هكذا يهتمون بالتعليم في الدول المتقدمة!

بغداد - العالم الجديد

بعد ان حققت الدول الغربية المتقدمة الحرية ومبدأ العدالة في مجتمعاتها، اولت قطاع التعليم اهتماما كبيرا ورصدت له الميزانيات الضخمة والامكانيات الهائلة لانها تدرك ان الانجازات التي حققتها في هذين المجالين لايمكن الحفاظ عليها بدون ان يكون هناك شعب متعلم. يقول جيمس هارفرد من، "يأتي التعليم من حيث الاهمية بعد الحرية والعدالة وبدونه لايمكن الحفاظ عليهما".

 

في امريكا عندما تدخل الى احد الصفوف في مرحلة الدراسة الابتدائية، تواجهك لوحة مكتوب عليها قسم الولاء للعلم الامريكي الذي يقرأه الطلاب كل صباح من اجل تنمية الحس الوطني لديهم والمحافظة عليه. ويبدأ القسم هكذا "أعلن الولاء للعلم وللجمهورية التي يرمز لها، امة غير قابلة للتجزئة.. تضمن الحرية والعدالة للجميع" وعندما تستدير الى الجانب الاخرمن الصف تلاحظ الجدران قد امتلأت بالصور واللوحات الكارتونية الملونة التي تحتوي على التوجيهات والارشادات التي تؤكد معظمها على الالتزام داخل الصف والاحترام ومنها تقول "كن محترما.. كن مسؤولا.. كن قائدأ واخرى كن صادقا، احترم معلمك، احترم مجتمعك.

 

من هنا يمكن ان نلاحظ ان الضوابط التي تحكم سلوكية الفرد في المجتمع، توضع اسسها في المدرسة، وعملية بناء وتنمية الحس الوطني لدى الطفل والشعور بالمسؤولية تبدأ من المدرسة ايضا. نقل لي صديق زار احد الصفوف في مرحلة الثالث الابتدائي مادار في الحصة اذ يقول وجدت المعلمة قد كتبت على السبورة، وهي لوحة كبيرة بيضاء، العبارة الشهيرة للدكتور مارتن لوثر كنك "لدي حلم" التي استخدمها في خطابه عندما قاد تظاهرة كبيرة في واشنطن مطالبا فيها بانهاء سياسة الفصل العنضري التي كانت سائدة في الولايات المتحدة وقتذاك. ورسمت ثلاثة اعمدة مكتوب على احدها السؤال التالي: ما الذي تحلم بتحقيقه لنفسك في المستقبل ، والعمود الاخر ما الذي تحلم بتحقيقه لمجتمعك، أما العمود الثالث فقد كتب عليه: ما الذي تحلم بتحقيقه للعالم فجاء رد عدد من التلاميذ الصغار متباينا كالاتي: الاول ان اكون طبيبا وان حلمي ان يكون كل فرد من افراد المجتمع محترما وبالنسبة للعالم ان يتوفر الغذاء لكل انسان. اما اجابة الطفل الثاني فكان حلمه ان يكون داعية سلام ويحلم ان يرى كل فرد من افراد المجتمع لديه شعور بالمسؤولية، اما على المستوى العالم فانه يحلم ان يرى كل انسان فيه يحصل على الملبس المناسب. اما التلميذ الثالث فانه يحلم ان يكون عالما وان يرى كل فرد من افراد المجتمع يعمل لصالح الاخرين ويهتم بهم، اما على مستوى العالم فانه يحلم بتوفير المال لكل انسان محتاج حتى تتوقف الجريمة، وهناك من تمنى ان يكون عالما مشهورا لكي يساعد العالم وان يرى كل فرد من افراد المجتمع معافى وتمنى ان يعم الامن في العالم ومنهم من تمنى ان ينتهي الفقر في العالم والاخر تمنى ان يتوفر الماء الصالح للشرب للبشرية جمعاء.

 

انظر كيف يفكر الطالب في هذه المرحلة من الدراسة الابتدائية. ان هذا المستوى من التفكير الانساني البناء لم يأتي من فراغ، بل جاء نتيجة جهود مشتركة من الاسرة والمدرسة والمجتمع الذي يشجع ويدفع باتجاه التعاون وروح المساعدة وضرورة بناء الطفل فكريا واهمية ان يضع نصب عينيه ، منذ الصغر، مستقبله الشخصي، فضلا عن التفكير بخدمة المجتمع الذي ينشأ فيه ثم العالم اجمع. هذا بالاضافة الى تشجيع الطفل بالاعتماد على نفسه وتنفيذ تعليمات المعلم بدون جدال، والتأكيد على ممارسة بعض السلوكيات التي تعتبر جزأ من ثقافة المجتمع ومنها ضرورة شكر كل من يبدي لك مساعدة بغض النظر عن حجمها سواء كانت صغيرة ام كبيرة وضرورة الاعتذار عن الخطأ مهما كان حجمه، وعلى الاخر ان يتفهم الموقف ويقبل الاعتذار. الاعتذار الذي نراه في ثقافتنا السائدة، نوعا من التنازل الذي يضر بكرامة الانسان الامر الذي يؤدي الى تراكم الاحقاد وتأصلها في نفوس الناس لاسباب قد تكون تافهة احيانا، بسبب غياب ثقافة التسامح التي تؤكد عليها كل الشرائع السماوية ومنها الدين الاسلامي الحنيف.

 

ومن جانب اخر، فان الدول المتقدمة حرصت على توفير كل الوسائل الممكنة للتعليم من اجل خلق جو دراسي مناسب يُمَكن الطالب من استيعاب الدروس، فعندما تدخل الى الصف تجده مكيفا، اذ لا يقع نظرك على شباك مكسور يمرر البرد في الشتاء، او الحرارة في الصيف ولن تجد رَحْلَة مكسورة يتقاسمها ثلاثة طلاب او اكثر ولن تلاحظ صفا مكتظا بالطلاب، لاتزيد مساحته عن 20 مترا مربعا، قد تجاوز عدد الطلاب فيه الاربعين طالبا، الامر الذي قد يؤدي الى انخفاض نسبة الاوكسجين فيه. ولن تجد مدير مدرسة يصدع رؤوس اهالي الطلاب لجمع التبرعات لاصلاح زجاج المدرسة المكسور بسبب الاهمال وغياب الضوابط، ولا تجرأ معلمة او معلم على مطالبة التلاميذ بوجوب جلب الهدايا بمناسبة عيد المعلم، الامر الذي يسبب الحرج لاباء الطلاب من ذوي الدخل المحدود ويضعهم في مواقف صعبة امام ابنائهم. يقول الفيلسوف ديوجين ان اساس اي دولة هو تعليم الشباب فيها وهذا ما اكده الكثير من المفكرين والمختصين في مجال التربية والتعليم.

 

لقد توالى على وزارة التربية عدد من الوزراء السنة والشيعة بسبب المحاصصة السياسية والطائفية، وقد فشل اغلبهم في اداء عملهم اذ لم يحدثوا تغييرا ملموسا في عمل الوزارة في مجال تطوير قطاع التعليم بكل مراحله لافتقار معظمهم للخبرة والمعرفة الضرورية بالعملية التربوية، ولجهلهم باهمية التعليم وخطورة اهماله في مرحلة التحول التي يشهدها البلد، واكتفوا بالاهتمام بمصالحهم الشخصية ومصالح كتلهم الحزبية وتنفيذ اجنداتها التي انعكست سلبا على واقع التعليم بكل مراحله. نسوا مصلحة الطالب التي ينبغي ان تصب في مصلحة المجتمع، بعد تأهله ليكون عنصرا فاعلا يشارك في خدمته وبناء وطنه. خُصصت ملايين الدولارات من اجل بناء المدارس، لكنها تبخرت بسبب الفساد الاداري المستشري في كل دوائر الدولة. لقد صُرِفت على مشاريع وهمية رُسِمت على الورق فقط، ليبقى عددا كبيرا من طلاب المحافظات يفترشون الارض في مدارس طينية لا توجد مثلها الا في الدول الافريقية الاكثر فقرا في العالم. ان معظم قادة الدول والمسؤولين يدركون اهمية التعليم والمعرفة بالنسبة للشعوب التي تعمل على مواكبة التطوروالتقدم في مجالات الحياة المختلفة.

 

يقول نلسن مانديلا ان التعليم اقوى سلاح يمكن استخدامه لتغيير العالم. الا ان هذه الحقيقة يبدو ان كبار المسؤولين في الدولة العراقية لا يدركونها، حيث لم اشاهد احدا من قادة الكتل والاحزاب التي تدير العملية السياسية قد تحدث عن اهمية التعليم وضرورة الاهتمام به من اجل خلق جيل متعلم وواعي يساهم في بناء الوطن وتقدمه. ويدعو الى تضافر الجهود من اجل ايصال البلد الى المكانة التي تليق به بين دول العالم الاخرى التي حرقت مراحل كبيرة لتصل الى ماوصلت اليه من تقدم بسسب اهتمامها بالعلم والعلماء والمثقفين. فألمانيا الاتحادية مثلا من البلدان التي تفتقر الى الموارد الطبيعية، الا ان القوى العاملة فيها والتي تتمتع بدرجة عالية من التعليم ، تشكل الثروة الاقتصادية الاهم بالنسبة لها وهذا ناتج عن اهتمام الدولة بالتعليم والتدريب المهني الذي يتمتع باهتمام عال فيها، حيث كرست له الدعم المالي والاداري. لقد لعبت القوى العاملة المتعلمة دورا كبيرا في قطاع الصناعة لتساهم في جعل المانيا، حسب احصائيات صندوق النقد الدولي لعام 2015، خامس اغنى دولة في العالم برصيد يصل الى 3,842 ترليون دولار.

 

يقول هربرت سبنسر ان الغاية الاهم من التعليم ليس المعرفة فحسب بل العمل وهذا ماينطبق على المانيا وغيرها من الدول المتقدمة الكبرى.

عبدالجبار جعفر

اسم الكاتب: عبدالجبار جعفر

عدد المواضيع المنشورة: 17

نبذة عن الكاتب: كاتب ومحلل سياسي - حاصل على ماجستير في العلاقات الستراتيجية من الجامعة الامريكية - واشنطن. مؤسس ومدير تنفيذي لمنظمة أصوات من أجل العراق.

التعليقات

عدد التعليقات