سياسي أبيض؟!

 

يكون الوعي حراً عندما لا يميّز في نقده بين الاخرين بحسب قربهم وبعدهم عنه. لأن هذا التمييز هو السكَّة التي تقود إلى محطات الطائفية والعنصرية ومختلف أنواع التشدد.. الخطأ خطأ، ولا يكون خطأ أبيضاً إذا ارتكبه فلان وأسوداً إذا ارتكبه علّان.

 

كانت هذه العبارات التي قلتها بشيء من الحدَّة هي التي دفعت صديقي الى ان يطلب مني انهاء النقاش وهو يصرُّ على أن مجرد دفاعه عن "خطأ أبيض" ارتكبه سياسي يحترمه لا يسلب عن وعيه صفة الحريَّة. تمتمت بيني وبين نفسي: المشكلة يا صديقي أن الجميع يصبغون أخطاء من يحبون باللون الأبيض، ثم حققت رغبته وتحولت معه الى حديث جانبي، لكنني بقيت حائراً في طبيعة السر الذي يجعلنا نتَّهم عقول الآخرين بعوقٍ ننكر إصابةَ عقولنا به!

 

صديقي هذه واع جداً، لكن طريقته بالتفكير، هي التي تمنح السياسيين "الفاشلين أو الفاسدين" قدرتهم على الاستمرار، هي التي تجعل اتباعهم يختلقون الاعذار لتبرير أخطائهم. وعندما يتفهم، هو بالذات، أو يبرر أخطاء الحزب الذي ينتمي إليه فانه يكرر، من حيث لا يشعر، الخطأ نفسه الذي يرتكبه العقل "المؤدلج"، المحبوس داخل زنزانة صغيرة من المسلمات والأفكار والعواطف. هو بهذه الطريقة، يحوّل نفسه إلى تابع، ينزل بها من المتن إلى ما تحت خط الهامش، يتخلى عن حريَّة وعيه مهما اعتقد بأنه محتفظ بها.

 

لا أحد منّا يستطيع أن يتحمَّل ضريبة عدم الانتماء الى جماعة ما فيبقى وحيداً فريداً في هذا العالم، لأن الجماعة تضمن لنا الحماية من تهديدات الجماعات الأخرى ومن بقيَّة مخاطر ومصاعب الحياة. لذلك يبدأ انتمائنا إلى العائلة ومن خلال العائلة إلى الطائفة والقوميَّة وربما الحزب، وعبر كل انتماء نضمن مجموعة امتيازات وفوائد. لكن المشكلة أن لكل جماعة مجموعة من الأخطاء والجرائم، ولأننا لا نريد أن نترك الجماعة بسبب أخطائها وحتى نتخلص من الازدواج وتأنيب الضمير، نعمل بشكل مستمر وغير محسوس ولا واع، على تبرير الأخطاء والدفاع عن الجرائم. ولا يستغرب أحد من وجود عملية التبرير هذه، أو يعتقد بأنه لا يمارسها، فليست هناك جماعة من دون أخطاء، واستمرارنا بالبقاء ضمن جماعاتنا لا يتم من دون استعمالنا للصبغ الأبيض.

 

بعبارة موجزة، هل يعرف أحد منكم أصدقائي، أفراد عائلةَ فاسدٍ ـ أو مجرم أو إرهابي ـ تخلوا عنه أو فضحوه؟ لا طبعاً، فهل تعتقدون بأنهم يعانون من تأنيب الضمير بسبب ذلك؟ أيضاً لا، بل يعيشون بسعادة واطمئنان، فهل تعرفون لماذا، لأنهم في وقت سابق كانوا قد وجدوا ما يكفي من التبريرات التي صبغوا بها أخطاء من يحبون باللون الأبيض ما جعل ضمائرهم تغط في سبات عميق وهانئ، وهو السبات نفسه الذي يغط به الآن ضميري وضميرك، بعد جولة سابقة وطويلة تمكنا عبرها من طلاء قبائح الأشرار الذين نحبهم.

 

سعدون محسن ضمد

اسم الكاتب: سعدون محسن ضمد

عدد المواضيع المنشورة: 24

نبذة عن الكاتب: كاتب وروائي وإعلامي عراقي يكتب في المجلات والصحف العرقية منذ ٢٠٠١. صدر له: روايتان: (حكاية الثلاث كلمات الساحرات) و(مدونات الصمير أنا). صدر له كتابان: (أوثان القديسين، جدل الحضارة والوعي والوجود) و(هتك الأسرار، تحولات فكرية في العلاقة بين الدين والمقدس). عضو مؤسس في منظمة مدارك للأبحاث والدراسات، وهي منظمة غير ربحية تنشط في مجال الفكر والشفافية والدفاع عن الحريات.

التعليقات

عدد التعليقات

احجز مساحتك الاعلانية الآن
تصفح موقع DW الألمانية