الهند في دار سينما تتلاشى

(نسخة أصلية) من عروض (مهرجان روتردام السينمائي) بدورته الخامسة والأربعين

روتردام - خالد زهراو

‫ في رحلة الى الهند ضمن برنامج فني يزور الكاتب والسيناريست الألماني جورج هاينسن Georg Heinzen مدينة مومباي ويتجول فيها، في أحد ضواحيها يشاهد مبنى قديما لدار سينما تقدم الأفلام الهندية القديمة للجمهور المحلي الغارق في الفقر.

 

بعد أيام يطلب من ابنه فلوريان هاينسن-زيوب Florian Heinzen-Ziob الالتحاق به لتمضية عطلته، يأخذه في جولة الى مبنى Alfred Talkies وهو دار السينما التي تملكها السيدة (نجمة)، ويقرران العمل على كتابة وإنتاج وإخراج فيلم وثائقي طويل عن هذه الدار التي تَصمد في محاولة للبقاء واقفة في البلد الذي يَنتج الكم الأكبر من أفلام السينما في العالم.

خالد زهراو

خالد زهراو

وتماماً مثل الهند في تنوعها الديني والإثني والطبقي واللغوي هاهي دار السينما تحتوي الجميع، مالكة الدار التي ورثتها عن جدها تنتمي للبراهما (الطبقة الأعلى في المجتمع الهندي) تُشرف على السينما التي يديرها المسلم (حذيفة) ويعمل فيها الهندوسي (سونيل) رساماً مساعداً لرسام الأعلانات الأول المسلم (س.رحمن) والذي يقدمه الفيلم كراوٍ لتاريخ هذه الدار التي عَمل فيها والده من قبله رساماً لإعلانات الأفلام (الأفيشات) التي يتم عرضها وتغييرها أسبوعياً.

 

صباح كل يوم يقوم (حذيفة) بفتح باب الدار الرئيسي ومعه يقوم مشغل ماكنة العرض بالدوران بمبخرة البخور في أرجاء صالة السينما مروراً بالعاملين فيها وغرفة مكائن العرض وكراسي الجلوس والممرات وخزنة المال ومكتب المدير ليطرد عنها الشر وليحميها جميع أرباب الهند من الخسارة والانهيار في وسط منافسة تجارية يعاني منها قطاع صالات السينما في الهند يفسرها (حذيفة) بأن رجال الأعمال يبحثون عن الربح السريع لرؤوس أموالهم فيما عائد دار السينما يتناقص باستمرار وهو لا يكفي أحياناً لدفع رواتب العاملين الذين تفكر بهم مالكة الدار وفي مصيرهم ومصير عوائلهم فيما لو تم إغلاقها وبيعها لمستثمرين عقاريين يريدون تحويلها لمجمع تجاري في منطقة حيوية اقتصادياً، يصل الأمر الى تناقص عدد رواد السينما في أحد المواسم بسبب تزامن عيد (ديوالي) الهندوسيخي مع أيام عاشوراء الاسلامية.

 

01_1.402

 

يبدو أن البخور لا يستطيع حماية الدار من تحالف الآلهة الذي قرر الإطاحة بدار السينما التي يحتمي بسقفها الجميع ويتساوون أمام شاشتها في لحظة التعاطف مع بطلهم الذي ينتصر على الأشرار. لا تخرج كاميرا الـ(RED) التي تم تصوير الفيلم بواسطتها من دار السينما الى الشارع سوى مرات معدودة ، الأولى في المشهد الإستهلالي حين يجلب (أشوك) عامل السينما على دراجته الهوائية عُلب الفيلم الذي سيتم عرضه في إسبوع التصوير هذا، حيث تلاحقه الكاميرا في لقطة مستمرة واحدة، اعتمدها المخرجان غالباً في أسلوب تقديمهما لحكاية الفيلم، ومرة الى الجامع حيث يؤدي (س.رحمن) صلاة الجمعة والجماعة ومرة أخيرة في الاحتفال بعيد (ديوالي)، حين يرقص الناس في الشارع أمام السينما وحولها، وبينهما كانت الكاميرا تلقي نظرة سريعة على الشارع والمارة و سائقي سيارات التاكسي ومدمني المخدرات الذين يلوذون بدار السينماحيث لامكان لهم سواها في هذا العالم.

 

يبني المخرجان فيلمهما الممتع على ثنائية السرد الشفاهي لتاريخ دار السينما الذي يتناوب عليه الجميع (المالكة والمدير والشرطة وعمال الكافيتيريا وبطل الحكاية الرسام س.رحمن)، ومراحل رسم إعلان الفيلم الذي سيتم عرضه في الأسبوع القادم.

 

تقول السيدة (نجمة) وهي تعني ذلك تماماً (حياتنا في الهند تشبه السينما، حين ماتت ابنتي بعمر مبكر بعد زواجها بأشهر كنت أجلس على الأرض وأحضنها حين حضر زوجها للبيت حضنها وبكى بحرقة ،كنت أنظر اليهما وأنا أراقب مشهداً خارجاً من الشاشة، كان الحدث مأساوياً مثل الأفلام) تُزيد (أخاف على دار السينما من الاندثار، جدي منحني هذا الإرث، كلنا نحبه، أين سيذهب كل هؤلاء العاملين هنا معي والذين ولدوا وكبروا معنا في هذا المكان؟؟)، فيما يقوم (سوريا) بتحضير الألوان لطلاء قماش اللوحة الكبيرة التي يعمل عليها أربع رسامون يقودهم (س.رحمن) في أيامه الأخيرة قبل أن يترك المكان (أبي علمني هذه المهنة التي أحببتها منذ الصغر، كان أبي فناناً أما أنا فحرفي رسم) يقول س.رحمن ويضيف: (رسمت جميع صور الممثلين الهنود الكبار، أضع الواني الخاصة على وجوههم، الأشرار لهم لون والطيبون لهم لون، الحبيبات لونهن طبيعي وجميلات وبسببهن ينشئ الصراع في الأفلام)، الألماني جورج هاينسن (المولود في مدينة دسلدورف في العام 1953).

 

01_1.376

 

كتب أكثر من ثمانية عشر عملاً للتلفزيون والمسرح، قبل أن يقدم نفسه كمنتج ومخرج وكاتب لفيلمه الوثائقي الطويل الأول(نسخة أصلية Original Copy) بالإشتراك مع ابنه فلوريان هاينسن-زيوب (المولود عام 1984 في دسلدورف) مخرجاً ومونتيراً للفيلم الذي استغرق تصويره ستة أسابيع متواصلة في مدينة مومباي الهندية مستعيناً بمدير التصوير (Enno Endlicher) الالماني وبأدوات قليلة نسبياً ومصادر ضوء محسوبة بدقة من أجل التغلب على كلفة الأنتاج وبدعم من عدة مؤسسات المانية ليكون جاهزاً للعرض منذ نهاية العام الماضي 2015 وليتم إختياره وعرضه في عدة مهرجانات حول العالم أخرها مهرجان روتردام السينمائي بدورته الخامسة والأربعين، يقول (س.رحمن) شخصية الفيلم المحورية ملخصاً فلسفته (الحياة فيلم لايتوقف، شريط لاينتهي أبداً ومستمر بالدوران، الله يقوم بتحميله وبتغيير الأدوار والشخصيات التي تموت وتأتي غيرها، فيلم الله لاينتهي)، صورة مؤثرة ومؤلمة عن الفقراء الذي لامكان لهم سوى دار السينما التي تعرض لهم أفلاماً قديمة نسبياً وأبطال تعلقوا بهم، وبطلات بأغاني تصدح بالحب والعشق، فقراء، في فيلم الله الذي لاينتهي، يصحبون معهم صغارهم القانعين بمرطبات رخيصة ومشروبات غازية في قاعة يتقاسمونها مع الباحثين عن ساعتين للنوم على المقاعد الحديدية الباردة وسط نحيب نساء حزينات على مصير البطلة التي شاهدن موت حبيبها عشرات المرات في صالة السينما.

 

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 10076

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات