خذوا الخور وأعيدوا العقل المهاجر

 

أصبح خور عبد الله حديث الساعة, فالعراقي مستغرب كيف تم بيعه إلى الكويت وكيف سكتت الحكومة بهيئاتها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية عن ذلك وكيف مر الموضوع مرور الكرام؟ بالتأكيد للشعب حق في أن يتساءل عن أرضه لأنها ملك للأجيال وليست ملكا للحكومة أو لأي جهة أخرى, خور عبد الله ليس سوى ممر مائي محصور بين ارضين إحداهما كويتية وهي جزيرة بوبيان والأخرى عراقية وهي الفاو وهذا الممر لم يصنعه الإنسان، بل وجد منذ وجود الإنسان على هذا الكوكب, فأن لم يكن هناك من يستثمره ويعمره فلا قيمة له ولا يستحق كل هذا الاهتمام الشعبي والإعلامي.

 

ماذا يعني فقدان خور عبد الله  والخليج العربي بكامله وماذا لو فقدنا حتى دجلة والفرات؟ فما قيمتهم لو لم يستثمروا بشكل صحيح لخدمة الإنسان والأرض؟ وما قيمة النفط الذي يطفـو عليه العراق دون استثمار لعوائده في بناء الإنسان؟ وما قيمة أرض العراق بمجملها دون استصلاح؟ بل ما قيمة حضارة وادي الرافدين برمتها عندما يحطمها ويسرقها المتأسلمون ويسمي المسؤول المتدين آثارها أصنام؟

 

نحن اليوم أمام خسارة لا تعوض, خسارتنا هي الإنسان ومهما بنينا من جدران دون أن نفكر في بناء الإنسان فلا قيمة لها؟ فالعراقي اليوم في أسوء أحواله وأشدها وطأة عبر التاريخ وعلى كل الأصعدة, فهو يعاني من حياته بالكامل, الحيف والظلم يلازماه بكل تفاصيلهما والأمراض تنخر جسده والفاقة والفقر هويته وأمواج الطائفية والتعصب تلطمه من كل حدب وصوب ورياح الجهل والتخلف تعصف به من كل جانب, فهل سيحسن خور عبد الله حياته البائسة تلك؟

 

لم تكن حضارة وادي الرافدين الأولى في كل شيء في العالم القديم لولا ذلك العقل العراقي البابلي والسومري والأشوري الذي بناها وجعلها مصدر إشعاع عبر التاريخ وليومنا هذا ولم تكن القراءة والكتابة معروفة لولا ذلك الرافدي المبدع الذي اخترعها ونماها وطورها حتى أصبحت سراجا منيرا تنير ثورة العلم في العصر الحديث, فقد عاش الإنسان عبر ملايين السنين قبل بابل وسومر وأشور متخلفا لا يفقه من حياته سوى الصيد ومحاربة الضواري والتكاثر حتى ظهر ذلك العقل العراقي الفريد في بلاد الرافدين وحقق ما لم يحققه غيره قبل ملايين السنين على هذا الكوكب.

 

القاسم المشترك هو العقل البشري الذي خسره العراق, ولولا ذلك العقل لما كان للأرض قيمة ولا للمياه قيمة وما كانت هناك حاجة للحروب من أجل النفط ومن أجل المياه, فما قيمة النفط ومصادر الطاقة دون الآلة التي تستهلكها وما قيمة المياه دون تطويرها والاستفادة منها ولولا العقل الذي أخترع أدواتها وطورها لما حقق أدنى فائدة منها.

 

لو كنت مسؤولا وصاحب قرار لاستبدلت خور عبد الله بالعقول العراقية المهاجرة, عشرات آلالاف من الأطباء العراقيين الذين لولاهم لأقفلت مستشفيات بريطانيا أبوابها ولمات ربع الشعب البريطاني؟ آلاف المهندسين الذين بنوا دبي وجعلوها حاضرة, آلاف الاساتذه الجامعيين الذين يديرون جامعات العالم المتطورة وآلاف الضباط المشردين الذين كانوا يوما ما عمادا لأقوى جيوش العالم, عقول نادرة خسرها العراق طيلة العقود العجاف الماضية ولو وفقت في ذلك فأنني أعطيكم الضمان بأن الخليج العربي سيكون كله للعراق وستكون الأرض كلها عراقية وسيكون العراق جنة عدن وسيعيش العراقي في نعيم ما بعده نعيم, فالعقل هو الذي يحيي الأرض البور ويحميها بل هو الذي يبني الحياة ويعطيها قيمة.

د. فراس مصطفى

اسم الكاتب: د. فراس مصطفى

عدد المواضيع المنشورة: 10

نبذة عن الكاتب: دبلوماسي سابق وأكاديمي عراقي مقيم في باريس

التعليقات

عدد التعليقات