قراءة في كتاب “من يمتلك العالم” لتشومسكي (1/3)

علاء اللامي

 

هذه قراءة قراءة اقتباسية في كتاب " من يمتلك العالم" للفيلسوف وعالم اللغة الأميركي المعروف نعوم تشومسكي أحاول من حلالها التعريف بالفقرات التي بدت لي الأكثر اهمية دون أن يعني ذلك عدم وجود فقرات وصفحات كثيرة مهمة وربما أكثر أهمية في الكتاب ودون ان تغني هذه القراءة عن قراءة الكتاب نفسه فهي تبقى قراءة جزئية وناقصة تحاول تسليط نقاط من الضوء على بعض المور التي اعتقد بأهميتها وأولويتها.

 

أشير هنا إلى أن اختيار المترجم أسعد الحسين لهذا الكتاب والإقدام على ترجمته شيء مهم وجريء يسجل للمترجم وللدار التي نشرته في عدة طبعات متوالية " دار نينوى – دمشق " ولكن الموضوعية تدفعني الى القول أن الترجمة كانت مضطربة وضعيفة وحافلة بالأخطاء اللغوية مما دفعني الى التصرف الأسلوبي حسب سياق الكلام وذلك لأن النص الإنكليزي للكتاب المترجم لم يكن بحوزتي وهذا ما ضاعف من صعوبة القراءة والاقتباس.

 

أولا: من لا يعرف رواية "مزرعة الحيوان" لجورج أوريل؟ إنها الرواية الأشهر في هجاء ونقد الأنظمة الشمولية، والتي احتفل بها صناع الأيديولوجيا اليمينية كنشيد هجائي للاتحاد السوفيتي والشيوعية فقط لا غير! يكشف نعوم تشومسكي للمرة الأولى ربما، عن أن مقدمة هذه الرواية التي كتبها أوريل ولم تنشر في حينه، ثم وجدت لاحقا مع أوراقه وكتاباته التي لم تنشر في حياته، كانت – المقدمة – تنتقد وبحدة "المجتمع المتحرر" في إنكلترا الحرة ذاتها. يكتب تشومسكي ( من مزايا تفوق السلطة الإمبريالية التحكم بالتاريخ طالما هناك طبقة مثقفة خاضعة كالتي يملكها الغرب"..." كان غرض أوريل من مقدمة كتابه "مزرعة الحيوان" التي لم تنشر، توضيح أن الأفكار غير الشعبية (الثورية والتي توصف بالمتطرفة . ع ل) يمكن إخمادها دون استعمال القوة فالتعليم الجيد وسيلة فعالة للوصول إلى هذه النتيجة. حسناً، إذا لم نستطع أن نصبح قادرين على التفكير في الأفكار التي تحظرها وتمنعها الأيديولوجية الإمبريالية، سيكون إدراك وفهم ما يحدث في العالم أصعب منالا.) ثم يضرب تشومسكي مثالا عمليا من التاريخ الأميركي فيقول (هناك الكثير من السخرية والمفارقات هنا : المستوطنون الأصليون – في اميركا بعد اكتشافها ع ل – يعتبرون أنفسهم اولاد إسرائيل الذين عادوا إلى أرض الميعاد. لقد توحدوا عبر مبدأ تخلل التاريخ الأميركي كله حتى الوقت الحاضر ويسمى " العناية الإلهية". يقولون، نحن ننفذ مشيئة الرب، أياً كان ما نفعل، فإننا ننفذ مشيئة الرب، حتى لو أبدنا وقلتنا السكان الأصليين كلهم فيجب ان يكون ذلك بمشيئة الرب. نحن نحاول أن نفعل الخير طبعاً، لكن نوايا الرب تكون غامضة أحيانا. ص 127 و ما بعدها بتصرف طفيف/ مَنْ يمتلك العالم- تشومسكي / دار نينوى ط 2 ).

 

ثانيا: القصة الحقيقية لإمبراطورية الشر: كيف تأسست الولايات المتحدة الأميركية؟! كتب نعوم تشومسكي ( هناك حقيقة دامغة أخرى، هي أن الولايات المتحدة الأميركية أسستْ كإمبراطورية على نحو صريح. فمؤسس البلاد جورج واشنطن عرَّف الولايات المتحدة كإمبراطورية يافعة. نجد ذلك في كلماته و مواقف زملائه، كما إن الزعيم الأشد تأييدا للحرية من بين الآباء المؤسسين "توماس جفرسون" مثلا، تنبأ بأن المستعمرات المحررة حديثا - من الاستعمار البريطاني في أميركا ع ل - سوف تمتد فوق كامل نصف الكرة الأرضية، وسوف ينشئون نصف كرة أرضية حرة، لن يكون فيها إنسان أحمر أو أسود أو لاتيني. فالحمر، الهنود، سوف يطردون أو يتبعثرون أو يختفون. و السود كانوا بحاجة إليهم لفترة من أجل استرقاقهم ولكن حين ينتهي الرق سوف يعودون الى الأماكن التي ينتمون إليها في أفريقيا و هايتي. أما بالنسبة للاتينيين الجنوبيين وهم عرق دوني - بمقاييس الآباء المؤسسين لأمريكا ع ل – لهذا سيجري اكتساحهم من قبل العرق الإنكلو- ساسكسوني الأرفع مقاما. لنقتبس من مؤرخ أكاديمي رفيع في هذا الموضوع هو ( جيفرسون) الذي صور الولايات المتحدة المحتشدة التي ستهاجر و تتكاثر وتنتج جنسها في كل أجزاء أميركا الشمالية والجنوبية. تلك الملايين المحتشدة ستحل محل ليس الهنود الحمر فقط بل السكان اللاتين أيضا، وينشئون قارة ستكون من دم أميركي في اللغة والعادات والأيديولوجية السياسية. حسناً، ذلك كان الهدف. لم ينجز كلياً لكنه أنجِزَ فعلياً بشكل أو بآخر، فخلال القرن التاسع عشر وطدت الولايات المتحدة ما يسمى الآن أرضها القومية وقد عنى ذلك إبادة السكان المحليين الأصليين كما اعترف بذلك القادة " الأكثر نزاهة" وذلك عبر احتلال نصف المكسيك وغير ذلك من الأعمال "غير السارة" ! ص 130 من يمتلك العالم / تشومسكي / دار نينوى – دمشق . بتصرف طفيف .)

 

ثالثا: لا تظلموا الابارتهايد "التمييز العنصري" رجاء! : كتب إدوارد سعيد ( نحن ببساطة لم نركز الانتباه على طريقة إنسانية متماسكة، وعلى السلب والتمييز وما كانت تمارسه ضدنا إسرائيل. أغلب مشاهدي التلفزيون اليوم ليس لديهم أي فكرة عن سياسات الإتلاف والتعذيب والحرمان المنظم ضد الفلسطينيين لمجرد انهم ليسوا يهودا. وقد كتب مراسل أفريقي - من جنوب أفريقيا- في إحدى الصحف المحلية هنا - أرجح أن المقصود في الولايات المتحدة ع ل- أثناء زيارته لقطاع غزة، أن الابارتهايد لم تكن شريرة وغير إنسانية كالصهيونية أبدا، إنها تطهير عرقي وإذلال يومي و عقاب جماعي على صعيد واسع واستيلاء على الأراضي/ خيانة المثقفين/ ص 42).

 

أما نعوم تشومسكي فيدخل في التفاصيل أكثر ويكتب ( شارون ، مهندس سياسة الاستيطان سمى البقايا التي ستترك للفلسطينيين بالبانتوستانات كما في دولة جنوب أفريقيا العنصرية. لكن هذه – في فلسطين المحتلة – ليست بانتوستانات إنها أسوأ من بانتوستانات في جنوب أفريقيا. كانت دولة جنوب ألإريقيا بحاجة إلى السكان السود ، فقد كانوا قوة عمل فيها. 85% من السكان كانوا من السود لهذا كان عليهم أن يهتموا بهم بالطريقة نفسها التي كان على مالك العبيد الاهتمام بها بعبيده، ولهذا وفر العنصريون الجنوب أفريقيون المتطرفون بعض الدعم للبانتوستانات . أما إسرائيل فلا تحتاج إلى الفلسطينيين و لا تريدهم. لهذا تشتتوا مثل أوراق الخريف بالطريقة مورست مع الأميركيين الأصليين، فذلك "رائع". إن ذهبوا إلى مكان آخر فذلك رائع ، لن يتحمل الإسرائيليون أي مسؤولية عنهم و ليسوا بحاجة لهم ، ولهذا فإن التعامل الإسرائيلي أسوأ من الابارتهايد فهم ليسوا بانتوستانات. لكن هناك تشابه واحد وصحيح ويبدو أنه لم يناقش أبدا . إن واشنطن استمرت في دعمها لنظام جنوب أفريقيا العنصري وقد انتهك الرئيس الأميركي ريغان قوانين الكونغرس بذريعة الحرب على الإرهاب التي أعلنها منذ 1981 . كان يقود حربه على الإرهاب وكان العنصريون البيض في جنوب أفريقيا تحت تهديد حزب المؤتمر الوطني الأفريقي – بزعامة نيلسون مانديلا- وفي سنة 1988 أعلنت واشنطن أن حزب المؤتمر الوطني واحدا من " المجموعات الإرهابية الأسوأ سمعة في العالم"، ولم يكن مهماً في الحقيقة رأي العالم و حتى رأي الكونغرس/ ص 142 وما بعدها / من يمتلك العالم / تشومسكي!).

 

رابعا: تشومسكي: العلمانية في مصر لم تفشل بل سحقها تحالف من قوى خارجية و داخلية تابعة وفاسدة. أنشر هنا فقرات من حوار بين الصحافي حيدر ناصح و نعوم تشومسكي: ( ناصح: أنت ذكرت في مقالة لك أن " الغرب مُروَّع – مرعوب – من الديموقراطية العربية"، لماذا هو مرعوب بينما يتظاهر دائما بانه رسول الديموقراطية في العالم؟

 

تشومسكي: السبب هو ما ذكرته للتو، إن الولايات المتحدة لا تدعم الديموقراطية إلا بمقدار تطابقها وانصياعها لأهدافها الاجتماعية والاقتصادية والقوى الغربية لا تختلف عنها (المخططون في الولايات المتحدة يسعون إلى خدمة المصالح التي يمثلونها، وبشكل ساحق للقوة المركزة وتركيز القوة أغلبه اقتصادي ضمن مجتمعاتنا. المبدأ الأساسي والرئيسي هو ما صرح به وزير الخارجية في إدارة الرئيس ويلسون في إشارته إلى سياسة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية خلال فترة طويلة ، فقال معترفاً إن "تلك السياسة" مؤسسة على الأنانية وحدها، أميركا تُجِلُّ وتحترم مصالحها الخاصة أما سلامة الأمم الأخرى - في القارة الأميركية - فحدث عرضي وليس غاية. والرئيس ولسون وافق على ذلك، ونصح بأنه سيكون من الحماقة أن ندع عامة الناس يفهمون أي شيء من هذا - من فقرة أخرى). لا يستطيع المرء أن يتوقع من السلطة المركزة أن تفضل الحكم الشعبي أو المحلي أيضا.
ناصح: هل تعتقد أن الأيديولوجيا انتهت في الغرب وهي في ذروة تقدمها في الشرق الأوسط؟

 

تشومسكي : لا شيء من ذلك إطلاقاً.

 

ناصح: كيف؟ هل يمكن التوسع قليلا في هذا؟

 

تشومسكي : الغرب ممزق بصراعات خطيرة "أيديولوجية" إن احببت تتعلق بالمسار التي تسلكه الحكومات والمجتمعات. وبعض العقائد تعتنقها النخب الغربية هي بمستوى يقارب التعصب الديني : مثلا: الإيمان بالنزعة الخيرة الأصلية للقوى الغربية، هذه الصفات البارزة المميزة للثقافة الغربية وثقت جيدا.
ناصح: أنت دائما تأخذ الموقف القائل بأن الأصولية الإسلامية والتيارات الإسلامية تطورت في البلدان التي فشلت فيها العلمانية، هل تعتقد أن ما يجري في مصر إشارة جيدة على ذلك؟

 

تشومسكي: العلمانية في مصر لم "تفشل" تماما. لقد سُحِقَت بمركب - تحالف؟ - من قوى خارجية و فساد داخلي وتبعية خارجية في عصور مختلفة لكن التيارات العلمانية نابضة بالحياة ويمكن أن تسود).المصدر : من يمتلك العالم ص 87 - بتصرف أسلوبي طفيف...

 

يتبع في الجزء الثاني.

 

 

*كاتب عراقي

 

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 9684

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات