دفاعا عن الفساد

المراقب لما جرى ويجري في العراق منذ تموز الماضي وربما منذ 9 نيسان 2003 ولغاية الآن لا يمكنه أن يدفع تفكيره بعيدا عن أن كل هذه الدماء التي سكبت وكل هذا الشحن الطائفي والإستغلال الدنيء للدين من قبل بعض السياسيين -إن لم يكن جلهم- هو من أجل الفساد وليس كما يدعي البعض "من أجل القضاء عليه"، يدعم هذا الرأي حقيقة الإبقاء على حالة "اللانظام" التي يعيشها العراق منذ سقوط النظام السابق ولغاية ربما لن نشهدها قريبا.

 

قبل أن نذهب بعيدا في تفاصيل قد تكون مكررة ونسمعها يوميا، ربما نحن بحاجة للتذكيرإننا لم نشهد محاسبة لفاسد كبير في العراق رغم هذا الحجم الهائل من الادلة والبراهين على صفقات فساد طالت كل مفاصل الدولة العراقية، وهذا وحده يكفي دليلا على توفير"حماية سياسية" للفاسدين الكبار، ويعني ايضا سكوتا "متقابلا" عن فساد "متقابل"، فضح ذلك حديث المالكي الذي ذكر فيه أنه يملك "ملفات" لو فتحها "تصير بوكسات" في مجلس النواب"، وتخلي مجلس النواب الحالي عن إستجواب صالح المطلك حول شبهات فساد تتعلق بملبغ يصل إلى ملياردولارمن الأموال المخصصة للنازحين بعد أن هدد ب"فتح نار جهنم على العملية السياسية" الذي يعني إن لديه "ملفات" هو الأخر عن البقية.

 

وأتى حديث النائب مشعان الجبوري عن عمليات الرشى في مجلس النواب وكيف تغلق ملفات الفساد هناك ليؤكد حجم الفساد المسكوت عنه في المؤسسات العليا في البلد، وأحاديث وروايات مماثلة عن لجنة النزاهة السابقة برئاسة بهاء الأعرجي ما يبررعدم قيامها بأي إحالة لأي ملف فساد يطال رؤؤس الفساد الكبيرة إلى القضاء طوال مدة عملها.

 

كشفت النائبة (ماجدة التميمي)-بعد أن هددت بالكشف- عن تخصيص 123 سيارة بعضها مصفحة يزيد ثمن الواحدة منها على 200000 دولار لرئيس مجلس النواب سليم الجبوري، و70 سسيارة بعضها مصفحة للنائب الأول لرئيس مجلس النواب همام حمودي، و43 للنائب الثاني أرام محمد، عدا ما مخصص لكل منها من وزارة الداخلية والدفاع! أي إن ما مخصص لهؤلاء الثلاثة فقط يكفي لتسليح فرقة من فرق الحشد الشعبي بالسيارات والأسلحة الخفيفة والمتوسطة. هذا بالإضافة إلى الرواتب والمخصصات غيرالمستندة إلى قوانين تجيزها أوتحدد مقاديرها ،ما يبررتشبث سليم الجبوري وهيئة رئاسة المجلس بمناصبها. ومثل هذا "النهب الرسمي" موجود في الرئاسات الثلاثة، وكان ولازال مثلها موجودا في مكاتب نواب رئيس الجمهورية السابقين. علما أن مجلس النواب بدوراته الثلاث لم يشرع القوانين الخاصة برواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث كما أوجبها الدستور، في المواد (63،74،82)، ما يوجب إسترداد كل الرواتب والمخصصات المصروفة سابقا للرئاسات الثلاث السابقة والحالية لعدم تشريع القوانين التي تجيزصرفها.

 

الأمر لايختلف كثيرا في مجالس المحافظات، فهي تجيز وتشرع لنفسها قوانين تعطي لنفسها بنفسها مبالغ ومخصصات كيفما يحلو لها دون حسيب أو رقيب، وهذا ما يبرر تشبث المحافظين بمناصبهم رغم المظاهرات الواسعة في كل محافظات العراق منذ ما يزيد على ثمانية أشهر.

 

فكل ما يحدث من صراعات بدواعي "الإصلاح" هو من أجل "الفساد" وليس ضده، وما يطلقه البعض من شعارات "إصلاح" هو في الحقيقة إستغلال لمطالب الشعب بالإصلاح لتمرير"توزيع جديد" لمناصب تتيح فسادا أكبر.

 

وسنشهد صراع على "الوزارات السيادية= وزارات ذات تخصيصات مالية كبيرة" وسنشهد صراع على قيادة الفرق العسكرية لأن فيها "فرص فساد أوسع" من خلال الفضائيين والنفقات الإدارية الخاصة بالإطعام والوقود والملابس والمستلزمات العسكرية. التجربة السابقة من عمل وخطاب القوى السياسية الموجودة في السلطة لا تشجع العراقيين على الثقة بها وبإفتراض حسن نيتها بالإصلاح، ولا أظن أن يسمح العراقيون لهذه الطبقة السياسية بالمزيد من إستغفالهم في تجربة مريرة أمدها 13 عاما.

 

نصيف الخصاف

اسم الكاتب: نصيف الخصاف

عدد المواضيع المنشورة: 15

نبذة عن الكاتب: باحث مختص بالشأن العراقي ولديه كتاب قيد النشر بعنوان "دعوة للتغيير"، زاول النشر في عدد من الصحف والمواقع العراقية والعربية، وأسس صحيفة (صوت عراقي حر) التي أغلقت بسبب انعدام التمويل.

التعليقات

عدد التعليقات