مِحْراثٌ للفيلسوف

 

تحاول الأنثروبولوجيا أن تَفْهم الإنسان في داخل إطاره البيئي/ الثقافي، من خلال البحث في آليات فعله بهذه البيئة وانفعاله بها، والأسباب الواقفة خلف هذا التفاعل. فالإنسان الذي خَلق ثقافته ابتداء من خَلْقِه الوعي واللُّغة، عاد ليكون موضوعاً لخالقية هذه الثقافة، عبر انفعاله بها وتأثره بمتحكماتها. فالثقافة تَخْلُق شخصيَّة الإنسان وتوجه سلوكه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، علماً أن هذا التأثير والتأثُّر مُكَرَّس لإدامة الوجود الإنساني، ما يعني بأن الوعي البشري آليَّة موجودة لتحقيق هذه الغاية، وهذا ما أشرتُ إليه في مقالي السابق (الخرطوم البشري).

 

أما في هذا المقال فأريد أن استكمل هذا الموضوع من خلال توجيه الأنظار إلى أن الوعي انقلب على الغاية التي خُلق من أجلها، وهو بدل أن يعمل على إدامة بقاء الجنس البشري، راح يعمل باتجاه التسريع من عمليَّة انقراضه، سواء عبر ابتكاره أسلحة الدمار الشامل، التي تَفْتك بنا بصورة مباشرة، أو عبر ابتكاره أفكار الدمار الشامل، التي تَفْتك بنا بصورة غير مباشرة. وفي رأيي فإن انحراف الوعي عن الهدف المرسوم له لم يأت لولا أننا في وقت ما من أوقات تاريخنا "التطوري/ الثقافي" منحنا الأفكار والقائمين على صناعتها قدسيَّة زائدة عن الحاجة، إذ المفترض أن صناعة الأفكار لا تختلف كثيراً عن صناعة الطعام فكلاهما آليتان تستهدفان تلبية الحاجات التي تدعم بقاءنا، لكننا منحنا صانع الأفكار، وسواء أكان نبيّاً أو فيلسوفا أو مفكّراً أو شاعراً أو سياسيّا، مكانة تعلوا وتسموا كثيراً على مكانة صانع الطّعام، وسواء أكان فلّاحاً أو طبّاخاً أو حلوانيّاً أو صاحب مصنع تعليب! مع أن حاجتنا إلى الطّعام أكثر من حاجتنا إلى الأفكار، لأننا نعيش من دون أفكار ولا نعيش من دون طعام!

 

إذن وإذا كانت حاجتنا إلى الفلّاح أكثر من حاجتنا إلى المفكّر فلماذا نحترم هذه الأخير أكثر من الأول بكثير؟ سيقول قائل بأن مُنْتِج الأفكار ساعد كثيراً على رخاء البشر وتطورهم ماديّاً ومعنويّاً، ولولاه لبقينا إلى الآن داخل الكهوف، لكن هذه سيكون صحيحاً ما بَقيَت مُخرجات الفكر تصب في صالح بقاء الجنس البشري وحمايته، أما إذا أدَّت إلى عكس ذلك فعلينا أن نُعيد النظر بعمليَّة التمييز في الاهتمام بين المفكّر والراعي أو الفلّاح، ليس بهدف إعلاء شأن الفلاح، أو الحطِّ من شأن المفكّر، بل بهدف وضع كل منهما في مرتبته الحقيقيَّة، وهي مرتبة أن كلا منهما مُسَخَّر لخدمة بقائنا؛ أي أن المُفكِّر مفيد ومُهمٌ لكن بنفس مقدار فائدة وأهميَّة غيره ممن يخدمون بقائنا.

 

لماذا نعتقد بأن لا فضل للفلّاح ـ أو الحدّاد أو البنّاء أو أو الخ ـ علينا، من منطلق أنه يأخذ اجوراً لقاء خدماته، ولا نعتقد نفس الاعتقاد مع المفكر مع أنه يأخذ اجوراً لقاء خدماته بالضبط كالفلّاح؟! لماذا نُبَجِّل صانع الأفكار ونُقدِّسه ونلتفّ حوله ونكرِّر مقولاته ونتقاتل في الدفاع عنها ونصنع لها معابد وزقورات ومزارات؟ لماذا نمتنع عن تناول الطعام السيئ أو المُميت ونحاسب مُنْتِجه، ولا نمتنع عن تناول الأفكار السيئة أو المُميتة ولا نحاسب منتجها؟

 

عندما يأتي يوم على المجتمع البشري يتعامل فيه مع صانع الأفكار باعتباره اجيراً فقط، فلن يعود هناك مجال لتغوّل أفكاره علينا، ولا لتحوله إلى رمز مقدس أو كيان متعال على النقد أو الشك أو الحساب، وإلى ذلك الحين ستبقى أفكار الدمار الشامل تهدّدنا بالفناء ومع ذلك نقدس منتجيها ونتعامل معهم بكل خشوع ورهبة.

 

سعدون محسن ضمد

اسم الكاتب: سعدون محسن ضمد

عدد المواضيع المنشورة: 28

نبذة عن الكاتب: كاتب وروائي وإعلامي عراقي يكتب في المجلات والصحف العرقية منذ ٢٠٠١. صدر له: روايتان: (حكاية الثلاث كلمات الساحرات) و(مدونات الصمير أنا). صدر له كتابان: (أوثان القديسين، جدل الحضارة والوعي والوجود) و(هتك الأسرار، تحولات فكرية في العلاقة بين الدين والمقدس). عضو مؤسس في منظمة مدارك للأبحاث والدراسات، وهي منظمة غير ربحية تنشط في مجال الفكر والشفافية والدفاع عن الحريات.

التعليقات

عدد التعليقات