تعاملت بتلقائية مع ما هو معاش ومرئى. فلا حدود صارمة للغة السرد ولا لأسلوب الكتابة ونمطها السائد، التي تُغري البعض وتضيّع من حيّز نصوصهم الأهم بمنهج تحليلي خاصة في بناء الشخصية. إن الرواية هي الوعاء الذي يمكن من خلال مساحته خلق انسجام بين الشكل والمعنى. فالمعنى يختار الشكل، والأسلوب كما قيل هو الرجل. بمعنى هو الهُوية التي يظهر من خلالها السارد (المؤلف) ويكشف عن وجوده الإبداعي. فالتمرد على صرامة الكتابة، لا يعني بعثرة مقوّماتها، بقد ما يندرج ضمن التجريب المتزن، الذي ينبثق من جدلية الضرورة والحتمية. وهذا يفترض قدراً استثنائياً من وعي الكتابة من جهة، ووعي المعرفة من جهة أخرى. فالثقافة الروائية شيء، والمعرفة بالرواية شيء آخر، مثلها مثل الُبعد المعرفي الذي يمكّن الكاتب من اللعب بكل ما من شانه تشكيل سردية معيّنة، لأنها مكّنته من المسك بالأشياء، والتحكم بالرؤى، وضبط مقوماتها ومجالاتها الأسلوبية. فالتمرد على اسس كتابة الرواية من أصعب الممارسات، والنجاح فيه يعني تلافي آثار السقوط في غير الممكن والمنطقي، لأنك بطبيعة الحال، تتعامل مع حركة تاريخ، إذا ما نظر الروائي إلى مفهوم التاريخ ومدوّناته عبر كل الأزمنة. وكما ورد في سياق كتابتنا من خلال ملاحقة الأساس الزمني والتاريخي الذي تطوّرت فيه سلطة الكتابة المرتبطة بالسلطة المعرفية للأنثى، لا لشي، سوى أنها ملاحقة لكشف الأنماط التي اخترقت بـناء الوجود المادي والمعنوي، عبر حركة التاريخ، حيث كان للأنثى دور ومكانة في التأسيس للنمط الذي يخص الهُوية المعرفية التي قادت إلى الهُوية السردية. أي أن صوّت الساردة بدأ يتخذ مكانته الصحيحة واللائقة في التاريخ أيضاً.

 

 

ومثابرة الكاتبة (رغد لسهيل) لا تختلف عن قريناتها سوى بطبقات المعرفة، التي قادتهنَّ جميعاً باتجاه مشارف الاختيار الأمثل. وهذا ما رشحته قصصها كما ذكرنا، وروايتها. فالشكل العام للنص، أي حراكه الداخلي خضع إلى طبيعة الواقع، أرى أن هذا المنطق في تأليف النص كان نتيجة المعادلة الصعبة، لواقع مضطرب، فيه تزوير للأسس في بناء الدوّلة مثلاً. كذلك في ما يخص وجود الإنسان ومحو وجوده. المرهون لنوع من الاعتبار العشوائي (المخطط) فالعشوائية اليومية في صنعة الحياة نتيجة، والموّت المجاني واحد من أكثر النتائج خطراً لمثل هذه العشوائية، لأنه يُعطي نتيجة قاهرة، وهو محق ومحو وجود لإنسان، الذي هو تاريخ أسري واجتماعي. إن كل ما دار في النص هو رصد لنتائج السياسات الخاطئة والمبيّته. وهي جزء من مخطط التدمير من أجل التكييف السياسي، لعل أهمها الفكري. فالبلد يمتلك صيرورة تاريخية غائرة في القِدَم، وله إرث حضاري. فليس الثروة فقط هي الدافع لتغيير النمط الحياتي، بل أن الثروة الفكرية الحضارية هي الأهم. لذا ابتدأ المشروع من نقطة التعطيل الأهم، وخلق محاور سياسية قادرة على بلبلة الألسن وانحراف الأفعال كما تقول الأسطورة البابلية، ودعاء الرب على شعب بابل بأن بلبل ألسنتهم. وها نحن قد تبلبل لساننا السياسي على حساب لساننا الثقافي والمعرفي. هذا المحوّر أيضاً من سمات معالجات النص. كذلك النتائج التراجيدية، ذات البُعد المأسوي، والكشف عن الحال اليومي، كان اللبنة التي من خلالها شُيّدت معظم معمار المعنى داخل النص.إن هدم الشكل كان وفق اعتبارات الحراك الذهني للساردة، فقد توّفر السرد على مقومات معرفية، أستقت من بطون التاريخ. وبواسطتها استطاعت أن تؤسس لنمط واكب حراك اليومي. فالحراك غير منطقي، ومتنافر الأطراف، وموغل في الخطأ ولخطيئة، فكيف تغيّر من نمط وجودي كهذا أن يتبع منطقاً لعقلانية صارمة، وأسس رواقية ملزِمة؟ سؤال قاد(السهيل) إلى متابعة حيوات نصها وفق دالات منطقية، بالرغم من اعتبار الآخر في كوّنها غير منطقية، ولا تتوافق مع المنطق العقلاني، لعل أهم ما في هذا التعلق بوجود(الحمار) لكن ذلك ومن وجهة نظر متطرفة، كان منطقاً عقلانياً، لأنه ارتبط بمعنى معيّن، خلقته الأنثى ليس بديلاً عن الرجل (الذكر) أو الفحل الشرقي، بقدر ما كان تواصلاً للوفاء والاستقامة التي وفّرتها سيرة (زكي) صاحب الحمار. البديل هنا ينتمي إلى صيرورة أخلاقية كبيرة. فالجزء هنا يُعمم على الكُل. وللكاتبة رؤاها في ما ترى وتمارس في الحياة. فوعيها عميق متأتي ليس من وظيفتها المتماسّة مع العقل (العلمية) وإنما من منطلق قدرتها على صياغة الرؤى المتمكنة، بسبب تمردها دائماً على النمط السائد، القصد منه خلق قدرات ذاتية مضافة للعقل المتمثل في الطلبة المنوط بها تدريسهم. إنها كساردة لا تعلّمهم بمنطق تلقنهم، بل تفكرهم بوعي مغاير. ذلك لأن السائد في الواقع يسير وفق العماء المعرفي، فطبيعي يكون موّقفها هذا بين أقرانها ومركز دائرتها معرّض للتصادم. إننا إزاء حراك عقلي، ينتج فكراً، يقود أسلوباً ناقداً لواقع مدمّر. وما تغيّر الأزمنة في النص سوى استجابة لمثل هذا المنطق في الكتابة. لأن النص احتكم للتاريخ كجزء من معرفة عامّة. وقد تجسد هذا في الموّقف لخلق توازن تاريخي، أو عوّد أبدي كما تقول الأسطورة بلسان(مرسيا الياد):

 

 

(- نعم خالتي أنا أحب كل من يحمل العلم العراقي، أنت جميلة جداً، هذه أختي علّمتها أن تحمل العلم.. أنظري)

 

وتستكمل كساردة المشهد، ببانوراما أكثر منطقية ووطنية:

 

(وجدت أمامي طفلتين أنيقتين مهذبتين، عبقت منهما روائح لأحلام الطفولة.كانا يحملان الأعلام العراقية على مدى تاريخ العراق، حتى خرج من المحل رجل وسيّدة أنيقة. التفت الرجل نحوي:

 

-معذرة سيّدتي ابني مجنون بعشق العلم العراقي.

 

حرّكت رأسي ولم أستطع التعليق، فالكلمات انصبت في روحي، ضحكت تلك السيّدة اللطيفة وهي تنادي على ولديها... وفتحت صرّة باب نوئيل. كانت بالية وملطخة بالدماء والأوساخ...)

 

هذا ملّخص لأحداث النص، تبأر في هذه الزاوية من منطق لسرد، لكنه لاحق أيضاً حقيقة صارخة، تؤشر الموّقف:

 

(فتحت الدفتر -تقصد دفتر بابا نوئيل- لم أجد سوى عبارة وحدة مكتوبة بالقلم الرصاص -وهو قلم الصغار في المدرسة- تتكرر في كل صفحات الدفتر. لم تكن إلا عبارة : تُف... بول بريمر. وبقيت أسأل ؛ هل حقاً كان بابا نوئيل معتوهاً ؟)

 

وهذا يُعيد إلى ذاكرتي حال كاتب كان رئيساً لصحيفة وطنية في ستينيات القرن المنصرم، حيث دفعه الواقع المزرى إلى كتابة افتتاحية صحيفته تحت عنوان (يسقط التاريخ) وختم الافتتاحية بعبارة (ألا فليسقط التاريخ) ومها وكما أشيع،كان قد عبر الحدود، وتوّقفت الصحيفة عن الصدور باسم الديمقراطية السياسية!

 

 

عيّنات روائية

 

في هذا المجال الذي أتاحته الرواية لنا لتتبع العيّنات التي قدمتها من واقع ؛ طبيعي ان يكون مجتزا من واقع أكبر، لكنه ملغوم بالنقد الكاشف للصيرورة، والمتحلية بالسخرية المرّة والكوميديا السوداء. لقد استقت الدرس التاريخي عبر انثيالات لتأكيد المحق في ما مضى، ووجوده كدالة بما هو حاضر، كثورة الزُنج، حيث ابتدأت هكذا:

 

(كان الغول أسوّد، وله خرطوم طويل..... كل يوم فيه ريح يتوّهم أنه الخليفة العباسي الموّفق ويواجه ثورة الزُنج، فوّضع الريشة على رأسه، ثم سحب تلك الأهوار مرة واحدة.... وهاجر كثيرون وفقدوا الذاكرة، ولم يتعلموا من درس الغول كيفية حماية أنفسهم من التقلبات الجوّية. فكلما تغيّر الطقس العام ظهر غول جديد).

 

هذه الصورة التي ألتطقت من بطون التاريخ، تكررت في النص، لا لشيء، سوى التأشير على متوالية ما تنتجه الأزمنة من سوء احوال جوّية سياسية فكرية. فالساردة إنما تسخر من الواقع، وهي تُسخّر عيّناتها لهذا الغرض. ولعل ما ورد من صورة تفوق تراجيديا الكوّن، في حكاية (أم مظلوم) التي تبحث في أكداس النفايات عن أشياء صالحة. فهذه المرّة لم تعثر كما عُثر على رأس تمثال أبي جعفر المنصور، بل على رأس زوّجها،مطموراً ضمن نفايات البيوت والشوارع (يا أم مظلوم حرام لا يجوز، لا نعرف هل سنجد بقية جسده أم لا ؟ يجب دفن الرأس) كما وأنها تُعلن عن المفارقة في المنطق حين تنقل قوّل زميلتها (ليلى) (هل تصدقين يا أمل، لقد طلب مني الدكتور فتح الله خميس أن أضع مؤخرتي مكان رأسي!؟)

 

إن الكاتبة تراكم المعاني للخروج بخلاصة منطقية من واقع لا يربطه المنطق، فهي تحاول أن تشكل المعقول من اللامعقول وهو كثير في النص، لكن الإشارة إلى البعض يُحقق لنظر إلى لكُل، فقد وردت ملاحظة مهمة، عن نموذج يكنى بالمعتوه، هو (بابا نوئيل) كما ذكرنا سابقاً. فقد استمعت الساردة إلى قوّل أحدهم، وهو جزء من متوالية تشكيل النص ه، حيث ذكر:

 

(ــ سيّدتي هذا الرجل لا يحدّث أحداً مطلقاً. لا تحاولي، إنه يبكي بعد كل انفجار يحدث، رأيته بالأمس يضرب كفاً بكف بعد انفجر حدث هنا، ثم ضرب رأسه بسياج هذا المحل. الغريب أنه يكتب في دفتر، لا أعرف ماذا يكتب؟!

 

ــ يكتب ؟!

 

ــ نعم صدقيني رأيته يفتح صرّته ويخرج دفتراً ويكتب فيه وخفت أن

 

أقترب منه أكثر!)

 

وإزاء هذا سألت نفسها (ماذا يكتب بابا نوئيل ؟!) فكان التاريخ ملازم لجهدها السردي. فإذا كان (بابا نوئيل) يدوّن فثمة أزمنة تدوّن وتسرد ما شوهته الرؤى الخاطئة للواقع. وما تراكم الأحداث والصوّر، سوى المنطق الذي يستل اللامألوف ليشكّل منه سرداً روائياً.

 

 

ميتا سرد

 

لعلنا في هذا المحوّر، إنما نحاول أن نؤشر جملة خصائص في الكتابة وتشكيل معمار النص الروائي، الذي اتفق عليه العقل النقدي بمصطلحات (ميتا سرد، ما وراء السرد) وهكذا، غير أن الخلاصة وضمن حقل النص، نجده يُشير إلى المقاطع الاعتراضية التي تُشير إلى ازدواجية نموذج النص(المؤلفة) كساردة مركزية، وبين جملة الأخبار التي تؤكد حضور الكاتبة في النص. فصوّت الكاتبة، يندمج في صوّت نموذجه. وهي إنما تحاول كمؤلفة لنص أن توّفر له مرجعيات معرفية، متخصصة وعامّة. هي في النتيجة وكما نراها تصب في صالح النص. وهي كثيرة نجتزئ منها القليل لنحقق نظرتنا المتوازنة لحيثيات النص والمرجعيات الساندة له.

 

(أنا لست خرساء، بل أهوى الشعوّذة السردية. صديقتي الحسناء إيزابيل اللندي نصحتني أن أتوّجه نحو السرد كلما شعرت بخلل في المنطق لأننا نحن النساء لم تبق لنا إلا سلطة الثرثرة بع الانقلاب الذي أحدثه الذكور علينا في المجتمعات الأمومية)

 

هذ المجتزأ يُشير بوضوح إلى التدخل في صيرورة النص التلقائية. أو أنها في مقطع آخر تذكر:

 

(لا أمتلك غرفة خاصّة لأرتب هذا الملف في رواية كما تنصح فيرجينا وولف)

 

أو قولها "سأعمل على إدخال حماري الأبيّض إلى السرد العراقي".

 

وأخيراً: (الرواية تبحث عن نهاية أمل التي أحبّت حماراً، أنهكه البحث والتجوّال، تفكّر بتعب القارئ وهو يبحث معها)

 

غير أنها وبذات الوقت، وفّرت نهاية لنصها وكالآتي:

 

(نعم.. سأكتب يا ليلى وأقول... سأقول... أحببت حماراً)

 

وحين تسمع بخبر موّته لا يبدو عليها التصديق، حيث تدافع في ملاحظة خارج المتن مفادها:

 

(قرأت روايتك (أحببت حماراً) أشكرك لنشرك للملف، لقد فقدته قبل الانتهاء منه. ولأني لا أجيد السرد، كنت سأسّلمه إلى أية كاتبة لها غرفتها لخاصّة. لم يخطر على بالي أنه سقط قرب بسطة خضار المرحوم زكي، وأزف لكِ بشرى حماره لم يمت، رأيته بالأمس يدور حوّل حديقة الأمة. عليك تقبل كل مفاجآت الحياة. لا تستغربي شيئاً... "الخاتون").

 

هذه التدخلات تؤكد على منهج الكاتبة في صياغة نصها، مقتربة بذلك من المصطلح الذي يقرّب حيثيات النص إلى الواقع، وصناعته من مفردات ما نعيش. التدخل يعني صناعة النص، بالإشارة إلى مرجعيات أساسية. هي مجموعة مرويات، تُخبرنا بها الساردة، لتضعنا ضمن تحكيم النص واستقباله. ولعل الملف الذي عُثر عليه قرب بسطة الخضار لزكي المقتول في زحمة الموّت المجاني، ووصوله إلى يد الساردة مؤلفة الرواية، ساهم بنيوياً في صياغة بلاغة النص، من خلال الأوراق التي توالت في رحمه كدالة ومُعينة للصعود بالتاريخية ومساره التهكمي. إن النص ذي محمولات كثيرة، لعلنا تحصلنا على جزء منها، هي سمة القراءة، التي هي من بين قراءات متعددة، تختلف أو تتفق في الأجزاء من الاستقراء.

 

___________________________________________

 

رغد السهيل/ رواية (أحببت حماراً) المؤسسة العربية للنشر 2015

 

جاسم عاصي: روائي وقاص وناقد مخضرم حصد العديد من جوائز محلية وعربية

 

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 9420

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات

احجز مساحتك الاعلانية الآن
تصفح موقع DW الألمانية