من اهوار العراق الى سواحل اسكتلندا قصة مثيرة لحيوان سومري رافق “غافن ماكسويل”

لندن- جمال الخرسان

 

كان ولفريد ثيسيغر الرحالة البريطاني مولعا بالاهوار، طالما عرّف الاخرين بها وبسكانها ويدعو لها اصدقائه من مختلف الاختصاصات، دعى لها "غافن يونغ" مؤلف كتاب "العودة الى الاهوار"، ودعى لها ايضا المتخصص في علوم الحيوان الاسكتلندي "غافن ماكسويل" Gavin Maxwell. ذهب هذا الاخير برفقة ثيسيغر مطلع العام 1956 وبقي في الاهوار قرابة الشهرين، قام بجولة على الاهوار الوسطى "المثلث الواقع بين المحافظات الجنوبية الثلاث" اضافة الى جولة في الاهوار الشرقية "هور الحويزة"، نتج عنها مجموعة من المؤلفات من بينها "قصبة في مهب الريح" الذي حصد جائزة ادبية مهمة.

كان ماكسويل يخبر ثيسيغر عن رغبته باقتناء "القضاعة" وبعض الحيوانات الاخرى، فكان له ما اراد، حصل على قضاعة صغيرة "كلب ماء" انثى اسماها كحلاء اعتزازا بمدينة الكحلاء التي كانت تعيش على ضفافها تلك القضاعة. عاشت معه وجالت الاهوار برفقته، تعلّق بها كثيرا واسماها "كحلاء". عنها يكتب ماكسويل "ان معظم صغار الحيوانات تتسم بالجمال، ولكن لهذه الجروة من السحر في كل نقطة من جسمها ما لم اجده في صغار اي حيوان آخر، ولا يمكنني الكتابة عنها دون ان احسّ في داخلي بغصّة من اجلها". اشترى لها زجاجة الحليب من اجل ارضاعها، يسترسل ماكسويل كثيرا في توصيف رضعات كحلاء فيكتب: "كانت ترضع مستلقية على ظهرها وممسكة بالزجاجة بين مخالبها كما يفعل صغار الدببة وحين تنتهي من الرضاع تأخذها اغفاءة لذيذة بينما حلمة المطاط لا تزال في فمها، وعلى وجهها الطفل تعابير من رضى واقتناع".

كلب الماء مجبل في بيت ماكسويل في اسكتلندا

وحينما ماتت شعر باحباط شديد، عاد الى القنصلية البريطانية في البصرة، بعد وصوله بفترة قصيرة وصل رجلان من الاهوار معهم رسالة من ثيسيغر وكيس فيه  كلب ماء "ذكر". فرح كثيرا بهذه الهدية المفاجئة اسماه مجبل واخذه معه الى اسكتلندا. هناك تأكد ماكسويل ان مجبل من فصيلة نادرة وغير مكتشفة ولهذا اطلق علميا على هذا النوع "lutrogale perspicillatu maxwelli".

ماكسويل الذي ينحدر من عائلة غنية ومعروفة في استكلندا حيث كان ابوه ضابطا في الجيش البريطاني، فيما كان جده متخصصا في علوم الحيوانات. قرر عام 1958 ان يشتري منزلا قرب البحر في منطقة بعيدة غرب البلاد تسمّى "Camusfearna" تقع في جزيرة "Eilean Ban".

وعاش فيه هناك برفقة العديد من الحيوانات من بينها كلب الماء مجبل، عن مجبل يكتب ماكسويل "اخرج الى الباب واصفّر فينطلق من البحر على مسافة خمسين ياردة مجبل الذي خلّف كحلاء ويأتيني راكضا فوق رمال البحر ويقفز من حولي ثم يدخل البيت ويذهب لينام على ظهره الى جانب الموقد، كان مجبل كلبا من كلاب البحر ذا اهمية كبيرة فإن جنسه كان غريبا وجديدا على العلم، ولم اكن لاكتشفه هناك لو لم تمت كحلاء التي كم تمنيت لها الا تموت".

عاش على مشارف الشمال الاوروبي عدة سنوات مع ماكسويل وقتل هناك بالخطأ، لاحقا ايضا حصل على قضاعة اخرى اسماها "Edal" لكن هذا الاخير مات بالحريق الذي تعرض له بيت ماكسويل عام 1968. المنزل تحول لاحقا الى متحف لماكوسيل بعد وفاة ماكسويل بسرطان الرئة في ايلول عام 1969.

 

 

بيت ماكسويل على شواطيء اسكتلندا

 

اعتزازا بتجربة غافن ماكسويل مع كلب الماء مجبل انتج البريطانيون في عام 1969 فيلما سينمائيا من اخراج "Jack Couffer" باسم "Ring of Bright Water". اضافة الى ذلك انتجت هيئة الاذاعة البريطانية البي بي سي عام 1979 فيلما وثائقيا مميزا عن ماكسويل ورحلته للاهوار ويومايته مع مجبل وبقية الحيوانات التي كانت تعيش في بيت ماكسويل "Gavin Maxwell - Ring of Bright Water & Beyond"، ناهيك عن عشرات المواد الوثائقية عن حياة ماكسويل الغريبة وكل ما يرتبط بها.

عاش ماكسويل 55 عاما فقط لكنه ترك خلفه ارثا ثمينا يتعلق بنتاجاته العلمية كعالم للحيوان مضافا الى ارثه عن مغارمارته في الاهوار برفقة ثيسيغر وتجربته الرائعة والمميزة مع كلب الماء، ان ذاكرتنا المبعثرة تدفعنا بالضرورة الى البحث في خزانات الاخرين من اجل لملمة ذلك التشظي غير المبرر.

مجبل يشاكس

 

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 10250

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات