في انتظار لحظة اللاطائفية

مهند الساعدي

 

 

يضع بعض نقاد الطائفية، والمتبرمين من فعلها السياسي، خطابهم في أسر اللحظة التاريخية الراهنة، ولا يتعبون أنفسهم في النظر الى ما وراء السياسة، من تاريخ،وجغرافيا، وملاحم، وفتن.

 

وأول مهام نقد الطائفية هو وضعها في سياقها التاريخي والاجتماعي الصحيح، لا ان نُبدع لها سياقاً آخر، يكون معوقاً، ومؤخراً لموعد تجاوزها.

 

لم تغب الطائفية عن العراق حتى تظهر، ولم تكن مظاهرها خفيفة الوطأة على الدولة، والاحزاب، والمجتمع، الا بمقدار سكوت ضحيتها، والمتضرر منها، واستسلامه للقدر الذي أراد له البعض صفة الحتمية.

 

ان مصطلح (الأحزاب الشيعية الطائفية) المتداول على نطاق واسع اليوم، يحمل معه الكثير من التبسيط المخل، وكأن هذه الأحزاب "اختارت طائفيتها" طائعة راغبة، في ظل نظام سياسي فردوسي يعج بالديمقراطية والمدنية والعلمانية واللاطائفية!

 

وليس نظاماً، او مجموعة أنظمة، بل احقاب سياسة متطاولة، كانت محقونة بالطائفية، وممتلئةً بها، وزارعة لها، على نحو أنتج ردة الفعل الكبرى التي فضحتها بصعود نقيضها الطائفي الاخر.

 

ان اهم واجبات الأحزاب الاسلامية الشيعية اليوم، هي الاستمرار في اعادة التوازن التاريخي للدولة والمجتمع والنظام الديمقراطي. وانهاء مظاهر التمييز الطائفي، قبل العبور الى مرحلة اللاطائفية، وتطوير العمل الحزبي والسياسي، تزاماً مع تطور حقيقي في ماهية الدولة وبنية النظام السياسي.

 

ولا اريد لدخول هنا في جدل: من يسبق من؟ ومن يغير من؟ لان القضية برمتها كانت تتعلق بمحاولة سحق طائفية كبرى، وتطهير سياسي حقيقي، اتخذ شكل النظام القمعي الرهيب من قبل، واستحال بقضه وقضيضه الى منظمات ارهابية لا زالت تحمل ذات المشروع، وتهدد المجتمع والدولة بذات الأدوات، وذات الحواضن، وذات الخلفيات.

 

لم تفتقر الحياة الحزبية والسياسية في العراق للطائفية يوماً ما، وكان الشيعة هم الضحية الكبيرة لأسوأ الأنظمة التي حكمت العراق. وهذه حقيقية يجب عدم المرور عليها الى ما سواها. لا يمر العلماني الى علمانيته ما لم يقف عندها، ولا المدني الى مدنيته، ولا الديمقراطي الى ديمقراطيته، ولا اليبرالي الى ليبراليته مالم  يمر على أحقاب الظلم والتهميش الذي عانى منه شيعة العراق على مدى تاريخ طويل.

 

لقد كانت السلطة تفرق بين الشيوعيين العراقيين على أساس طائفي، وكان الجيش يُفرّف بين ضابط وضابط اخر، وجندي وجندي اخر، على خلفية طائفية، وكان الكثير من البعثيين حتى، يعانون من التمييز الطائفي في الحزب والدولة.

 

لو لم يظهر حزب الدعوة، والمجلس الاعلى، وغيرها، لوجدنا ان ساعة الربيع العراقي ستحمل لنا علمانيين، وليبراليين، وشيوعيين، وبعثيين شيعة، يطالبون بحقوقهم الطائفية قبل كل شيء! وقبل التحدث عن مشاريعهم ومذاهبهم في السياسة.

 

ان اي حفيد محتمل، لجعفر ابو التمن؛ او محمد مهدي كبه، او محمد الصدر، او وريث سياسي ادرك لحظة التغيير في ٢٠٠٣، وأشرف على كوارث ما قبل ٣٠٠٣، سيجد نفسه في تحالف وطني موحد كالذي يترأسه اليوم عمار الحكيم.

 

ان خطاب العقلانية السياسية العراقية مطالب ان يثبت عقلانيته وهو يعالج الطائفية السياسية في العراق.

 

سأكون اول من يطالب حزب الدعوة بإعلان نفسه حزباً لا طائفياً، يفتح باب الانتماء لكل العراقيين، ولا يعرف نفسه الا اسلامياً، وعراقياً، وديمقراطياً، فقد حين اطمأن على بقائه على قيد الحياة السياسية، وعدم افتراسه ثانية، من قبل داعش، او البعث، او المشاريع إلاقليمية الطائفية، او الطائفية المقنعة بغيرها.

 

 

ادعو الأحزاب الشيعية العراقية ان لا تتخلى عن طائفيتها دون ضمانات.

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 9419

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات

احجز مساحتك الاعلانية الآن
تصفح موقع DW الألمانية