رجل دولة حكيم وفذ

 

كنت أنوي الكتابة، بشكل مفصَّل، عن قانون الحشد الشعبي، بعد أن تهدأ وتيرة المزايدات التي اثارها، واتهام كل من ينتقده بوجه حقوق شهداء ومقاتلي الحشد الشعبي، بينما يعلم الجميع، أن هذه الحقوق لا علاقة لها بتأسيس هيئة ذات طابع عسكري/ عقائدي، ترتبط برئيس الوزراء.

 

المقاتلون، الحقيقيون الذين قاتلوا على الأرض، لا يريدون أكثر من تشريع قانون يكفل بشكل مباشر ومحدَّد حقوقهم المعنوية والمادية، حقوق ذوي شهداءهم، وجرحاهم وحقوق بقيَّتهم، لكن ما سيحدث في الحقيقة هو تكريس اغلب "الحقوق" اتجاه توزيع امتيازات جديدة بين "الكبار"، فالجميع يعرف أن تأسيس هيئة عسكريَّة مستقلَّة وتوزيع رتب عسكرية سيؤدي إلى مزيد من الامتيازات والمخصصات والدرجات الخاصَّة "للكبار، أما "الصغار" فسينالهم من هذا القانون نفس المقدار الذي نال الارامل واليتامى والشَيَبَة من قانون الرعاية الاجتماعية، أو ما نال ذوي الشهداء وضحايا العمليات الإرهابية من قانون مؤسسة الشهداء.

 

لذلك يجب على أي مقاتل في الحشد، خصوصاً "من أبناء المحافظات الجنوبية" يعتقد بأن هذا القانون شُرِّع من أجله وفي سبيله، أن يراجع حال محافظته، ويسأل نفسه عن مصير الموازنات الانفجارية التي خُصصت لها وله، يسأل نفسه عن مصير الخدمات الصحيَّة والتربويَّة والتعليميَّة والترفيهيَّة التي وعده بها الساسة الذين يعدونه خيرا من وراء هذه القانون.

 

كان في نيتي الكتابة عن بقيَّة التفاصيل، مثل خطورة أن يرتبط جيش عقائدي بأي رئيس وزراء من نفس مذهبه، ويتمتع بكاريزما مؤثرة ويكون ميّالاً للاستبداد والتفرد! كنت أنوي أن أفعل ذلك لكن اطلاعي على مقترح قانون العشائر فاجأني أكثر، فهذا القانون أكثر تهديداً لأسس الدولة "المدنية"، إذ ما معنى أن يتم تشكيل مجلس من شيوخ العشائر في كل محافظة؟! وهل هناك نتيجة غير المزيد من الترهل ونهب المال العام؟! خاصَّة مع تشكيل هيئة إدارية لكل مجلس عشائر تتكون من تسعة أعضاء ورئيس ونائبين وأمين سر ورؤساء لجان. ثم من سيحدد امتيازات كل هؤلاء الأفذاذ؟ ونحن نعرف الكلفة التي علينا أن ندفعها إلى كل فذٍّ من أفذاذ العراق، هل ستكون لكل منهم سيارات مصفَّحة وارتال وحرس ورواتب وحقوق تقاعدية وجوازات دبلوماسية وإيفادات إلى مضارب قبائل الدول المجاورة؟

 

المؤلم أن طريق الامتيازات استمر ليشمل الافذاذ في اللجان العشائرية الفرعية التي ستتوزع على عموم أقضية ونواحي العراق؟! أما امتيازات أعضاء المجلس المركزي فلا أحد يعلم من أين ستبدأ وأين ستنتهي، لأنها بالتأكيد ستكون مساوية لامتيازات أفذاذ المنطقة الخضراء، والمشكلة الكبرى أن كل هذا التهافت في القانون يمكن أن يبرر بالسعي وراء المغانم، لكن كيف نبرر المهام التي أوكلت إلى مجلس العشائر؟ فما معنى أن يتولى «تسهيل تنفيذ أحكام القضاء»؟ وهل يعني هذا أنه سيؤدي مهامَّ تشبه مهام وزارة الداخلية؟ هل ستكون لديه جهة، أو جهات، مسلَّحة لتأدية هذه المهام؟!

 

ثم ما معنى تَـوَليِّه «الحرص على الأموال العامة ومؤسسات الدولة الخدمية والاستثمارية»؟! هل سيقوم بزيارة مؤسسات الدولة ومراقبة أدائها مثلاً؟ وهل أن أعضاء هذا المجلس مؤهلون للقيام بمثل هذه المهام الرقابية؟! ثم هل ستقع مهامهم هذه بموازاة مهام هيئة ولجنة النزاهة أم ستتقاطع معها؟! وأخيراً؛ لماذا يُمنح لهذا المجلس حق «تقديم مقترحات لإصدار أو تعديل قرارات وقوانين»؟! وهل سيكون لقانوني "النهوة والفصلية" أولويَّة لديه؟!

 

في النهاية لا أريد شيئاً غير أن اتعرف على رجل الدولة "الحكيم والفذ" الذي فكَّر بمنح شيوخ العشائر، وليس العشائر، كل هذه السلطات التشريعيَّة والرقابية والتنفيذية  و"الامتيازيَّة".

 

سعدون محسن ضمد

اسم الكاتب: سعدون محسن ضمد

عدد المواضيع المنشورة: 24

نبذة عن الكاتب: كاتب وروائي وإعلامي عراقي يكتب في المجلات والصحف العرقية منذ ٢٠٠١. صدر له: روايتان: (حكاية الثلاث كلمات الساحرات) و(مدونات الصمير أنا). صدر له كتابان: (أوثان القديسين، جدل الحضارة والوعي والوجود) و(هتك الأسرار، تحولات فكرية في العلاقة بين الدين والمقدس). عضو مؤسس في منظمة مدارك للأبحاث والدراسات، وهي منظمة غير ربحية تنشط في مجال الفكر والشفافية والدفاع عن الحريات.

التعليقات

عدد التعليقات

احجز مساحتك الاعلانية الآن
تصفح موقع DW الألمانية