مروان ياسين الدليمي

المُهمَل سَهواً  أو عَمداً

الى ضحايا حي الزنجيلي الفقراء*

 

مِن بيوتٍ كانت تحيا على كف انتظار

 

مِن اسطورة اسمها نينوى كان الفجر منها يجيء

 

هي الآن جرحٌ ورايةٌ للذهول تحت الرماد .

 

عام مضى وآخر جَثمَ على رؤوسنا ونحن هنا بأنتظار الحَمَام يحطُّ على اصابعنا

 

ويرسم الهديل فوق كل ذرة  من أسى هذا التراب   .

 

ليكن الجنون إذن ملاذاً لنا ، لحفظ اسمائنا ورحلينا البعيد عن تلويحة التماثيل المعتوهة بالحروب.

 

ليكن احتشامنا ضد لصوص المسرّات وهُم يتكدّسون فوق سمائنا

 

كلما اغتسلت العتبات بضوء النهار وامطرت الفصول دورة ايامنا  .

 

ها نحن إذن نفتتح مشهد الكلام ، نتوغلُ في تجليات الموت

 

نوغلُ في تقبيل الغبار، علّنا خَلفَ نافذة نستريح ، ونهمسُ لجسد الطريق بنشوتنا العابرة

 

والمجنون الخارج من تحت الانقاض بلا ظلٍ يأبى إلاّ أن يُصاحب المعنى

 

ويرسم الحلم على جدران موشومة بالظلال

 

ليوقظ الاصوات من غفوتها في شفاه الزمن المهمل سهواً أوعمداً

 

حتى تصحو ثم تغفو في لوعة أخرى ،وتنقل اعواما وأسماءً غابت في محنة أخرى.

 

الموت أنتم

 

الموت ساعات من الفوضى تخدش التراب وتشطب المراجيح وترسم الدّم على مرايا الطفولة

 

مازلنا نحتمي بصباحات قادمة والشوارع سلَمت نفسها لليوم الآخر، للكآبة، للسذاجة، للعتمة، للجنّة الموعودة في ديباجة الناطق الرسمي  .

 

مازلنا نلوّح للمقاهي على شاطئ دجلة طيلة ايام الحر اللاهب في أمسيات الصيف للمسارح

 

للطريق الطويل أقطعه من أجل التمرين سنين طويلة مشياً على الاقدام الى قاعة الربيع

 

لكتبٍ في شارع النجفي رخيصة تباع على الرصيف

 

لأفلام رصينة تعرض في سينما غرناطة

 

للزّحمة في سوق العطارين

 

لأكلة الفلافل من بدر السوري والتّسكع ليلاً في شارع الدوّاسة.

 

لبولص آدم وهو يعود مساءً كالأبطال الرومان مِن المقلع الى أقرب حانة لشرب العَرق الأبيض ولايخشى الضحك على السّلطة بصحبة عجوز كردي متمرد اكثر شبهاً بزوربا من انتوني كوين إلاّ اني لاأذكر اسمه .

 

للوقت الغائب

 

للوقت المغيّب من أسئلة الفنان التشكيلي لوثر ايشو في ساعات الخَلق حين يقود الاحجارمن البلاد المُجهَدة وينقرها في وَلهٍ  وهو يصغي لصوت الفرشاة وهي تنتشل المدن الاشورية من اختصارات الرصاص.

 

للمثقف اليساري صباح سليم وهو يحتسي البيرة في منتصف الظهيرة من شهر تموز تحت الجسر الرابع أوفي سرداب رطبٍ لبيت مهجورفي منطقة السرجخانة مع بسطاء الناس، من عتالين، سائقي  تاكسيات، مصوري فوتوغراف متجولين، بائعي أثاث قديم ، مجانين، وشعراء وكتاب صعاليك

 

لاشقياء في شارع حلب لايحترمون الشرطة المرتشين

 

لهوَس المخرج شفاء العمري بالنقاش وبالتجديد

 

لقراءاته وانفعالاته وخصوماته بكل شؤون المسرح والتجريب

 

لِمنْ لايعشق مدينة اخرى في الدنيا غير مدينته : موفق الطائي وقحطان سامي

 

لبيات محمد مرعي وهو يبحث عن خيط ضائع من ترابٍ

 

ما بين كوّة تغطس بالنّور في محلّة خزرج وزقاقٍ ينعَسُ بالظل في باب لكَش .

لآخر ما تبقى لي في وطني المنهوب من اصدقائي الفنانين :محمد العمر وعبد القادر الحلبي .

 

مازلنا نبحث عن صمت

 

عن صوت لاينسلّ من بين اصابعنا ويختفي في رماد الحريق .

 

وقتٌ للأختيار، والحكاية في نينوى تخلع ثوبها من الوحشة والقسوة عند منعطف الموت

 

والكلام المُر ينحدر فيها الى منتصف الطريق .

 

هل ثمّة مرافئ أخرى تتسع مابين خطوط الكف وحقول الشظايا  ؟

 

هل ثمّة صوت رغم  قنوط العالم يعلو بالنشيد؟

 

هل ثمّة اقتراب من الابتعاد عن مشاجب القطيع؟

 

هل ثمّة خرير؟

 

هل ثمّة صهيل؟

 

هل ثمّة دليل في المدى يمر هادئا رغم قيامة الهدير؟

 

الدروب في نينوى لم تعد تشاغل السواد بأخمص القصائد

 

صارت تخبئ في جيبها موعداً آخر للغائبين

 

ومِن كفّها يرتشف الشعراء غربتهم   .

 

ربما المجنون كان قريباً من اشارات الأسى وهي تحاصرالوجوه

 

أو كان بعيداً من وداع الازقة

 

أو قد يكون أمسك بالغيم عند غفوة  البيوت في جسد  الظلام   .

 

أو لعلّهُ كان قريبا جداً من سماء لاحدود لها

 

ولربّما كان الأقرب الى غيبة نينوى في الزمن المهمل عمداً  .

 

أظنّهُ كان يوقظ الالوان من غفوتها لتصحو ثم تغفو مرة اخرى في بهجة ولوعة اخرى

 

تنقل أعواما وأسماءً غابت في محنةِ لنا هي الأخرى .

 

بزوادة من الشِّعر نودّع المساءات

 

نشم رائحة التراب ،ونشرع الابواب لشيء قد يأتي حاملاً بين جفنيه سماءً واشرعة أخرى.

 

هكذا نقف لنحصي الظلال الراحلة والملاءات ترتجف يوماً بعد آخر

 

 

* عام 2008 حدث تفجير ارهابي كبير في هذا الحي نتيجته كانت ان تهدمت معظم البيوت وسقطت على رؤوس ساكنيها. وكانت الحصلة 49 قتيلاً واكثر من 200 جريح وهدم اكثر من 60 بيتاً و40 محلاً تجارياً، واليوم في معركة تحرير الموصل من سلطة تنظيم الخلافة تتكرر المأساة في هذا الحي مرة أخرى.

 

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 9192

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات