العراق: من المحاصصة الطائفية الى المحاصصة التكنوقراطية

“ان العلة في عصيان اهل العراق على الامراء هي انهم اهل نظر وذوو فطنة ثاقبة ومع النظر والفطنة يكون التنقيب والبحث ويكون الطعن والترجيح بين الرجال والتمييز بين الرؤساء.” هذا ما قاله الجاحظ في وصف اهل العراق لذا ارى ان كل التحركات والمناورات التي يقوم بها السياسيون معروفة لدى عامة الشعب وهي موضع تقييم ونقد من قبل الشرائح التي تمتلك وعيا لما يدور حولها.

 

عملية النهب المستمر لخيرات البلد وتركه كناقة عجفاء لم يخف على العراقيين الذين يعيشون حالة غليان مستمر. لا ادري الى اين تتجهون بالبلاد. من يتابع اجراءات الحكومة ومن خلفها الاحزاب المشتركة فيها والمسيطرة على البرلمان سواء في مجال السياسة الداخلية او الخارجية يدرك ان البلاد تسير بالقدرة كما يقول العراقيون. وهنا  تحضرني طرفة قبل ان استرسل بالحديث عن الوضع الراهن. هذه الطرفة تتعلق بالوضع في ليبيا في منتصف التسعينات حيث كان المدرسون العراقيين والعرب يتداولونها باستمرار لانهم لايعرفون كيف تسير الامور هناك. كانوا يرونها من وجهة نظرهم سائبة عندما يقارنونها ببلدانهم، لان المجتمع، وخاصة في الجنوب، مجتمع قبلي تسود فيه الكثير من العادات البدوية، يتصرف على هواه في كثير من الامور التى لا تقترب من سلطة القذافي. يقال عندما قرر احد الخبراء السوفيت العاملين في ليبيا العودة الى بلاده وصل الى المطار وقبل ان يصعد الطائرة طلب من مودعيه ان يأتوا له بسجادة صلاة وعندما  سمعوا طلبه الغريب تفاجأوا وبادروه بالسؤال وماذا تفعل بها، قال: اريد ان اصلي لانني ادركت الان ان الله موجود وان هذه البلاد تسير (بالقدرة).

 

ان الحالة التي عليها العراق اليوم، تشبه تلك الحالة، لانعرف كيف تسير الامور والى اين تتجه حيث التيه والتردي في كل شيء وقد زاد عليها غياب الخدمات، على الرغم من صرف مليارات الدولارات ومرور اكثر من 12 عام على سقوط نظام صدام حسين. وهذا يعود سببه الى غياب التخطيط وضعف الارادة الوطنية والتصميم على استغلال كل العوامل التي صاحبت  التغيير من  دعم دولي كبيير ورصد اموال كبيرة. كان هناك واحد من امرين اما ان تتكاتف كل الكتل السياسية على  اختلاف توجهاتها، بعد أن تضع خلافاتها جانبا، والعمل يدا بيد من اجل اعادة الاستقرار وبناء البلد على اسس صحيحة وبذلك ستعم الفائدة على الجميع ولن ينسى الشعب مطلقا ما قامت به، وسيتعزز رصيدها في الشارع وستكون تلك الاحزاب مصدرا دائما يرفد الحكومات المتعاقبة بالقيادات نتيجة  لثقة  الشعب بها.  وهناك امثلة كثيرة على ذلك، كحزب المؤتمر الوطني في الهند الذي ظل على رأس الحكومة  المركزية مدة  49 عاما حيث كان جواهر لال نهرو اول رئيس حكومة من حزب المؤتمر بعد الاستقلال الذي حصلت عليه الهند من بريطانيا عام 1947. وهناك حزب  المؤتمر الافريقي الذي فاز بالانتخابات 1994 واصبح نيلسون مانديلا اول رئيس اسود يحكم دولة جنوب افريقيا بعد انتهاء سياسة التمييز العنصري. يؤمن الحزب، الذي ظل مسيطرا على الحياة  السياسية حتى يومنا هذا بوحدة المجتمع وبالديمقراطية والمساواة ونبذ العنصرية واحترام حقوق المرأة وهناك  احزاب اخرى كثيرة في العالم كالحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة وغيرها. رغم الفارق الزمني في  عمر تلك الاحزاب والظروف التي تشكلت بها ، الا ان الستراتيجية تكاد تكون متشابهة  وهي الانغماس في بناء واعمار البلد وتوفير الحرية  والخدمات  التي يحتاجها  الشعب في كافة المجالات من اجل نيل ثقته وبالتالي الحصول على اصوات الناخبين في الانتخابات العامة والبقاء اطول فترة ممكنة في سدة الحكم اما من  خلال وجودها على رأس السلطة التنفيذية او المشاركة بها أو وجودها في السلطة  التشريعية  كمعارضة.

 

بالنسبة للاحزاب العراقية اختارت الامر الاخر وهو التركيز على  بناء الذات ومحاولة الحصول على السلطة باي ثمن للحصول على المغانم وضمان مصالح اعضائها، والفئة الضيقة المحسوبة عليها. مليارات الدولار انفقت على مشاريع وهمية، كان المستفيد الوحيد منها هي الاحزاب الحاكمة وحاشيتها، وقد ساهم في هذا قلة الوعي لدى شريحة كبيرة من الشعب وعدم فهمها لواجباتها في ظل النظام الديمقراطي الجديد وحقوقها التي ينص عليها الدستور. اذ يحتاج النظام الديمقراطي الى المشاركة الفعالة من قبل المواطنين من خلال المشاركة في الانتخابات والنشاطات التي تدعو الى  تطوير وتعزيز الديمقراطية وابداء الرأي لتطوير اداء الحكومة ورصد الظواهر والممارسات الخاطئة والابلاغ عنها بدون تردد  اما من خلال الجهات المسؤولة او عن طريق الاتصال بوسائل الاعلام الذي يمثل السلطة  الرابعة في البلدان الديمقراطية حيث ينبغي للحكومات ان تخاف من شعوبها وليس العكس.

 

ابراهام لنكن الرئيس الامريكي الذي قال عنه ليو تولستوي ان عظمة نابليون ويوليوس قيصر وجورج واشنطن بالنسبة لعظمة ابراهام لنكن كضوء القمر بالنسبة للشمس. قبل ان يصبح رئيسا لامريكا كان لنكن محاميا مغمورا خدم لفترة واحدة نائبا في الكونغرس وفشل مرتين للترشح الى مجلس الشيوخ. وعندما حاول الترشح للرئاسة الامريكية عن الحزب الجمهوري كان ينافسه انذاك ثلاثة من المحامين والسياسيين البارزين وهم وليم سيورد سيناتور، عن ولاية نيويورك وسلمون جيس حاكم ولاية اوهايو، ورجل الدولة المخضرم ادورد بيت. وعندما أُعلِنَ ترشيحه عن الحزب الجمهوري لمنصب الرئاسة  تفاجأ منافسيه لانهم يعتقدون انه الاختيار الخطأ، لان الرجل لم يكن معروفا لكن الحظ خدمه. وبعد ان فاز لنكن بالرئاسة قام بعمل غير مسبوق حيث طلب من منافسيه البارزين الانضمام الى حكومته، وهنا تكمن الحنكة  السياسية، والثقة العالية بالنفس والمؤشر على عظمة الرجل، حينما جمع الخصوم ليكون فريق عمل متجانس . شغل الثلاثة مناصب مهمة في الحكومة فقد اصبح احدهم وزيرا للخارجية والاخر وزيرا للخزانة اما الثالث فقد شغل منصب المدعي العام. وقد اعطى  لنكن ثلاث مناصب مهمة اخرى لثلاثة من الحزب الديمقراطي، الحزب المنافس لحزبه، بينها منصب وزير الحربية. كان كل فرد من افراد الكابينة الوزارية اكثر شهرة وعلما وخبرة في الحياة العامة من لنكن حتى كان يُخشى ان يطغي فريق المنافسين هذا على شخصية  لنكن ، لكن حنكته السياسسية وقوة شخصيته مكنته من احتواء هؤلاء المنافسين الاقوياء الذين كانوا يزدرونه في السابق ، ويجعل منهم زملاء يقفون معه ويعينوه على ادارة دفة الحكم في البلاد في فترة تعتبر من احلك الفترات في تاريخ امريكا حيث الحرب الاهلية بين الشمال والجنوب. مايمر به العراق اليوم يحتاج الى قائد من هذا الطراز ذو ارادة وثقة بالنفس وعزيمة عالية لتحدي الصعاب والسرعة في اصدار الاحكام والقرارات السليمة، وله القدرة على جمع الفرقاء من اجل غاية اسمى الا وهي خدمة الوطن اٍلا أن الموجودين في الساحة الان لايمتلكون هذه المواصفات، ومنهم رئيس الوزراء الحالي حيث اثبتت الايام والتجارب ان امكانيات الرجل محدودة. فهو ليس خطيب صاحب كارزما يتمكن من ان يلهب مشاعر الجماهير ويحركها لتقف خلفه في هذا المأزق الحاد الذي تمر به البلاد، ويذهب الى البرلمان بقائمة الاصلاحات التي تتضمن وزراء تكنوقراط قادة - ليس كل تكنوقراط يمتلك مواصفات القيادة - ويطلب المصادقة عليها وبذالك يضع حدا لنظام المحاصصة الطائفية والحزبية الفاشل. وفي حال رفضها من قبل البرلمان سيعرف الشعب من الذي يرفض الاصلاحات ولا يبالي بالمصلحة العليا للوطن وهو يواجه خطر الارهاب والافلاس ، وحينئذ يبقى داعما للعبادي لانه سجل موقف وبذلك ستكون  الكلمة  للشعب الذي صبر وعانى  كثيرا بسبب  سياسة المحاصصة الفاشلة.

 

لكنني اشك ان يقوم الرجل بخطوة كهذه لانه في صيف 2015 لم يستفد من دعم الجماهير التي خرجت في ساحة التحرير مساندة وداعمة له، بالاضافة الى دعم العالم والمرجعية الدينية التي طالبته بالضرب بيد من حديد على الفاسدين والقضاء على نظام المحاصصة. لقد عجز السيد  العبادي عن اصدار امر ديواني بتوقيعه الشخصي لمرشحه السيد عماد الخرسان والذي طلب منه شخصيا مساعدته للعمل معه وتولي منصب امين عام مجلس الوزراء. فقد ظل الرجل ينتظر صدور الامر 10 اسابيع دون جدوى ثم قفل راجعا من حيث اتى بعد ان يئس من الانتظار لان العبادي لم يتمكن من اقناع حزبه المعارض لتعيين الخرسان كونه مستقلا.

 

اصرار الكتل المسيطرة على الحكومة على عدم التنازل عن فرض مرشحيها من التكنوقراط المرتبطين بها، ينبئ بان الوضع يسير نحو تشكيل حكومة مبنية  على  نوع اخر من المحاصصة وهي محاصصة التكنوقراط. وهذا يعتبر التفافا على مطالب الشعب المشروعة الذي ليس له خيار اخر سوى خيار الدعوة الى اجراء انتخابات برلمانية  مبكرة لاجهاض محاولات الكتل الحزبية  لابقاء الوضع على ماهو عليه حتى عام 2018 موعد الانتخابات البرلمانية.

 

عبدالجبار جعفر

اسم الكاتب: عبدالجبار جعفر

عدد المواضيع المنشورة: 17

نبذة عن الكاتب: كاتب ومحلل سياسي - حاصل على ماجستير في العلاقات الستراتيجية من الجامعة الامريكية - واشنطن. مؤسس ومدير تنفيذي لمنظمة أصوات من أجل العراق.

التعليقات

عدد التعليقات