مهرجان بابل السينمائي الرابع أفلام سينمائية ولكن!!

بابل - كوثر جبارة

 

أقيم في مدينة بابل في الأيام من 8 الى 10 ايار مايو الحالي، مهرجان بابل السينمائي الدولي الرابع في كلية الفنون الجميلة قسم الفنون المسرحية، عرض ضمن فعاليات هذا المهرجان مايقارب 60 عملا سينمائيا موزعا بين أعمال لطلبة فرع السمعية والبصرية، وأفلام سينمائية أخرى، لمخرجين (محترفين) إن صح التعبير.

 

جميع الافلام التي عرضها المهرجان هي أفلام قصيرة والكثرة الغالبة منها هي أفلام روائية، ومع مشاهدتي لجميع الأفلام التي عرضت، ماعدا خمسة منها، كان لي مجموعة من الملاحظات النقدية حول ما رأيت، وبما ان غالبية الافلام التي عرضت كانت من انتاج وصناعة عراقية فستكون الملاحظات تدور حولها، تميز عدد من الأفلام المعروضة ومنها فيلم (أورغانو) 7 دقائق لعلي منذر مع بساطة فكرته إلى انها وصلت الى المشاهد بسهولة ويسر وبامكانات بسيطة والضربة الأقوى في الفيلم كانت اللقطة الأخيرة والإشارة إلى صمت السماء تجاه ما يدور حولها على الأرض فلا منقذ أرضي ولا أحد قادم من السماء، لكن المظلومين بقي لديهم قليل من الأمل في هذا الافق السماوي المفتوح الذي عبر عنه المخرج بالزاوية المنخفضة جدا ونظرة الطفلين الضحية إلى السماء بانتظار الإنقاذ الاتي منها، ولكن هل من مجيب؟؟!! أما فلم (تجريد الله) لكرار موسى 8 دقائق، فأراه موفقا جدا في اختيار الاماكن والبيئة التي تدور فيها أحداث الفلم في المشاهد الخارجية من حيث مشابهتها لبيئة مدينة الموصل، ولاسيما بالمقارنة مع عدد من الافلام الاخرى التي اخفقت في نقل البيئة كما هي في الواقع، وتكمن جرأة الفلم فضلا عن العنوان في اللقطة الاخيرة كذلك مع اللوحة المرسومة بالقلم الرصاص التي رسمتها الطفلة تلك اليد المغلولة المكبلة بالسلسلة والمقفلة بالاقفال، من خلال تسليط النظر على ما تعانيه الاديان السماوية الأخرى في ظل حكم داعش الارهابي وايضا الاشارة إلى قضية جهاد النكاح وسعي اعضاء هذا التنظيم لاخذ حتى الاطفال واخضاعهم الجبري لمفاهيمه الارهابية، ففرض الخمار على الطفلة المسيحية ذات السنوات السبع والتي تعاقب لاحقا بايذاء يدها التي كانت في لقطات سابقة من الفلم سببا في قضاء الوقت عن طريق رسم التخطيطات، ذلك التخطيط الذي لا تكشفه لنا الكاميرا وانما تشحذ فضولنا اكثر لنهاية كانت موفقة وجريئة من وجهة نظري، من خلال شغلها لفكر المتلقي في تلك اليد المغلوله لمن هي؟ وتختلف الاجابات بالتأكيد بين متلق وآخر لكن وبربطها بالعنوان أرى انه التأويل الناتج هو الأكثر منطقية وجرأة.. مع انني قد أختلف مع المخرج الشاب كرار موسى فقط من ناحية اللهجة التي استعملت في اداء الممثل الذي أخذ دور الأب في الفلم، ذلك ان العائلة البطلة ان صح التعبير التي يسرد لنا موسى قصتها في فلمه هي عائلة موصلية مسيحية ومعروف أن اللهجة الموصلية مميزة ولا تشبه أي لهجة عراقية جنوبية –وهو ما تحاورت به شخصيات الفلم.

 

أما فلم (أغمض عينيك جيدا) لعلي البياتي 12 دقيقة، فهو من الافلام الجميلة التي حازت على اعجابي واعجاب الجمهور، فإعادة الحياة من خلال اشياء منتهية الصلاحية وتدوير النفايات إلى آلات موسيقية كانت فكرة متميزة جدا اخرجتنا من عالم الموت والنهايات والقذارة إلى عالم الموسيقى والحياة من خلال تحول الاطفال الذين يبحثون في القمامة عن طريق أحلامهم إلى فرقة موسيقية يصفق وينحني لها الجمهور، وأرى ان المخرج قد وفق كثيرا في رسائله المرمزة التي يستنبطها المشاهد من خلال عدة لقطات واشارات قد تتعدى المعنى الظاهري لحبكة الفلم وانما تشير إلى ماوراء ذلك من خلال التعريض بنظام الحكم الفردي لذي يقف سدا أمام ابسط أحلام الشباب والأطفال، فضلا عن الاشارات الرمزية المخفية إلى السلطة المتحكمة باحلام الناس واملاكهم من خلال شخصية (استاذ حبش) الذي يستولي على المجلات التي عدتها شخصيات الفيلم الطريق الوحيد لتحقيق أحلامها والمفتاح الانسب لانتقالهم إلى حياة زاهرة بعيدا عن دمار الحياة التي تحتويهم. فضلا عن ذلك فاني ارى اختيار العنوان موفقا كذلك فاغمض عينيك جيدا وتمسك بحلمك تصل إليه، لكنني أجد أن من الأفضل لو غاب الصوت الحقيقي لعزف الاطفال على الالات المصنعة من القمامة واكتفى المخرج بالصورة فقط مع خلفية موسيقية تلائم ما يرمي إليه، ولاسيما أن الموسيقا التصويرية والمؤثرات الصوتية المنتخبة للفلم كانت موفقة وناجحة واجدها منسجمة جدا مع الفلم وصوره.

 

ونجد ثيمة التدوير واعادة انتاج الالة الموسيقية من القمامة أيضا في فلم ثان وهو فيلم (الحجاز) لمروة ناظم 4 دقائق لكن بصورة اكثر تكثيفا ومعالجة مختلفة، تشير إلى سلطة الدين على هذه الموسيقا ورفضه لها، حتى ولو كانت افتراضية على (تنكة) قديمة مرمية في القمامه، لكنها تبقى محرمة، ورغم هذا التحريم الذي تمثله سلطة الأب في الفلم، إلا ان الطفل يعيد إحياءها ويستخرجها من عتمة القبر من خلال استخراج الطفل في إحدى اللقطات لآلة الناي – أو مايعبر عنها- من تحت التراب، فاختيار آلة الناي لاغيرها من الالات النفخية أو الوترية انما اجد فيه دلالة واضحة على ارتباط الموسيقا بالحياة ذلك أن هذه الآلة انما تصنع من اجزاء النباتات الحية وتستعمل لاصدار النغمات الشجية الحزينة في الغالب والتي تلائم ما تراكم من حزن في حياة العراقيين على مر السنوات.

 

وبما أننا تطرقنا إلى فيلم من إخراج مخرجة شابة فلابد أن أشير إلى ان المخرجات تميزن في ما قدمن من أعمال في المهرجان، مع قلة عددهن إلا ان البصمة التي قدمنها كانت اهم من ان يمر عليها مرور الكرام، فـ(مروة، ووردة و طيبة وعذراء وابتهال وأرجوان) اريننا مجموعة اعمال متكاملة إلى حد ما ولا تخلو من جماليات اللغة الصورية السينمائية فضلا عن تميز أفكارها. ففيلم (بصمة لابتهال سميسم)، وبدقيقة واحدة فقط ترك بصمة واضحة جدا تكسر أفق توقع المشاهد الذي يبنى في مقدمة المشهد، ولقصر الفلم قد يكون من الصعوبة الكتابة عنه دون أن نكشف جزءا من تفاصيله التي لو بقيت مستورة لحافظت على متعة المشاهدة، لكن وأنت تشاهد الفلم في مشهده الوحيد النهاري الداخلي وهو عقد القران أمام قاضي محكمة الأحوال الشخصية تبني توقعا خاصا بك وكان عندي يدور حول جهل المرأة أو حرمانها من التعليم، ولاسيما بعد إشارتها إلى رفض استعمال القلم بحركة الرأس، وتقديم الحاكم للحبر لاجل بصمة الاصبع، لكن المفاجأة الأكبر تكون هنا إذ ترفض هذه البصمة أيضا وتلجأ البطلة إلى بصمة بطريقة أخرى تقشعر لها الابدان مثبتة الحب المتبادل بين الطرفين الذي كان وصلنا مسبقا من نظرات الزوج المستقبلي إليها وإلى القاضي، وتكمن جمالية الفلم في قصره وكسره لافق توقع متلقيه بهذه السرعة والايجاز.

 

و أرجوان عبد الحميد في فيلمها (أميال وأشرطة) تعالج فكرة الحلم المفقود أو الأمل غير المتحقق، الذي تجد  البطلة تعويضا عنه من خلال البديل الصوتي لذلك الحلم المفقود/ غير المتحقق وتدخلنا االمخرجة إلى أجواء هذا الفقد والانتظار من خلال تبني الكاميرا لوجهة نظر الـ(شيء) المفقود أو الذي تحلم به البطلة وتفتقده وتدور بأعيننا بكادر غير متوازن وزوايا عشوائية إلى أن نفاجأ أيضا في اللقطة الاخيرة إذ يبقى الزمن يتقدم والحال يبقى كما هو عليه.

 

وفي فيلم (نابالم) للمخرجة ورود العزاوي 11 دقيقة، الذي يعالج فاجعة الكرادة الغامضة والفقدان والموت الكبير الذي لف المنطقة، فنرى سردا صوريا يبدي جماليات الحياة الضاجة بالألوان إلى أن تتحول إلى موت وخراب يكتفي فيه اللون الأسود الذي تختفي كل الالوان بحلوله وبسيطرته تنتقل الاجواء الصورية والموسيقية من الفرح والالوان إلى الحزن والاختناق صوتا وصورة.

 

والـ(لكن) الكبيرة التي اطرحها في هذه المادة من خلال متابعتي لمجموعة من الافلام في هذا المهرجان وعدد من المهرجانات الاخرى، ان الكثير من المخرجين ومن قبلهم كتاب السيناريو تدفعهم العواطف أكثر من دراسة الاحوال المحيطة بعملهم وما يدور في أجوائهم التي يعالجوها وبيئاتها، فضلا عن تكرار الموضوعات المعالجة في غالبة الأفلام، فالكثرة الغالبة من الافلام المنتجة في السنتين أو الثلاث الماضية تعالج قضايا فكر وإجرام داعش المتعدد الموضوعات لكن الجانب الوحيد الذي اشارت اليه غالبية الأفلام كان جانب السبي والاغتصاب وفرض الخمار على النساء، ومع أهمية هذا الجانب والفضائع التي حصلت بهذا الخصوص إلا ان جرائم داعش لم تتوقف عن هذا القدر فقط، فهي دمرت الآثار واحرقت المتاحف والمكتبات والاهم هي زرعت أفكارا مسممه في عقول من وقعوا تحت سيطرتها من مناطق في العراق، وهذا ما لم يشر إليه أي فيلم من الافلام التي عرضت إلى حد الآن بحسب علمي، وأيضا هذا الاندفاع والـ(غيرة) على ارض ونساء العراق التي نجدها في أفلام المخرجين الشباب جعلتهم ينسون خصوصة المناطق التي حصلت فيها المآسي تلك، ولاسيما واني في بعض الحوارات الخاصة بيني وبين عدد منهم وجدت انهم لم يزوروا تلك المناطق مسبقا ولم يروها، فلم تتشكل عندهم الصورة الكاملة الصحيحة عن طبيعة بيئة تلك المنطقة ولهجتها، بل وحتى البناء الجسماني وملامح سكانها الفارقة عن ملامح سكان المناطق الاخرى الشمالية والجنوبية، وهذا اجده على سبيل المثال في فيلم (جوان) لعلي الجابري، 30 دقيقة، وفيلم (عروس الشمس) لحليم زهراوي 15 دقيقة فبيئة النخل الكثيف التي تعرضه هذه الافلام لا اجدها متلائمة مع البيئة التي سيطر عليها داعش في المناطق الشمالية في العراق ولاسيما اني قضيت شطرا كبيرا من حياتي فيها فادرك تماما طبيعتها المناخية التي لا تسمح بنمو النخل فيها بهذه الكثافة، وأيضا وقع الفليمان بأخطاء في بناء الشخصية الانثى (المسبية) من خلال ملامحها الخارجية والاكسسوارات التي تعتمدها، ابتداء من (تاتو) الحواجب والعدسات الملونة للعين، وهذه امور تقلل من قناعتنا كمتلقين بهذه الشخصية، والظرف الذي هي فيه الذي لايسمح بهذا النوع من التجمل!! وكان بإمكان المخرج أن يتجاوز هذه القضية بصورة سهلة جدا فقط بالاطلاع على التقارير الاخبارية والبحث عن صور الناجيات من مذابح داعش أو الاتي احتفظ بهن التنظيم والوصول إلى الشكل الاقرب من اشكالهن الحقيقة، وبهذا تكون الشخصية والحالة أكثر اقناعا للمشاهد.

 

وفي فيلم (جوان) أختلف كليا مع رؤية المخرج الذي جعل من الشاب أخو الفتاة المسبية خبازا، فلا أدري ما الذي دفعه لهذا الاختيار؟!، فمعروف أنرمزية الخبز قد مرت بمراحل، الأولى مرحلة إعطاء الخبز للزوار هذا ما نجده في الحضارات القديمة الآرامية والكنعانية، إذ يمثل الخبز لديها أداة ضم الآخر إلى العائلة، فمن تعطيه خبزك فإنك تضمه وتجعله منك، وهذه إشارة خطيرة إن قارنناها بالمعطيات في الفلم هذا، كان هذا الرمز قبل صلب السيد المسيح عليه السلام، أما المرحلة الثانية التي مر بها الخبز فهي مرحلة كونه رمزا لإدامة الحياة والاستمرار بها، وهذا ما يستمد من مقولة السيد المسيح )خُبزنا كَفَافَنا أَعطِنا اليَوم(([1])، هذا الكفاف المتمثل بالخبز الذي يعمل على ديمومة الحياة، أما بعد صلبه فتحول الخبز إلى رمز لجسده فصاروا يسمونه (جسد الرب)؛ أي إن الخبز قطعة من جسده يتناولها المسيحيون كي تحل البركة أجسادهم ذلك أنه صار جسده خبز البشرية ، وروحه الفدية. وهو تفسير أخطر، فلضم الآخر الارهابي إلى العائلة، واطعامه الخبز دلالات لا ينبغي للمخرج أن يوظفها في هذا الموضع، وهذا لا يعني عدم أهمية وجود شخصية الأخ، فالحركة الاخيرة التي يكشفها لنا الفلم تؤكد ضرورة وجود بل وأهميته، وكان بامكان المخرج افتراض صراع مغاير بينه وبينهم، أو افتراض مهنة مختلفة له ليبقيه بسببها على قيد الحياة غير مهنة الخبز!!

 

قد أختلف أيضا مع الجابري في لقطاته الاستعراضية الكبيرة جدا والعامة التي اهتم بها كثيرا ولا اجد لها مبررا أو أهمية، نعم هي عبرت لكبرها واختيارها الزاوية العالية جدا عن احتقار واستصغار عصابات داعش وتحقيرهم، إلا ان تكرارها ادى إلى انتفاء القصدية وتحولها إلى مجرد استعراض للامكانات السينمائية.

 

وقع عدد من الأفلام في أخطاء مونتاجية لاسيما فيما يخص مشاهد الراكورات وبعضها أيضا لم يخدمها الماكياج فجاءت الصورة مضحكة في الوقت الذي من المفترض ان تثير اشمئزاز المتلقي وألمه وفقا للحالة التي يصورها الفلم، ففي فيلم (النقطة الحمراء) لاحمد رحيم، 4 دقائق، مع فرادة الفكرة ومعاصرتها وحيويتها ما يجعلها قابلة لان تصادف اي منا يوميا وفي مختلف وسائل التواصل الاجتماعية، إلا انها افتقدت تأثيرها بسبب ضعف الماكياج الذي وضفه المخرج لاجل اظهار الشخصية بالصورة المراد لها ان تظهر بها أمام المشاهد. وكذلك في فيلم (المبتلى) 3 دقائق لمالك الزهيري الذي يخرج لنا الممثل المختل عقليا بأبهى حلة! وكأنه أكثر من الاطفال الاعتياديين نظافة وترتيبا!! على العكس من فيلم أحمد الفتلاوي (سأضحك طويلا) 6 دقائق، الذي اخرج لنا الرجل المختل بصورة متميزة جدا حتى انك تفاجأ بالممثل الحقيقي والفارق الشاسع الذي ظهر به على الشاشة، ولا عجب لهذا ان يحصل هذا الممثل (كاظم عبد السادة) على جائزة أفضل ممثل عن دوره هذا.

 

([1]) الكتاب المقدس، العهد الجديد، انجيل متي، الفصل: 6، الآية: 11 وانجيل لوقا، الفصل: 11، الآية: 3.

 

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 9408

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات

احجز مساحتك الاعلانية الآن
تصفح موقع DW الألمانية