“القاعدة” او”داعش” في العراق وعلاقتها الجدلية بالتنظيم الام

العالم الجديد- جمال الخرسان

في خطابه الاخير الذي جاء ضمن العدد (5) من سلسلة "رسائل مختصرة لامة منتصرة" توّج الظواهري هجومه غير المسبوق الذي شنه على تنظيم داعش وعلى راسه ابو بكر البغدادي في تلك السلسلة. حيث هاجم الظواهري البغدادي واتهمه وجماعته بالكذب، وبانهم الخوارج الجدد واصحاب الفتنية، وكأن الامور وصلت الى مرحلة اللاعودة وانفكاك تام بين تنظيم القاعدة في العراق بمختلف مسمياته وتنظيم القاعدة الام في افغانستان.

الظواهري الذي حرص كثيرا على الظهور خلال السنتين الاخيرتين وبشكل كبير جدا في السنة الماضية خصوصا في سلسلتي "ايام مع الامام" وسلسلة "رسائل مختصرة لامة منتصرة"، اراد توظيف نقاط الضعف في تنظيم داعش من وجهة نظر سلفية والطعن بهذا التنظيم بعد تمرده على القاعدة الام. متعكزا في ذلك على انهيار صورة داعش حتى بين صفوف المسلمين السنة وتراجعها الميداني الكبير.

حديث الظواهري مناسبة للعودة قليلا الى الخلف من اجل مراجعة ابرز مراحل العلاقة بين التنظيمات الارهابية في العراق وبين تنظيم القاعدة.

ليس جديدا ان القيادة الروحية للجهاد السلفي نمت وترعرت في افغانستان وغذت نفسها هناك بفتاوى شرعية، وتأسيس نظري يسمح لها باستقطاب الشباب المتطرفين. ثم لاحقا تحولت تلك المجموعات الى قوة ميدانية كبيرة شكلت امارة اسلامية في التسعينات من القرن الماضي، واستقطبت اليها ايضا خلايا تنظيمية في هذا البلد او ذاك.

بعد انهيار التنظيم وتقهقره عبر الحرب الامريكية على افغانستان تراجعت قدرة التنظيم واصبح محدودا، لكن تاثيره الروحي والفكري المتطرف بقي يفعل فعلته بين صفوف مريديه والمتعاطفين معه.

بعد الاحتلال الامريكي للعراق حاول التنظيم استثمار العلاقة مع العسكريين السنة العراقيين ممن راوا انفسهم خارج اطار السلطة، وما ساهم بتقوية العلاقة هي المساحة التي تركها صدام حسين للتنظيمات السلفية منذ حرب الخليج الثانية وتصاعدت بشكل كبير قبيل حرب الخليج الثالثة. ناهيك عن وجود توجيهات من قبل راس السلطة في العراق قبل سقوط بغداد ان يستثمر كوادر حزب البعث والعسكريين جميع الحركات الاسلامية التي تناهض الحالة الجديدة في العراق.

عام 2003 شكل ابو مصعب الزرقاوي مع مجموعة من المتطرفين وبمساعدة مجموعات بعثية وعسكرية عراقية مجموعة جهادية كانت تنفذ عملياتها دون اسم واضح وصريح، ثم لاحقا اطلقت على نفسها "جماعة التوحيد والجهاد في بلاد الرافدين" ثم بعد ذلك "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" حيث بايعت تنظيم القاعدة الام بهدف كسب المشروعية التي تمنحهم استقطاب المزيد من الشباب والّا فالارتباط منذ البداية لم يكن وثيقا بل طغت عليه سمة التمرد واللاطاعة بين اطراف البيعة.

جاء الاتفاق القلق والبيعة غير الوثيقة بدافع المصالح للطرفين، القاعدة حاولت استثمار ذلك الذراع الجديد القوي من اجل ابراز العضلات امام الخصوم، خصوصا وان التنظيم كان في مرحلة ضعف شديد مشتت ومنهك، اما الزرقاوي وبقية المجموعات العسكرية العراقية فكانوا يريدون توظيف القاعدة من اجل استقطاب الانتحاريين والمقاتلين واضفاء الشرعية الجهادية على تنظيماتهم التي لم يتعمق فيها الفكر السلفي الجهادي.

في ذات الوقت الذي شكل الزرقاوي مجموعته كانت هناك مجموعات صغيرة موازية تتشكل من قيادات عسكرية وبواجهات معظمها دينية من اجل تحفيز الناس ضد الحكم الجديد في العراق والعزف على الوتر الطائفي في تشكيل العقيدة السياسية للمقاتلين المنظوين تحت خيمة تلك التنظيمات.

هذا التزاوج الغريب بين القيادات الامنية والعسكرية لنظام صدام حسين والمجموعات السلفية الجهادية ولّد شكلا جديدا لتنظيم القاعدة، شكلا تجاوز فيه التنظيم الجديد التنظيم الام في سقف التطرف الديني الشكلي لا العميق وايضا رفع من سقف الانتقام الدموي لجميع المخالفين لقناعاته، وكان يمارس عملياته بطريقة وحشية جدا، هذه الوحشية التي تولدت من اديلوجيتين دمويتين، ايدلوجية السلفية الجهادية والايدلوجية البعثية الصدامية التي ترسخت سلوكا في تصرفات القيادات العسكرية في الجيش العراقي والاجهزة الامنية، هذه الوحشية هي اللمسة التي اضافتها القيادات البعثية الصدامية العسكرية لتنظيم القاعدة حتى اصبح بهذا الشكل. الصداميون اعتاداوا على ممارسة القتل والتدمير ولذلك فان عقلية هؤلاء وجدت في التنظيمات الجهادية ضالتها واعتبرتها ادوات لممارسة ذات الهوية، لكن باسلوب اكثر بشاعة ودموعية.

السقف المرتفع من الدموية والارهاب دفع قيادة التنظيم الى محاولة ترويض تنظيم القاعده لفرعه في العراق وابرز ما يوضح ذلك المراسلات التي كانت تجري بين الطرفين في السنتين الاولى على انطلاق عمليات التنظيم في العراق. في تلك المراسلات تعلن قيادات القاعدة في افغانستان امتعاضها من وتيرة العنف في عمليات عناصر التنظيم في العراق وسقفها الدموي المرتفع جدا، قيادات القاعدة حذرت من ان ذلك قد ينعكس سلبا فتنفر الناس من التنظيمات الجهادية. فيما كانت وجهة نظر تنظيم القاعدة بجناحها العراقي ان هذا السقف من العنف يساهم بجر البلاد لحرب طائفية وهذا ما يوفر حواضن للسلفيين الجهاديين بين السنة.

في تلك الفترة اخذت تتبلور شيئا فشيئا هوية التنظيم العراقي للقاعدة بمواصفات تطغى عليها الايدلوجية البعثية الصدامية، هذه الاخيرة اخذت يمسك بزمام الامور، ولان العناصر العراقية لم تكن ذات جاذبية واهمية بالنسبة للجهاديين، لذلك قبلت قيادات الصداميين ممتعضة ببقاء الزرقاوي ايقونة جهادية، لكنها اتفقت على تاسيس شكل جديد يلم شتاتها، ولذلك انبثق "مجلس شورى المجاهدين" الذي تأسس مطلع العام 2006 وضم معظم تلك التنظيمات، تراسه ابو مصعب الزرقاوي لعدة اشهر قبل ان يقتل في حزيران عام 2006، وكأن دوره انتهى بعد تاسيس ذلك المشروع.

سيطرة الاجهزة العسكرية الصدامية على تنظيم القاعدة بشكل كامل كانت منذ اختيار "حامد داود محمد خليل الزاوي" ابو عمر البغدادي اميرا لمجلس شورى المجاهدين والذي تراسه بعد مقتل الزرقاوي وحتى العام 2010 حينما قتل بعملية نوعية نفذتها الدولة العراقية. القيادات الميدانية على الارض مزيج من العراقيين والعرب او من بقية انحاء العالم لكن الهيكل القيادي كان عراقيا بالاساس. ولم يكن هناك تاثير كبير سوى للمصري او حمزة المهاجر "ابو ايوب المصري" لكن الاخير لم يسمح له بقيادة التنظيم حينما اراد ذلك. وبعد مقتل البغدادي تسلم زمام قيادة تنظيم داعش ابو بكر البغدادي "إبراهيم عواد إبراهيم علي البدري السامرائي" الذي انقلب تماما على تنظيم القاعدة وفك الارتباط به وطالب الجميع بطاعته.

الملفت ان تنظيم القاعدة او داعش كانت قيادته الاساسية كبار الضباط لكنه في نفس الوقت لم يكن حريصا على ان تكون قيادة التنظيم وواجهته لكبار العسكريين بل حاول البحث عن سلفيين في صفوفه حتى لو كانوا صغارا او من ذوي الصفوف المتاخرة في الفكر السلفي لاعتبارات يبدو انها مقصودة.

مضافا لذلك فان المشروع السياسي الذي اعتبر الجهادية السلفية مدخلا لتنفيذ اجنداته كان يهتم كثيرا بالسيطرة على المناطق واقامة امارات اسلامية فيها او حتى خلافة. وكأن الهوس بالعودة الى الحكم يظهر جليا في تفكير قيادة تنظيم القاعدة او داعش.

الظواهري وفي ظهوره الملفت هذه الفترة يعوّل على تذكير الجميع بين الجهاد والارتباط بالقيادات الروحية التي خاضت الصعوبات في افغانستان، انه يحاول ان يعري البغدادي وتنظيمه من التاريخ الجهادي المطلوب في من تبوأ منصب امير المؤمنين او الخليفة. يكرر ذلك كثيرا في الفترة الاخيرة ويؤسس على ذلك في الوصول الى العديد من النتائج.

 

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 9999

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات