جريمة العلماني في العراق

 

ما الذي يُخيف المسلمين العراقيين من العلمانيّة والعلمانيين؟ هل يسعون إلى إقامة دولة إسلامية، حتى يقلقوا من وجود شريحة علمانيّة تحول بينهم وبين هذه الدولة؟ أليس الدستور العراقي علمانياً أو هو، على الأقل، لا يؤسس لدولة دينية؟ إذن فما مبررات التوجس والخوف؟!

 

الجواب واضح؛ فهناك حملة تخويف من "العلمانيّة" تقودها أحزاب الإسلام السياسي التي تروج لفكرة أن العلمانيّة تهدف إلى تقويض الإسلام وقمع خطابه، غير أن هدف هذه الحملة، المكشوف، هو خلق عدو وهمي بأذهان الناخبين وإدخالهم بمعارك طاحونية معه، لإقناعهم بأن هدف أحزاب الإسلام السياسي هو حمايتهم من هذا العدو، وليس تقديم الخدمات أو حمايتهم من آفتي الفساد والإرهاب.

 

وبما أن أكثر ما يمكن أن يُخيف المسلمين من العلمانيّة هو حيلولتها دون قيام دولة دينية/ إسلاميّة، فلنناقش هذا الخوف ونسأل: هل يحتاج المسلمون العراقيون إلى قيام دولة إسلاميَّة؟

 

شخصيّاً اجيب بالنفي، لأن جميع تجارب الحكومات الإسلاميّة وعلى مر التاريخ لم تُمثّل الحكم الإسلامي بالمعنى الدقيق لهذه العبارة، بل كانت كلها نظم حكم فردية دنيويّة تُلَبي طموحات الطبقة الحاكمة، وتتَّخذ من الإسلام غطاءً يَكُفُّ عنها الْسِنَة النقد ويَتَستَّر على جرائمها بحق مواطنيها.

 

وإذا تجاوزنا الخلافة الراشدة وبدأنا من الخلافة الأمويَّة مروراً بالعباسية وانتهاء بالعثمانية، وتساءلنا؛ هل يتفق المسلمون على أن أيَّاً من هذه النُظُم تـُمثّل حكومة إسلاميّة كاملة الشرعيَّة؟ الجواب لا، لا يتفقون على ذلك، وموقف عدم الاتفاق هذا نفسه ينسحب على تجارب الحكم المعاصرة والتي توصف بأنها إسلاميّة، أقصد؛ نظامي الحكم في السعودية وإيران، وتجربة حركة طالبان، وتجربة داعش مؤخراً، فهي كلها تجارب حكم تدَّعي تمثيلها الإسلام وسعيها إلى تطبيق شكل الحكم فيه، فهل يتفق المسلمون على أن أيَّا منها كذلك؟ الجواب أيضاً لا، لا بل أن هذه التجارب الأربعة متقاطعة مع بعضها، بل ويُكَفِّر بعضها البعض مع أنها نابعة من قراءات مختلفة لدين واحد كما هو المشهور بين المسلمين، والسبب وراء هذا التقاطع وذاك التكفير بسيط وواضح، هو أن عمليَّة إقامة حكم إسلامي غير ممكنة، لان تمثيل الله غير ممكن، فكل من سيجلس على كرسي الحكم سَيُمَثِّل نفسه، وغاية ما سيفعله الفقيه، لو حَكَمَ، هو الحكم برأيه واجتهاده وليس بأحكام الله، لأن لا أحد يعلم على وجه اليقين ما هي أحكام الله، على الأقل في السياسة والاقتصاد وبقيّة الشؤون الدنيوية، ومن هنا لن يَصْدُق على حكم الفقيه أو غيره بأنه حكم الله، وإذا لم يَصْدُق هذا المفهوم عليه، فما الفرق بينه وبين أي حكم دنيويٌ آخر؟!

 

هذه هي الحقيقة التي دفعت الشيعة، سابقاً، إلى العزوف عن المشاركة في الحكم وانتظار الإمام الغائب، هم فعلوا ذلك انطلاقاً من وجهة نظر تقول بأن لا يستطيع أي أحد، أي أحد على الإطلاق، أن يُـمَثِّل الله في أرضه ويحكم بحكمه غير المعصوم، على الأقل كان هذا رأيهم إلى أن بدأ تأثير الدولة الصفوية يلقي بظلاله عليهم، وهذا الرأي هو الأكثر انسجاماً مع الإسلام، فإذا كان هذا الدين يسعى لإيجاد حكم الله في الأرض فلا يستطيع أحد أن يُطَبِّق هذا النوع من الحكم إلا المعصوم، الذي هو، بحسب المفهوم من العصمة، ناقل دقيق وحرْفيٌ لأحكام الله ومُعبِّر مباشر عن إرادته.

سعدون محسن ضمد

اسم الكاتب: سعدون محسن ضمد

عدد المواضيع المنشورة: 28

نبذة عن الكاتب: كاتب وروائي وإعلامي عراقي يكتب في المجلات والصحف العرقية منذ ٢٠٠١. صدر له: روايتان: (حكاية الثلاث كلمات الساحرات) و(مدونات الصمير أنا). صدر له كتابان: (أوثان القديسين، جدل الحضارة والوعي والوجود) و(هتك الأسرار، تحولات فكرية في العلاقة بين الدين والمقدس). عضو مؤسس في منظمة مدارك للأبحاث والدراسات، وهي منظمة غير ربحية تنشط في مجال الفكر والشفافية والدفاع عن الحريات.

التعليقات

عدد التعليقات