رفسنجاني.. إيقونة الثورة والدولة والبازار

بغداد - منتظر ناصر

 

عصفت بحياته الشخصية والسياسية مجموعة من الأحداث، كادت تنهي مستقبله لولا ثقته بنفسه وتماسكه وعناده، وأبرز تلك الأحداث تصنيفه من قبل متطرفي المحافظين في خانة المعادين للنظام، وذلك بعد وقوفه مع الحركة الاصلاحية التي رافق سطوعها تظاهرات عارمة في 2009 وقمعها النظام بشدة، إضافة الى خسارته المدوية أمام أحمدي نجاد في 2005 ومثول نجله أمام محكمة طهران بتهم فساد.

 

لقد رحل واحد من أبرز رموز الثورة والدولة في إيران، حين أعلن التلفزيون الإيراني مساء أمس الأحد، وفاة علي أكبر رفسنجاني رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران ورئيس الجمهورية في أكثر سنواتها حساسية، عن عمر يناهز 82 عاما، إثر تعرضه لنوبة قلبية، نقل على إثرها إلى أحد مشافي العاصمة طهران.

 

وتسنم رفسنجاني منصب رئيس الجمهورية لدورتين متتاليتين 1989- 1997 حيث تمكن من العبور بإيران الى بر الأمان وصولا الى الاستقرار الاقتصادي، قبل أن يشغل منصب رئيس البرلمان بين عامي 1989-1980.

 

لعب الرئيس الأسبق، دورا محوريا في إنهاء حرب الثماني سنوات مع العراق إبان الثمانينيات، حيث ينسب اليه، واستنادا لقوة شخصيته، إقناع الامام الخميني بالموافقة على قرار وقف إطلاق النار الذي وصفه الأخير بكلمته الشهيرة "تجرعت كأس السم".

 

كما يعود اليه الفضل في ترتيب البيت الداخلي الايراني، بعد أن تدخل شخصيا في تعيين المرشد الايراني الحالي علي خامنئي كخليفة للامام الخميني العام 1989، وهذا ما يمكن أن نستشفه من نعي خامنئي له قائلا "كان ذكاؤه الوفير، ومودته الفريدة، ملاذا آمنا لي بشكل خاص"، فضلا عن رسم السياسة الخارجية، حتى وصف من قبل الصحافة الغربية بالثعلب، حيث سعى للتقارب مع الغرب مع فرض إيران كقوة إقليمية، وعلى الرغم من الخلاف الايراني السعودي الا أن رفسنجاني كان يتمتع بعلاقات ودية مع الملك السعودي الراحل عبد الله، وكان يؤيد التقارب مع السعودية، ولعب دوراً كبيراً في توقيع اتفاقية أمنية بين البلدين في عهد الرئيس محمد خاتمي عام 2001.

 

ولأن رفسنجاني واحد من أكبر أصحاب رؤوس الأموال في ايران ويشاع امتلاكه لأكبر مزارع الفستق في ايران، فقد استغل هذه النقطة غريمه الرئيس السابق محمود احمدي نجاد ومن خلفه التيار المحافظ للاطاحة به سياسيا، حيث نجح الأخيران بتوجيه ضربة موجعة له في انتخابات 2005 التي فاز نجاد بها.

 

بعد ذلك عصفت بحياته الشخصية والسياسية مجموعة من الاحداث، أبرزها مثول نجله أمام محكمة طهران بتهم تتعلق بالفساد، كونه يزاول أنشطة تجارية مشبوهة، الا أنه ظل متماسكا حتى النهاية.

 

وكادت حياة رفسنجاني السياسية تنتهي عند رئاسة مجلس تشخيص مصلحة النظام وهو المنصب الذي لم يكن يراه مناسبا لامكانياته واستحقاقه، لذا حاول الترشح في العام 2013 لرئاسة الجمهورية رغم تقدمه في السن، الا أن مجلس صيانة الدستور رفض ترشحه، الامر الذي عزاه مراقبون ايرانيون الى وقوفه بجانب الحركة الاصلاحية التي تطرفت في معارضة النظام بقيادة المرشحين السابقين مير حسين موسوي ومهدي كروبي، وما رافقها من أحداث واضطرابات أعقبت انتخاب أحمدي نجاد للمرة الثانية عام 2009، تلك الحركة التي رفضت من قبل المرشد الأعلى علي خامنئي، والحرس الثوري الايراني الذي رأى فيها تمردا على مبدأ ولاية الفقيه، الا أنه وبحنكته السياسية وخبرته ومكانته المؤثرة سعى لتجاوز محاولات تحجيمه، وعاد الى لعب دور أكثر أهمية في دعم المرشح والرئيس الاصلاحي الحالي حسن روحاني، وفي هذا الصدد نعود قليلا الى كلمات النعي التي قالها خامنئي بحقه: "صداقتنا التي امتدت 59 عاما مذ كنا معا في كربلاء، لم تتأثر باختلاف وجهات النظر"، في اشارة الى الخلاف أعلاه حول دعم الحركة الاصلاحية.

 

ورغم اعتباره ملهما للتيار الاصلاحي المعتدل في إيران ليس بشخصه فقط بل من خلال افراد اسرته وخصوصا ابنته (فائزة) التي عرفت بمبادراتها المثيرة للجدل مثل دعوتها المرأة لقيادة الدراجة والتقدم لخطبة الرجل، الا أنه ظل، ممسكا بالعصا من المنتصف، وقريبا من جميع التيارات داخل بازار السياسة، وهذا ما جعله مؤثرا في دعم روحاني، وفوزه بالانتخابات الرئاسية الأخيرة، إلى جانب خلفه الرئيس السابق محمد خاتمي، لذا فان رحيل هذا الرجل القوي في ايران يعد خسارة لا تعوض بالنسبة للاصلاحيين والمعتدلين داخل النظام الايراني.

 

وتحتفظ الثورة الايرانية بسجل حافل لرفسنجاني في زمن الشاه (ملك ايران السابق) من خلال نشاطاته السياسية المعارضة، بدءا من العام 1961، وحتى انتصار الثورة في العام 1979 وقد ملازما لاستاذه الامام الخميني حتى اعتقل مرات عديدة من قبل جهاز السافاك (وهو الاستخبارات في عهد الشاه) وسجن لعدة أشهر.

 

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 9135

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات

احجز مساحتك الاعلانية الآن
تصفح موقع DW الألمانية