حسن العلوي في الغرف الأميركية المغلقة "2" صحبة الجلبي وعلاوي والطالباني:

حسن العلوي ورسالة عزة الدوري: أكاذيب ودلالات (2-2)

علاء اللامي

 

ومن النماذج الأخرى على "فن الملخ بالجملة" الذي أتقنه حسن العلوي في مقابلته مع قناة الميادين، وقبلها في مقابلته مع قناة الرشيد، نسجل ما يأتي على سبيل العلم به وبحجم فظاظته: أكد حسن العلوي حضوره شخصيا مؤتمرات المعارضة العراقية الحليفة لأميركا واجتماعاتها ومؤتمراتها في فينا، رغم أن صدام حسين كما زعم اتصل به هاتفيا – المعروف عراقيا أن صداما لم يكن يستعمل الهاتف لا في داخل العراق ولا في خارجه – وعاتبه، أي صدام عاتب حسن، لأنه سيذهب مع أحمد الجلبي الى مؤتمر فينا لإسقاط نظامه (قال صدام حرفيا على ذمة حسن: شلون تقبل يا حسن تشارك في إسقاط الحزب الذي أسسته واشتغلت بيه؟). أي أن حسن العلوي هو مؤسس حزب البعث العراقي وليس فؤاد الركابي الذي ذبحه عملاء صدام في سجنه! وحدث بينهما في تلك المكالمة الهاتفية - كما يقول حسن - حوار وشجار شديد هدد حسن خلاله صداماً بانه سيؤلف كتابا ضد الحالة التي أوصلت العراق إلى ما هو فيه ولن يذهب مع العملاء! ويضيف حسن أن الملك السعودي الراحل (الأمير عبد الله آنذاك)، والرئيس السوري حافظ الأسد، نصحاه بعدم المشاركة في مؤتمر فينا، ولكنه رد على الرئيس حافظ الأسد الذي قال له "هذا مؤتمر للعملاء يا حسن، ويجب ألا تحضره خوفا على سمعتك"، فرد عليه حسن وأقنعه بأن قال له (إذا كل واحد يحضر مؤتمر عملاء ويصير عميل فسيكون نصف الأمة العربية عملاء). وبعد أن أقنعهما قالا له : إذا ذهبتَ إلى مؤتمر فينا فستذهب على مسؤوليتك الشخصية!

 

يتحدث حسن أيضا عن مشاركته في اجتماعات المعارضة العراقية الحليفة لأميركا في نيويورك سنة 1999، والتي تقرر فيها إسقاط نظام صدام حسين، فيقول إنه اجتمع هو أحمد الجلبي مع مسؤول أميركي في غرفة خاصة، وفي غرفة أخرى اجتمع جلال الطالباني مع مسؤول أميركي آخر، وفي غرفة ثالثة اجتمع إياد علاوي مع مسؤول أميركي ثالث وهكذا مع باقي قادة المعارضة العراقية اللندنية آنذاك وقادة نظام المحاصصة ودولة المكونات لاحقا! وكان العمل الحقيقي - كما يؤكد حسن - يتم في هذه الغرف السرية، وليس في قاعة المؤتمرات العلنية. وبعد كل هذه القصة والتفاصيل يؤكد حسن أنه لم يكن عميلا، بل هو قومي عروبي بخيوط بعثية قديمة، أكتشف الأسرار الأميركية المتعلقة بما سماه "تكتيك البؤر المشتعلة" لإسقاط الأنظمة المعادية لأميركا، والتي سيكتب رسالة عنها بعد عدة سنوات الى الرئيس السوري بشار الأسد، ضمنها نصائحه له عند بدء الأحداث في سوريا، وحذره من هذا التكيتيك الأميركي "تكتيك البؤر المشتعلة" الذي اكتشفه حسن في الغرف السرية لاجتماعات نيويورك، ولكن الرئيس السوري كما يظهر لم يلق بالا لرسالة حسن، فلم "يعبره ببيزة" كما يقال، ولم يستمع لنصائحه البؤرية فغضب منه حسن إلى يومنا هذا، وأثار موضوع عدم تجديد جوازات سفر بناته من قبل السفارة السورية في عمان!

 

نعود إلى الحلقة المركزية في حملة حسن، ألا وهي رسالة عزة الدوري له، وبالمناسبة فالدوري وحزبه أكدا إرسال الرسالة، ولكن الحزب أوصى أعضاءه في بيان علني بعدم الاستماع لما يصدر من أي طرف آخر غير قيادته.. ينقل العلوي من الرسالة، إضافة لما سبق لنا الإشارة له، أن الدوري ذكَّره بموقفه الإنساني حين تدخل وانفذ الراحل محمد باقر الحكيم من الإعدام، وكيف رد عليه آل الحكيم بمحاولة اغتيال استهدفته شخصيا في كربلاء سنة 1998. ويضيف العلوي أن ما ذكره الدوري عن هذه المحاولة يعتبر سرا من الأسرار، ولا أحد في العراق سمع به أو كتب عنه سواه هو والدوري ! وهدف حسن من ذلك مزدوج: فهو أولا، يروج لما سماه مبادرات بناء ثقة بين الدوري وورثة الحكيم من الشيعة في الحكم، وثانيا إعطاء مصداقية أكبر لرسالة الدوري وتأكيد انه ما يزال على قيد الحياة. فهل كانت حادثة محاولة اغتيال الدوري سرا من الأسرار فعلاً وما قصة تدخله لإنقاذ محمد باقر الحكيم؟

 

لنبدأ بقصة محمد باقر الحكيم، فخلال حوار لي مع زميلي وصديقي الكاتب نصير المهدي بعد بث لقاء قناة الرشيد مع حسن، أخبرني الصديق بأنه يعرف تفاصيل هذه القصة عن كثب، كونه شاهد عيان على أحداث سنة 1977 في كربلاء. وقد استأذنته في نشر ما قاله لي فوافق مشكورا.

 

قال الأخ نصير: إن السيدة أم محمد باقر الحكيم المعتقل آنذاك، فكرت بالتوجه الى تكريت للبحث عن واسطة لطلب العفو عن ابنها وجاءت بصحبة رجل دين مقرب من السلطة اسمه أحمد السماوي، وهو صديق شخصي لعيادة الصديد الذي كان محافظا للمثنى ثم صار محافظا لصلاح الدين في فترة الحكم على الحكيم. وقد شاءت المصادفات كما يقول الأخ نصير أن (يأتوا – أفراد من عائلة الحكيم مع الوسيط – إلى بيتنا في مدينة بلد ويبيتوا عندنا. وقد أقنع والدي زوجة محسن الحكيم - أم محمد الباقر - بالعودة دون الذهاب الى تكريت، لأن هذا الفعل يحط من قدرها. وقد اقتنعت السيدة الحكيم وعادت ولم تذهب الى تكريت. وقد حكم على محمد باقر الحكيم بالإعدام علنا، وأذيع الحكم عبر الاذاعة، ولم يكن سرا. ثم خفف حكم الإعدام في نفس اليوم، ببيان رسمي من مجلس قيادة الثورة موقع من قبل الرئيس البكر الذي قرر تحويل عقوبة الإعدام الى السجن المؤبد. ثم أن الحكيم لم يُرسل الى بيته كما يزعم العلوي، بل أبقي عليه في السجن وخرج منه بعد العفو العام الذي أصدره صدام عند توليه السلطة. علما بأن الحكيم لا علاقة له بأحداث (منطقة "خان النص" 37 كلم شمال النجف حدثت فيها انتفاضة سلمية لزوار من المسلمين الشيعة قمعتهم القوات الأمنية بقسوة آنذاك وحاولت منعهم من الوصول الى كربلاء ولكنهم وصلوا وأدوا مراسيم زيارتهم الدينية رغم القمع الدموي وسقوط الضحايا)، بل أن السلطة أرسلت محمد باقر الحكيم مجبرا الى "خان النص" لمحاولة تهدئة الأمور، فذهب وخطب في الناس وحذرهم من المندسين وأن يكون شعارهم خالصا للإمام الحسين "ع" بعيدا عن السياسة، فكان رد المتظاهرين أن هتفوا : شلون ارهاب يا سيدنا الحكيم.. شلون ارهاب! وعاد الحكيم بعدها الى النجف، فاعتقل وحكم عليه بالإعدام، لا لدوره في انتفاضة خان النص بل كمحاولة من السلطة لإرهاب العراقيين في الجنوب والوسط باعتباره ابن المرجع الشيعي محسن الحكيم.

 

أما الرئيس البكر فقد ترأس بعد يومين المؤتمر القطري الاستثنائي الذي عاقب القياديين البعثيين عزة مصطفى وفليح حسن الجاسم لأنهما تنصلا من قرارات المحكمة الخاصة - بمعتقلي خان النص - ولم يوقعا عليها). ويختم الصديق المهدي كلامه بالسؤال التالي: (فكيف لا يعلم البكر بما يجري بعد كل هذا؟) تجدون أسفل المقال، رابطا لخبر محاولة اغتيال الدوري في إحدى الصحف "البيان" ورابط آخر لخبر المحاولة كما بثته قناة الجزيرة والتي تفضح أكاذيب حسن عن سرية محاولة اغتيال الدوري.

 

انتهت شهادة الصديق نصير المهدي ولكن حوارنا حول تصريحات وحملة حسن العلوي لم ينتهِ، مع اننا اتفقنا حينها على عدم الرد على حسن ومزاعمه، لأنه كما اتفقنا لا تستحق أن يكتب عنه. ولكنني خرجت على اتفاقي مع أخي نصير حين بثت الميادين اللقاء الجديد معه، ورأيت أن الأمر لا يمكن السكوت عليه لأنه يتعلق بحملة منظمة يجب التصدي لها، وكان نصير متفقا معي هذه المرة. أما عن الاستنتاجات التي يمكن الخروج بها من معمعة حسن هذه فهي لا تتعدى الترويج للدوري في ظروف احتضار حليفه تنظيم داعش، وتقديم نفسه كمبشر بالمصالحة والسلم الأهلي في أجواء مبادرة عمار الحكيم " المصالحة تحت شعار لا غالب ولا مغلوب" والانتخابات القادمة والتي أعلن في لقائه أنه سيترشح على قائمة إياد علاوي شريكه في الغرف السوداء الأميركية و"العلماني الوحيد في الساحة العراقية " كما وصفه.

 

أختم بالتساؤلات التالية: ترى لماذا أصر حسن العلوي على وصف عزة الدوري بالأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي رغم أن هذا الأخير تسلق الى هذا المنصب تسلقا وبقرار شخصي من عنده ودون أن يعقد أي مؤتمر للحزب المذكور؛ الحزب نفسه الذي انشق الى عدة اجنحة ودخل مرحلة التلاشي؟ وهل ثمة علاقة بين تلميع حسن العلوي لعزة للدوري وتذكير الدوري لآل الحكيم بقصة تدخله المزعومة لإنقاذ محمد باقر الصدر، عمُّ عمار الحكيم ووريثه في زعامة الحزب والذي أطلق قبل فترة قصيرة مبادرة للمصالحة تحت عنوان "مصالحة تاريخية :لا غالب ولا مغلوب" ؟ هل يحاول حسن العلوي تسويق الدوري وجناحه في سوق الحكيم ومصالحاته بتذكيره بأفضاله و"جمايله" القديمة عليه وعلى أسرته؟ وأخيرا، هل يريد عزة الدوري المصالحة والسلم الأهلي فعلا؟

 

فليتصالح عزة الدوري مع نفسه أولا، فليتصالح مع تاريخه وتجربة حكمه التي طحنت العراقيين طوال أربعة عقود، فليتصالح مع البعثيين المنشقين عليه، وليعقد مؤتمرا لحزبه ويتوقف نقديا وعلنا عند محطات تجربتهم الملطخة بدماء الأبرياء، فليتصالح ويعتذر من الشعب العراقي بإخلاص عما عاناه هذا الشعب من الويلات والمجازر والقمع والحرمان على أيديهم، فليتصالح مع العراق الذي سلمه نظامه للغزاة الأميركيين خرابا يبابا وشبكة مقابر جماعية دون أن يطلق قائد فيلق الشمال عزة الدوري رصاصة واحدة ضد الغزاة فيما هرب سيده صدام حسين إلى الحفرة وسلم قادة آخرون انفسهم الى الغزاة طوعا ودون ادنى مقاومة.

 

فليبدأ الدوري بالتصالح مع كل هذا الركام والخراب، وإلا فهو وحزبه ورموزه ليسوا أفضل وأنظف من حكام العراق الذين جاء بهم الغزاة الأميركيين بل هو لا يقل عنهم شراً ووبالاً على العراق والعراقيين.

 

 

*كاتب عراقي

 

فيديو خبر اغتيال الدوري كما بثته قناة الجزيرة:

 

https://www.youtube.com/watch?v=x6hp88I5CiE

 

خبر اغتيال الدوري كما نشرته جريدة البيان الإماراتية:

 

http://www.albayan.ae/last-page/1998-11-24-1.1017380

 

رابط اللقاء الذي أجرته قناة  الميادين مع حسن العلوي:

 

http://www.almayadeen.net/programs/episode/17519/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%8A

 

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 10076

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات