الفساد المالي بالعراق ظاهرة طارئة أم ثقافة متجذرة

 

لا شك ان الفساد الاداري والمالي وباء خطير يهدد استقرار وتطور المجتمعات عامة واستشراءه في اي مجتمع سيكون له عواقبه المدمرة والكارثية على النظام الرسمي لأي بلد والعراق اليوم يعاني وبمرارة كبيرة من انتشار هذا السرطان المميت في جسد العراقي، وبات يهدد مستقبل البلد بأكمله.

 

ولسنا اليوم بصدد الحديث عن أسباب الفساد أو جذوره أو النتائج التي ستترتب عليه، وإنما بصدد الاشارة إلى تحول ظاهرة الفساد وللأسف الشديد الى ثقافة وعلامة بارزة في المجتمع العراقي، ولعل البعض قد يعترض او لا يؤيد هذه الأطروحة، وقد يقول البعض الآخر إن هنالك مبالغة في تصوير حجم الفساد الموجود في العراق، لكن الواقع والوقائع الموجودة تشير إلى أرقام مرعبة فيتنامي حجم الفساد الإداري والمالي حتى أصبح عرفا في دوائر الدولة عموما، بدءا من أصغر موظف، مرورا بسلسلة المراجع، ووصولا الى هرم السلطة، ‎وهو أمر ليس بالجديد أو الطارئ، وإنما توارثتها السلطات المتعاقبة منذ تأسيس الدولة العراقية مع بداية القرن الماضي، وإذا تحدثنا عن الفساد الإداري، وهو الأكثر خطورة على المجتمع لما يمثله من وجود عناصر غير كفوءة وفاسدة ومتحزبة توثر سلبا على أداء مؤسسات الدولة، وبالتالي تفتح المجال أمام الفساد المالي كالسرقة المال العام والتلاعب باقتصاد البلد وهدر ثرواته، لتعطيل عملية البناء والأعمار والتقدم.

 

ولقد سارت جميع الحكومات السابقة منذ بداية قيام الحكومة العراقية الحديثة مرورا بنظام البعث الفاسد، وصولا الى نظام المحاصصة الطائفية اللعينة على هذا الأساس فتعيين المسؤولين والموظفين في مختلف المجالات، وفقا لمصالح حزبية ضيقة، وهي بذلك تقصي الكفاءات العلمية والمهنية من التصدي لادارة المؤسسات وبناء الدولة بالشكل الأمثل. ولعل العامل الأبرز لاستشراء هذا الوباء القاتل هو غياب للدور الرقابي للبرلمان والاجهزه الرقابة الأخرى وضعف القضاء، وكذلك تستر الأحزاب الحاكمة على المفسدين وفقا للمصالح الحزبية والطائفية والعرقية، وكذلك الفوضى الأمنية التي تعم البلاد منذ احتلال العراق عام2003.

 

ورغم ضبابية المشهد العراق، إلا أن بشائر الأمل لاحت في الأفق أخيرا عندما استفاق مجلس النواب من سباته العميق، وبدأ بممارسة دورة الرقابي المفروض على الرغم من انقضاء فترة طويلة دون تحريك ساكن، إلا أن الوقت لم يفت، ولازال هنالك متسع من الوقت لوضع الأسس الصحيحة والقويمة لمحاربة هذه الثقافة، واقتلاعها من جذورها ونشر ثقافة العمل والإخلاص والتفاني والنزاهة من اجل بناء العراق، وكذلك يجب أن نشد على ايدي المخلصين الذين تصدوا للفساد والمفسدين، وتحدوا كل التهديدات والصعاب من أجل عدم السماح لهؤلاء بنهب ثروات البلاد وتدميرها ولنرفع شعار معا لاعادة الاعمار والبناء ومكافحة الفساد، وان يكون الشعار مقرونا بالفعل الصحيح وعدم السماح للمارقين من ان يستغلوا هذه النهضة ويعملون على تصفية الحسابات السياسية وتشويه الحقائق وضياع الفرصة الاخيرة لانقاذ البلاد.

 

د. سلام عودة المالكي

اسم الكاتب: د. سلام عودة المالكي

عدد المواضيع المنشورة: 5

نبذة عن الكاتب: وزير نقل سابق وسياسي مستقل

التعليقات

عدد التعليقات