العلمانية والدين والدولة الحديثة “2/2”

بغداد - العالم الجديد

 

الخلاصات والاستنتاجات حول العلاقة بين العلمانية والدين والدولة "4" والأخيرة: لم يكن هدفي هنا - كما أسلفت - مناقشة أطروحات الباحث المغربي د. خالد يايموت أو تحليلها ونقدها بالتفصيل، بل هو بكل تواضع التعريف بها وعرضها مع التعليقات عليها لما فيها من جدة وطزوجة في التناول وبهدف إثارة النقاش حولها أولا، وبهدف الخروج من دائرة الاستقطاب الآيديولوجي التقليدي والذي لا يجعلنا نفهم لا الدين ولا العلمانية ثانيا. ولذلك فإن من حقنا أن نتساءل تساؤلا نقديا حاثا على التفكير وذا شعبتين لفضح التضليل الذي ينشره بين الجمهور بعض العلمانيين والإسلاميين المشبوهين ووذوي الارتباطات بالدوائر الثقافية والسياسية الغربية المعادية لشعوبنا، نتساءل ونقول:

 

الشعبة الأولى: لماذا يجب ان يكون النموذج العلماني الأوروبي عموما والفرنسي منه خصوصا هو النمط العالمي للعلمانية كآلية تنظيم للعلاقات بين الدولة ومشمولات الحالة الثقافية ومنها الدين ومؤسساته ومرموزاته ومرجعياته؟

 

الشعبة الثانية: ولماذا يجب أن يكون شكل العلاقة بين الدين والدولة هو ذلك الذي يروِّج له على الصعيد الأيديولوجي والسياسي الإخوان المسلمون أو الوهابيون أو الخمينيون وهو الشكل الذي لا جوهر له غير إقامة دولة دينية ثيوقراطية مستبدة قد تكون مغلفة أحيانا بكارتون صندوق الانتخابات المفلترة عبر فلتر "هيئة تشخيص مصلحة النظام" الإيرانية أو كابينة "المرشد العام" المصرية او الأردنية ...الخ، أما دول أخرى كالسعودية والمحميات النفطية الأخرى فهي خارج دائرة هذا النقاش شكلا ومضمونا؟

 

وأخيرا سألخص قراءتي بهذا السؤال: لماذا لا يكون لنا – نحن العراقيين والعرب والشرقيين عموما - نموذجنا الخاص الآخذ بنظر الاعتبار السردية الثقافية والتراثية وفي لبها التراث الاجتماعي المساواتي " المشاعي" لبلادنا ومنطقتنا العربية والشرقية ويتم الدمج بين محتوى العلمانية بتعريفها الأشهر كآلية ضرورية لتنظيم العلاقة بين الدولة - المؤسسة وبين الدين - المؤسسة دون قسر واضطهاد، وبما يضمن استقلال الدولة وحيادها الروحي، وهي - بطبيعتها كدولة - شخصية اعتبارية وليست شخصية حقيقية أي انها غير قابلة للتدين أو عكسه، وبين المحتوى الديموقراطي للحكم التداولي مندمجا مع المحتوى الاجتماعي المساواتي؟ لماذا لا تتم مقاربة الموضوع في ضوء هذا السؤال؟ هل لأن التاريخ والجيوسياسيا مختطفان تاريخيا من قبل أوروبا الغربية ؟ ولكن المعلوم أن التاريخ سردية غير قابلة للاختطاف لأنه هو المستوعب المحايد الأكبر للوجود، أم لأن وعينا الجمعي هو المخطوف والمأخوذ بالنموذج الغربي الأوروبي المهيمن بقوة السلاح النووي والاقتصادي والإعلامي؟ هنا ينبغي التفكير مليا وبعمق بمقاربات ذات جوهر مقاوم واستقلالي.

 

وأخيرا فإن عنوان المعركة أو السجال الفكري والسياسي في العراق، كما اعتقد، لا يجب أن يكون في مركزة صراع مفتعل بين "العلمانية" و"الدينية" بمفهومهما التقليدي السائد، لأن إقامة الدولة الدينية في العراق هدف غير مطروح بشكل جدي من قبل الإسلاميين الشيعة أو السنة، لأنهم جميعا، وبفعل قوة الواقع العراقي الموزائيكي التعددي المتنوع، يعلمون أن طرح هذا الهدف يعني الدخول في حرب أهلية مفتوحة. لماذا ؟ لأن الدولة الدينية – كهدف ومشروع - إذا رفعها الشيعة ستكون دولة شيعية وسيرفضها السنة بعربهم وأكردهم ومعهم العلمانيون على هامشيتهم الظاهرية، أما إذا كانت دولة دينية سنية فسيرفضها الشيعة والعلمانيون من جميع الطوائف. أما الحرتقات والألاعيب التحريمية والتكفيرية التي يقوم بها بعض الشيوخ وزعماء المليشيات والأحزاب المتخصصة بتهريب النفط في الجنوب والشمال ونهب أموال الدولة في جميع انحاء العراق فهي ذات أهداف انتخابية ولصوصية غالبا وتدخل في باب التحريض والكسب الحزبي والمشيخي وليست دليلا على وجود مشروع جدي لإقامة دولة ولاية الفقيه الشيعية أو الخلافة الراشدة السنية. ولهذا، فإن عنوان المعركة والسجال الفكري والسياسي ينبغي أن ينصب على عنوان آخر هو تفكيك وإنهاء نظام المحاصصة الطائفية بأحزابه الشيعية والسنية، ومعه إنهاء مشروع دولة المكونات الذي جاء به الاحتلال الأميركي لمصلحة لإقامة دولة المواطنة الديموقراطية الحديثة ذات الأفق المساواتي الاجتماعي.

 

ولكن، لماذا يحاول البعض تزوير عنوان السجال والمعركة الفكرية وحرفه عن استهداف المحاصصة الطائفية والعرقية ودولتها، دولة المكونات؟ لماذا لا يجرؤ الصدريون مثلا على ذكر المحاصصة الطائفية والعرقية يكتفون غالبا بذكر "المحاصصة" أو " المحاصصة الحزبية والسياسية" متناسين أو متغافلين عن ان الأحزاب الموجودة ذاتها طائفية. أما من يسمون انفسهم "التيار المدني " وملحقاته، فهم حتى لو تجرأوا على ذكر المحاصصة الطائفية في بعض بياناتهم ولكنهم يصمتون صمت القبور عن دولة المكونات، وسبب ذلك نجده في تبعية قياداتهم للزعامات القومية والعشائرية الكردية التي تعتبر دولة المكونات أحد مقدساتها وإحدى غنائمها الأثمن التي حصلت عليها من الاحتلال الأميركي مقابل تحالفها القتالي معه بهدف تفكيك العراق كمقدمة لتقسيمة طائفيا وعرقيا ولا مستقبل لهذه الزعامات والأحزاب التابعة وتلك الزمر المتذيلة لها إلا بوجود دولة المكونات " الطوائف والعرقيات" ودستورها.

 

نختم بالقول إن رفع عناوين أخرى غير عنوان استهداف دولة المكونات ونظام المحاصصة الطائفية والعرقية والدخول في تحالفات انتهازية مع هذا الجناح أو ذاك من أهل النظام فلا مستقبل له، ولن يكون في أحسن الأحوال أكثر من هجوم بائس ضد طواحين الهواء ولكن ليس على طريقة البطل النبيل دون كيخوتة بل على طريقة بغلة سانشو.العنيدة .

 

رابط دراسة الباحث د. خالد يايموت في خانة أول تعليق.

 

رابط دراسة الباحث د. خالد يايموت

 

http://www.albadeeliraq.com/node/143

 

 

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 9694

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات