خَلْقُ الصوت

دائرة الوعي المغلقة (2)

 

قلت في المقال السابق إن النتيجة الأهم التي أسعى إلى تأكيدها عبر فكرة "دائرة الوعي المغلقة" أن وعينا مغلق على نفسه ولا يمكنه التواصل مع أي وعي غير بشري. واشَرْت هناك إلى أن الانغلاق ناتج عن تَكَوّن منظومة وعينا من جملة من الأدوات لكل منها مساحة محدَّدة مما يمكن أن تتحسَّسه وهي بالتأكيد ضئيلة بالقياس إلى ما لا يمكنها أن تتحسَّسه. نعم أن اشتراك هذه الأدوات معاً في رفد عمليَّة الإدراك يوسِّع من دائرة مُمْكناتها لكنَّه لا يخرجها من محدودية واضحة ومؤثِّرة.

 

في هذا المقال أريد أن افصَّل أكثر في موضوع انغلاق وعينا على نفسه عبر مناقشة زاوية أخرى من زوايا هذا الانغلاق، وهي زاوية تُناقش في ماهيَّة عملية الإدراك، فالدماغ ومن خلال عمله لا يكشف الواقع لنا بصورة مباشرة، بل ينفعل به، ويولِّد عبر هذا الانفعال جملة من الانطباعات التي يحوِّلها بمرحلة لاحقة إلى معلومات. فالصوت عبارة عن انعكاس يَخْلقه الدماغ نتيجةً لانفعال الاذن بطيف محدد من الموجات. الاذن لوحدها لا تُنْتِج الصوت بل تحوِّل الموجات إلى نبضات كهربائية وتُرسلها إلى الدماغ الذي يعيد انتاجها على شكل انطباع نسميه نحن صوتاً، ما يعني بأن الصوت غير موجود في الواقع بالشكل الذي نسمعه نحن، الموجود هو الموجات فقط والتي تنشأ نتيجة المؤثرات، بعد أن يتولد الانطباع الخاص بالصوت تحدث جملة من الفعاليات التي يقوم بها الدماغ باعتباره عقلاً ـ وإن كان التمييز بين الدماغ والعقل غير ممكن بسهولة ـ أقصد الفعاليات التي تشترك بها منظومة اللغة والمفاهيم والذاكرة ومجموعة أخرى من الفعاليات التي تشترك كلها بمهمَّة تحليل الصوت الوارد وتحويله إلى معلومات مفهومة يمكن التعامل معها بسهولة. لكن من المهم الالتفات، ومن جديد، إلى أن هذه المعلومات ليست كشفاً مباشراً للواقع بل هي استجابات وانعكاسات ناتجة عن الانطباع الذي تولد في الدماغ نتيجة لانفعال حاسَّة الأذن بالموجات، وهذا يعني أن لدينا عمليتين من عمليات التأثير التي يقوم بها جهازنا الإدراكي على المعطيات الواردة عبر الحواس، العمليَّة الأولى هي تحويل الموجات إلى نبضات كهربائية، ثم إلى (انطباع/ صوتي).

 

العمليَّة الثانية، هي تحليل الانطباع أو الصوت إما إلى كلمات وجمل مفهومة، أي في حالة كونها كذلك، أو إلى مجرد أصوات، أي في حالة كونها ليست لغة أو لم تصدر عن متكلم. الآن لنفترض أن مجموعة من البشر كانوا يتكلمون فيما بينهم وكان بينهم اصم، فإن المتكلم سيصدر عبر فمه مجموعة من الموجات، والمستمعون من الاصحاء سيستقبلون هذه الموجات ثم يحولونها إلى انطباعات صوتية ثم إلى لغة مفهومة، أما بالنسبة للأصم فلن يحصل على غير مشاهدة الشفاه التي تتحرك، لأن الأصوات بالنسبة إليه غير موجودة، فإذا كان كفيفاً، فلن يرى لا الشفاه ولا مجموعة المتكلمين، لأن الضوء بالنسبة إليه غير موجود، أو بالأحرى هو لا يمتلك جهازاً يحول الموجات الكهرومغناطيسية إلى ضوء ثم إلى صور. فإذا كان وعينا غير قادر على التواصل مع البشر ممن لا يمتلكون أجهزة تحسس الصوت والضوء فكيف يمكن له أن يتواصل مع كائنات غير بشرية؟

 

عملية إعادة إنتاج الواقع ليست بريئة، بل تجعل العقل أشبه بالشريك في صنعه، وربما تجعل منه المؤثر الأكبر في رسم صورته، فمثلاً لا يوجد هناك فرق مهم بين النبضات الكهربائية التي ترسلها اليد عند ملامستها لأي بشرة وبين تلك التي ترسلها بعد ملامسة بشرة الحبيب، ولا أظن بان هذا الفرق يبرز على مستوى "الدماغ" لكنه يبرز على مستوى العقل فالعقل هو الذي يميَّز بشرة الحبيب عن غيرها ويثير بسبب عملية ملامستها عواطف ومشاعر وذكريات مؤثرة جداً، فيترتب على ذلك سلوك يختلف جذريا عن ذلك الذي يترتب على ملامسة اي بشرة أخرى، وهنا يكون العقل شريكاً أساسياً في صنع صورة الواقع، بعد أن أضاف الكثير إلى عملية لمس البشرة. فلم تعد هذه العملية مجرد تحسس، بل زاد على هذا التحسس الكثير من الأشياء التي أخرجت عملية إدراك الواقع عن كونها مباشرة أو بريئة، وهذا المثال يمكن سحبه على جملة من العمليات الإدراكية المختلفة. فهناك فرق كبير بين أي فكرة غريبة أو مثيرة للجدل يطرحها شخص عادي وبين نفس الفكرة فيما لو طرحها رمز جماهيري أو ديني أو اجتماعي، وهنا أيضاً يمارس العقل اضافاته على الفكرة، فيقبلها لصدورها من شخص مؤثر، وربما يرفضها أو يعترض عليها فيما لو صدرت من أي شخص آخر.

 

وبالعودة إلى عملية الانغلاق وباستثمار هذا الذي قلته آنفاً، يكون واضحاً مقدار سمك الجدار الذي يحيط بوعينا ويعزله، ثم يمنعه من التواصل مع أي منظومة وعي ليست "حيوانية"، لان منظومتنا لا تكشف الواقع من أجل أن يكون هذا الواقع قاعدة إدراك مشتركة بين وعينا وأي وعي مختلف، بل هي تصنع واقعاً بديلاً أو رديفاً، أو تصنع صورة خاصَّة بها عن الواقع، وما تصنعه هذه المنظومة لنفسها وفي نفسها لا يمكن لأي منظومة أخرى أن تصنع شبيهاً له، بل ربما تُدرك الواقع كما هو أو أنها تصنع نسخة عنه غير التي نصنعها نحن.

 

الصوت، وكما أشرت سابقاً، غير موجود في الواقع بنفس الكيفيَّة التي ندركها نحن، لأنه عبارة عن موجات فقط، وعندما نحرك نحن حناجرنا، نتوقع أنها تطلق أصواتاً، وهذا خطأ، لأن الذي نطلقه عبارة عن موجات فقط، وهذه الموجات لا نعرف ما ستثيره من انطباعات لو تم استقبالها من قبل جهاز إدراك يتعامل مع نفس الطيف الترددي. إذن لا الضوء موجود ولا الصوت ولا الروائح، فكل هذه الأشياء هي انطباعات موجودة في داخل وعينا ولا وجود لها في الواقع بل الموجود فقط هو المؤثرات التي تتسبب بها، وهنا يأتي سؤال: هل نستخدم نحن في تواصلنا مع بعضنا كبشر وحتى مع الحيوانات، غير الضوء والصوت والروائح؟ طيب إذا كانت كل هذه الأشياء غير موجودة في الواقع، فكيف يمكن أن نستعملها في التواصل مع منظومة غير حيوانيَّة ولا تدرك هذه المؤثرات وإذا أدركتها فلن تحولها إلى انطباعات تشبه هذه التي تتولد عندنا؟

 

نفس الأمر يقال عن موضوع الكتابة فهي كآلية في التواصل تتخذ من الضوء حجر أساساً لها، ولأن الضوء ـ كما ندركه نحن ـ غير موجود إلا بالنسبة لنا، فما جدوى أن نخاطب الآخرين من خلال الكتابة؟ كما فعلت وكالة ناسا، عندما أرسلت رسالتين إلى الكائنات "الأخرى" عبر مركبتي الفضاء فوياجر ١وفوياجر ٢؟ العلماء الذين كتبوا تلك الرسالة وضمنوها صوراً ورموزاً رياضيَّة واصواتاً افترضوا وجود كائن يستخدم الضوء أو الصوت في تحسس الأشياء، مع علمهم أن هذه الرسالة لا يستطيع قراءتها أي إنسان اصم وكفيف، فكيف قرروا ارسالها إلى كائنات لا يعلمون إن كانت تمتلك عيوناً وآذاناً أم لا؟!

سعدون محسن ضمد

اسم الكاتب: سعدون محسن ضمد

عدد المواضيع المنشورة: 31

نبذة عن الكاتب: كاتب وروائي وإعلامي عراقي يكتب في المجلات والصحف العرقية منذ ٢٠٠١. صدر له: روايتان: (حكاية الثلاث كلمات الساحرات) و(مدونات الصمير أنا). صدر له كتابان: (أوثان القديسين، جدل الحضارة والوعي والوجود) و(هتك الأسرار، تحولات فكرية في العلاقة بين الدين والمقدس). عضو مؤسس في منظمة مدارك للأبحاث والدراسات، وهي منظمة غير ربحية تنشط في مجال الفكر والشفافية والدفاع عن الحريات.

التعليقات

عدد التعليقات