مقاربات كوميدية تمتحن إنسانيتنا

سماح المؤمن

رغم اتساع حجم خريطة المدونين في العراق الذين يتخذون من وسائط التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها "فيسبوك"، وسيلة للتأمل في ما وصل إليه حال البلاد، فإن المراقب للمشهد قد يرصد وجود انحسار محسوس في حجم التفاعل الالكتروني للقراء.

 

وتتناول في الغالب منشورات المدونين، على نحو يومي، كل مفاصل الجسد العراقي المنهك بفعل حمى الأزمات التي تنوء بها البلاد. فتأتي تارة متعاطفة مع حشود النازحين جراء عنف الجماعات التكفيرية، ناقمة على تقاعس وفساد رجال الحكومة والبرلمان كما نسائهما، ومتذمرة من تدخل الجار والغريب.

 

ومع أن الطروحات التحليلية لبعض هؤلاء المدونين تمتلك أدوات الإقناع، لكن تشابه القوالب، وإن اختلفت الإمضاءات، قد يكون وراء الركود الذي تشكو منه صفحات بعض أشهرهم. ولضغوطات الحياة، وما أكثرها في العراق، تداعياتها هي الأخرى على ذائقة "الفيسبوكيين". إذ يبدو معظمهم مهتما بالبحث هذه الأيام عن المتعة الافتراضية بعد أن اتخمه الواقع بالأحزان.

 

وأسهم هذا المنحى في ازدياد متابعة صفحات مدونين لا تثقل هموم البلاد جدران صفحاتهم. ولعل مفيد عباس واحد من القلة التي اتخذت في السنوات الماضية من حس الفكاهة فرشاة لرسم الابتسامة على وجوه اعتادت قسماتها على العبوس جراء أوضاع البلاد.

 

"لو الله خالقني.." هي محطة يومية استدرج عبرها عباس جمهور الموقع الأزرق إلى صفحته حتى تجاوز عدد المتابعين والأصدقاء معها حاجز الـ7 آلاف متابع. وعبر هذا المنشور يقدم المدون، صاحب الوجه البشوش، لجمهوره فرضيات بشأن موطن ولادته ونشأته جاب عبر بساطها معظم بقاع العالم.

 

فلو كان الله خلقه إيطاليا لكان اسمه (روبرتو سميوني) واسم "الكبد" - أي الحبيبة كما في الدارج العراقي -  (كلوديا كالديني)، ولكان الآن يملك محلا (لبيع الأحذية) بينما هي (صيدلانية) بالصيدلية التي تقابل محله.

 

ولو كان الله خلقه تنزانيا لكان اسمه (جوماها تيريري ميزغوا) ولكان اسم "الكبد" (زوغيتا مريشيو كيكوتي)، ولكان هو يعمل في (المحمية الوطنية للحيوانات البرية) بينما هي تعمل بـ(صيدلية بيطرية). ولو كان الله خلقه أميركيا لكان اسمه (كيفن براون) من ولاية "لاس فيغاس" حيث يعمل في صالة قمار، بينما "الكبد" اسمها (جيسكا براون) وعادة ما تجلس لتلهو بإحدى مكائن القمار في ذات الصالة.

 

وهكذا في كل هذا المنشورات التي أصبح القراء ينتظرونها، كما ينتظر الأولاد الصغار (حدوتة) آخر الليل، يسعى المدون المشهور عبر أسلوب مختزل وغير مباشر لتقريب هوة الانعزال الإنساني الذي يفصل العراقيين عن بقية شعوب العالم نتيجة شعورهم بالتفرد بكم الهموم المفرط.

 

وبينما يغلف الخيال والفكاهة منشوراته، يبدو جوهر سرديات عباس بنبضها الشعبي وكأنه يشبه شخصيته الحقيقية، كما يظهر ذلك في عفوية الكلمات التي تأتي بلهجته البغدادية. وربما تكون منشوراته الأخرى التي تتطرق لطرائف مستقاة من حياته اليومية في العمل والبيت وراء هذا الايحاء الذي يشترك في لمسه معظم جمهوره.

 

وفي محاولة للخروج بعض الشيء من عباءة (لو الله خالقني) التقليدية، اختار عباس الذي يملك محلا لبيع الملابس الرجالية في بغداد، إلباس منشوراته لونا جديدا بدا متامشيا في توقيته مع (التقليعة) التي أطلت هذا الشتاء وتجسدت خطوطها جليا في الهجوم المسلح على صحيفة "شارلي ايبدو" في باريس.

 

الهجوم الذي هز عاصمة النور مؤخرا وتداعت له مشاعر العالم كان حاضرا في صفحات الـ"فيسبوك" العراقي الذي انقسم مستخدموه بين متعاطف، وآخر مستنكر لكم هذا التعاطف الذي بدا للبعض مفرطا أمام حجم القتل الذي يخبره العراقيين كل يوم على مدى أكثر من عقد من الزمان.

 

من هذا الإطار، وسعيا لسبر إنسانيتنا بعيدا عن معادلات التحزب والانغلاق الديني، يدعونا عباس في رحلة عبر آلة العودة بالزمن، لتخيل لو أن الله كان ليخلقه في عصر الجاهلية وصدر الإسلام. وفي مغامرته الجديدة هذه التي تجاوزت حتى ساعة كتابة هذا المنشور ٢٠ حلقة، يملك عباس أو "جرهم بن كليب الخزاعي" محلا لبيع الآلهة استبدلها بعد دخوله في الدين الجديد (الإسلام) بالمخطوطات القرآنية.

 

وتبدو قصص الحب التي يعيشها جرهم مع حنتمة بنت عياض المخزومية وجمانة بنت بديل الدئلي، على بساطتها، أقرب لقصص حب هذه الأيام حافلة بالمقالب والتقلبات ومحتكمة لمعادلات الصراع الذي ألم بالمجتمع العراقي منذ عام ٢٠٠٣.

 

ويكتب عباس بنكهة كوميدية تجمع بين الماضي والحاضر مستحضرة رموزا زمنية وبيئية متناقضة تضع الهاتف النقال وامتطاء الجمال في ذات السلة، مثلما تتواجد نقاط التفتيش الوهمية في عرض الصحراء، وكذلك الحال بسير الحياة اليومية وما يشوبها من مقاربات ساخرة بطلها جرهم الذي يظل مستحوذا على تعاطف القارئ بعفويته رغم تأرجح معتقداته جراء حروب قريش مع المسلمين.

 

وفي استعارته وجمعه لأسماء وأشعار وأحداث ارتبطت بحقبات زمنية متباعدة يحاول عباس زرع بذور التساؤل في نفوس القراء بشأن بعض القناعات الموروثة التي قد تأتي أحيانا بلون واحد، فتبتعد عن ميزان الانصاف وقد لا تخلو من المبالغات أو حتى المغالطات.

 

ويبدو عباس في مغامرات "جرهمه" كمن يحاول عبر كوميديا عفوية مسلسة تفنيد الخطاب الديني المتشدد الذي يستثني (الآخر) عبر التأكيد على إنسانية هذا الأخير ودفع القارئ لارتداء جلبابه، ولو لبرهة من الزمن، أملاً في تذكيرنا بأننا مهما اختلفت انتماءاتنا الدينية والعرقية نشترك في أننا لا ننشد غير عيش رضي لا تكبل أحلامه البسيطة أصفاد المتشددين.

 

سماح المؤمن: استشارية في الإعلام الاستراتيجي والتسويق الدعائي، مقيمة في واشنطن

 

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 10063

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات