مرشح اليسار الجذري الفرنسي ميلونشون وبرنامجه

علاء اللامي

 

ولد جون لوك ميلونشون بمدينة طنجة المغربية في 19 آب أغسطس 1951، جده لأبيه أسباني من منطقة مرسيا. أبوه عامل بريد وأمه مدرسة وكلاهما ولد في الجزائر المستعمَرة من طرف فرنسا ويحملان الجنسية الفرنسية. هو عضو في الحزب الاشتراكي الفرنسي منذ 1976 من أنصار ميتران.

 

تدرج في مناصب إدارية وبلدية و وزارية منها وزير مفوض لشؤون التعليم الاحترافي سنة 2000 في حكومة جوسبان. أصبح عضوا في تحالف اليسار سنة 2008 وترك الحزب الاشتراكي، ليؤسس حزب اليسار حيث انتخب رئيسا لمكتبه الوطني . انتخب عن جبهة اليسار نائبا في البرلمان الأوروبي سنة 2009 وأعيد انتخابه سنة 2014 . شارك في الانتخابات الرئاسية لسنة 2012 وحاز على المرتبة الرابعة في الأصوات. رشح نفسه لانتخابات 2017 باسم حركة فرنسا المتمردة والبعض يترجمها "فرنسا الأبية أو العصية " (La france insoumise).

 

يتمتع ميلونشون بشعبية كبيرة واحترام واسع في الرأي العام الفرنسي والأوروبي و مشهود له بقدرة هائلة على الإقناع و بجذريته وجرأته السياسية والفكرية والأخلاقية و خصوصا بعد طرحه لبرنامجه اليساري وإعلانه عن تأييده القوي للشعوب المستهدفة بالعدوان الغربي الإمبريالي المفتوح كالشعب العراقي أو بالعدوان الصهيوني كالشعب الفلسطيني و لجميع الشعوب ولذلك جوبه ميلونشون باتهامات من الأطراف الصهيونية والمتصهينة بانه معاد للسامية.

 

وقد تحرك ضد ميلونشون حتى بعض أصدقاء إسرائيل في الحزب الاشتراكي الفرنسي ومنهم الرئيس الحالي هولاند الذي دعا الفرنسيين امس الأربعاء 12 نيسان - أبريل الى عدم انتخاب ميلونشون او لوبين مساويا هكذا وبخبث بين مرشحة اليمين العنصري الفاشي ومرشح اليسار الجذري.

 

ووفق الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة "فيافويس" الفرنسية لفائدة صحيفة "ليبراسيون" المحلية، فإن (51% من الفرنسيين يجدون في ميلونشون المرشح "الأكثر إقناعا"، مقابل 38% للمرشح المستقل إيمانويل ماكرون، و28% لمرشحة اليمين المتطرّف مارين لوبان. أما فيليب بوتو، مرشح "الحزب الجديد لمناهضة الرأسمالية"، الذي قالت وسائل الإعلام المحلية إنه أبدى "تميّزا" خلال المناظرة التلفزيونية التي جمعت لأول مرة، الثلاثاء الماضي، المرشحين الـ 11 للإقتراع المقبل، فإن نسبة إقناعه للفرنسيين بلغت 27%.وبذلك، يحرز بوتو تقدّما على كل من مرشح اليمين التقليدي، فرانسوا فيون (22%) ومرشح اليسار، بنوا آمون (20%).

 

وعلى صعيد آخر، أشار الاستطلاع نفسه إلى أن 42% من الفرنسيين يعتقدون بأن مرشح اليسار الراديكالي ميلونشون سيكون "رئيسا جيدا" لفرنسا، مسجلا بذلك تقدما بـ21 نقطة مقارنة باستطلاع سابق أجرته المؤسسة نفسها الشهر الماضي).

 

ضوء على برنامج مرشح اليسار الجذري الفرنسي ميلونشون : انتهى التمايز والاختلافات بين برامج اليسار واليمين في أوروبا وأميركا منذ ربع قرن تقريبا، حتى أصبح الاتجاهان - اليساري واليميني - ببرنامج واحد تقريبا ولكن بنسختين طبق الأصل أو تكادان! وأصبح الطرفان في خدمة إدارة أزمات الرأسمالية وليس لحلها بحل الرأسمالية نفسها وتفكيكها من الداخل وطرح بديلها الاشتراكي. ومع صعود مرشح اليسار الجذري في فرنسا جون لوك ميلونشون يمكن اعتبار برنامجه الانتخابي الرئاسي محاولة جديدة ومتميزة فعلا بين برامج اليمين واليسار التقليديين مع أنه لا يمكن وصفه بالبرنامج البديل الكامل بمقدار ما يمكن وصفه بفتح الطريق نحو ذلك البديل.

 

أدرج هنا خلاصات سريعة عن برنامج هذا المرشح بقصد التعريف بها دون الدخول في تقييمها معياريا على الأقل في الوقت الحاضر:

 

تعميق الديموقراطية: يجب إنهاء الجمهورية الخامسة " الحالية" والانتقال الى الجمهورية السادسة لتكون " جمهورية اجتماعية" بعد حل البرلمان والدعوة الى عقد مجلس دستوري تأسيسي يعيد النظر جذريا بالدستور الفرنسي بهدف توسيع مشاركة المواطن في الحياة العامة السياسية والاقتصادية والثقافية و منح المواطن حقوقا جديدة كحق الانتخاب واستعادة الصوت الممنوح للمنتخب حتى إذا كان يمارس السلطة. هنا نلمح روح موقف كارل ماركس القديم بعد كومون باريس 1871 والذي قفز عليه البلاشفة بقيادة لينين فلم يطبقوه ( ولم يطبقوا حتى نصفه الآخر أي الانتخاب الحر سوى لسنوات قليلة أي حين كانت السلطة بيد السوفيتات " المجالس" قبل أن يستولي عليها المكتب السياسي للحزب و أمينه العام في زمن ستالين. وقد عرف هذا الحق بحق الانتخاب المشفوع بحق العزل واسترجاع الصوت متى أراد الناخب ذلك.

 

كما يقترب ميلونشون من تجربة "الديموقراطية المباشرة" السويسرية والتي تعتمد بشكل رئيس على الاستفتاءات الدورية والمناسباتية على كافة الأمور التي تهم الدولة والمجتمع.

 

الاتحاد الأوروبي: بين دعوات اليسار التقليدي للبقاء في الاتحاد والمحافظة عليه وبين دعوات اليمين المتطرف للانسحاب منه والانكفاء على الذات يطرح ميلونشون مقاربة مختلفة (نصلح ونغير الاتحاد الأوروبي أو نغادره إذا فشلنا في تغييره).

 

على صعيد الهجرة والمهاجرين: يجب مساعدة الدول التي يأتي منها المهاجرون لأسباب اقتصادية ومساعدتها على بناء نفسها و وقف السياسات الإمبريالية لسرقة وتدمير ثروات هذه البلدان وإمكاناتها الاقتصادية. والتعامل مع المهاجرين من ذوي الكفاءات كقدرات وانجازات انسانية خسرت عليهم بلدانهم الأصلية الكثير من الجهود والأموال وليس كشحاذين يطرقون أبواب الغرب.

 

على صعيد قانون العمل: إجراءات جذرية لخفض سن التقاعد للجنسين الى ستين عاما بدلا من 65 عاما وتعديل قانون العمل بشكل جذري وإنهاء عقود العمل المؤقتة (لا توجد عقود عمل ثابتة في قانون العمل الحالي نهائيا منذ عدة سنوات) والتي حلت محل عقود العمل الدائمة والتقليدية وإلغاء الفقرات التي يستولي بواسطتها أرباب العمل الأغنياء على يورو ونصف تقريبا على كل ساعة عمل إضافي، وخفض عدد ساعات العمل الى 35 ساعة أسبوعيا بدلا من 40 ساعة حاليا.

 

على صعيد الطاقة: إنهاء وجود الطاقة النووية ومفاعلتها خلال سقف زمني محدد واستثمار مبلغ 50 مليار يورو للتعامل مع "الطوارئ البيئية"، بما في ذلك 25 مليار لتنمية الطاقة الخضراء. وتأكيد مبدأ عدم استنزاف الثروات والطاقات الطبيعية التي تأخذ به الدول الرأسمالية.

 

مع العلم أن المفاعلات الفرنسية تقترب من انتهاء عمرها الافتراضي وبعضها قديم بلغ عمره أربعين عاما. وبعضها يوجد على مسافة 50 كيلومترا من مدن كبرى " بوردو مثلا" وتهدد بكارثة أخطر من كارثة تشرنوبل. وعلما أن تجديد و بناء مفاعلات نووية جديدة يكلف مائة مليار يورو . برنامج ميلونشون يحدد هدفه بالتخلص ن الطاقة النووية بنسبة 100% حتى سنة 2050.

 

كما منح المرشح اليساري مرة أخرى المركزية لعالم البيئة. وقال انه يعتزم حماية المشاعات مثل الماء والهواء و مصادر العيش على سبيل الأولوية.

 

رفض معاهدةTafta : وقف المفاوضات مع الولايات المتحدة وعدم قبول المفاوضات الجارية مع كندا (CETA). اتفاقية التجارة الحرة هو مشروع يهدف إلى تحرير العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. الفصل بين البنوك لمنع انتهاكات جديدة في المركز المالي، يقترح جان-لوك ميلونشون للدفاع عن فصل الخدمات المصرفية الاستثمارية والتجزئة.

 

عرف ميلونشون بموقف متوازن ونقدي في القضايا العالمية فهو مدافع مبدئي عن الأنظمة الاستقلالية اليسارية في أميركا اللاتينية وآسيا وعن الشعب الفلسطيني بوجه الاحتلال والاضطهاد الإسرائيلي كما عرف بدعوته الى التعامل مع روسيا بالحوار واعتبارات المصالح ورفض سياسات الحرب الباردة الجديدة والانفراد القطبي. كان له موقف متميز من آخر الأحداث ومنها مجزرة خان شيخون حين دعا الى إدانة الأطراف المسؤولة عنها كائنة من كانت، ولكنه لم يحمل مسؤوليتها للجيش السوري بل قال" كل من ارتكب أو ساعد على ارتكاب هذه المجزرة سواء كانت الحكومة السورية او الروسية أو الإيرانية او التركية او الأميركية او السعودية او القطرية يجب أن يقدم الى القضاء بعد إجراء التحقيق اللازم. كما ادان القصف الصاروخي الأميركي ضد الجيش السوري في قاعدة الشعيرات واعتبره عمل إجرامي وغير مسؤول) كما وجه ملينوشون نقدا شديدا الى الرئيس الفرنسي هولاند والالمانية ميركل لأنهما كما قال يقدمان لترامب الدعم والحجة ليضرب من يشاء بشكل انفرادي.

 

 

الكاتب العراقي: علاء اللامي

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 10004

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات