حول الفرق بين القراءة الموضوعية للحدث والتشنيع على رموز الثقافة العراقية التقدمية!

هل أيَّدَ هادي العلوي اجتياح الكويت؟

علاء اللامي

 

أصبحت ذكرى 2 آب، من كل سنة مناسبة ينبري فيها نفر تخصص في الإساءة لرموز الثقافة الوطنية العراقية، وللثقافة العراقية ككل، عبر تكرار ممل لاتهاماته المبتذلة والمشبوهة والمقتطعة من سياقها التاريخي لأولئك الرموز بأنهم أيدوا اجتياح نظام صدام حسين للكويت آنذاك. بعض كتبة الفيسبوك هؤلاء تخصصوا بالإساءة للحضارة العربية الإسلامية ورموزها يوميا، وهم يكررون معايراتهم الساذجة ونظرياتهم السطحية والعدمية في هذه الذكرى بحماس مريب، فيكررون تهجماتهم ضد الباحث الراحل هادي العلوي والشاعر المريض الذي اعتزل الشأن العام منذ عدة أعوام مظفر النواب والشاعر سعدي يوسف وأسماء أخرى اتهم أحد كتاب الفيسبوك بعضهم صراحة بأنهم عملاء لمخابرات نظام البعث العراقي في حين لم يفند هو نفسه اتهامات خصومه له بأنه عاش سنين طويلة عميلاً للمخابرات العسكرية السورية ولرئيسها علي دوبا.

 

لقد دأب هذا الشخص وسواه على تجديد شتائمهم سنويا ضد الثقافة العراقية الوطنية ورموزها المعروفين، معتبرين أنهم (سبوا العنب) واعتدوا على (قدس الأقداس النفطي العائد للغرب والإمبريالية الأميركية)، لأنهم لم يرفضوا اجتياح الإمارة من قبل قوات النظام، أو لأنهم أيدوا ما حدث من باب تأييد وتأكيد الحقوق التاريخية والجغرافية للعراق، وهي حقوق لا ينكرها مؤرخون محترفون مستقلون كثيرون من باب التوثيق ومن باب أن وقائع التاريخ باقية رغم أنوف البشر وباستقلال تام عن نواياهم وأعمالهم ولهذا وجب الرد عليهم هنا وسيتكرر نشر هذا الرد في كل مناسبة يلجأون فيها لتكرار حماقاتهم.

 

وقد سألني عدد من الأصدقاء الأعزاء عن حقيقة موقف رفيقي وأستاذي الراحل هادي العلوي من هذا الموضوع السؤال التالي (هل أيد الأستاذ العلوي فعلا اجتياح الكويت من قبل نظام صدام؟) فأجبت على سؤالهم بصراحة تليق بذوي المواقف الشجاعة والنقدية وتنأى عن التلفيق التبرؤ من مواقفهم وكتبت لهم الآتي: (نعم، أيده وبقوة، وكذلك فعلت أنا، فقد أيدتُ ما حدث من حيث المبدأ.. ولكننا تحفظنا على قيادة شخص ونظام صدام حسين في هذه العملية، وذكر العلوي في إحدى مداخلاته الصحافية أنه ينظر الى دور صدام حسين في ما حدث من منظور الحديث المنسوب للنبي والذي يقول (إنما يظهر الله الدين أو الحق بالرجل الفاجر)، فصدام رجل فاجر، ولكنه كان وسيلة لإظهار حق العراق التاريخي والجغرافي في الكويت.. وبعد عدة سنوات من الحدث وبعد احتلال العراق وإقامة نظام الحكم الطائفي الذي يدافع عنه هذا الشتّام وأمثاله، عدلت موقفي واعتبرت أن الثمن الذي دفعه العراق كان فادحا، وأن من الخطأ الدخول في مغامرة كهذه مستقبلا، دون أن يعني هذا التعديل لموقفي تخطئة أو نفي الوقائع المسجلة حول العائدية التاريخية وتفاصيل العلاقات بين الكويت والعراق، فهذا ليس من حقي وليس بإمكاني فعله حتى لو أردت لأن حقائق التاريخ والجغرافيا كما قلت تبقى حقائق رغم أنوف البشر، و قبل عدة سنوات كتبت مقالة دعوت فيها الى مصالحة عميقة وشجاعة بين الشعبين الشقيقين الكويتي والعراقي، وقد سرني كثيرا أن بعض الأصدقاء الكويتيين استقبل دعوتي بانفتاح وإيجابية، فيما أكد بعض كتبة الفيسبوك العراقيين أنهم أكثر ملكية من الملك!).

 

وبهدف فضح الطابع المنافق واللاتاريخي لمحاولات التشنيع أو التشويش على مواقف بعض المثقفين الوطنيين العراقيين وكشف زيف المنطق الذي يستبطنه هذا النوع من المحاكمات الثقافية السطحية المجتزأة سأطرح الأسئلة التالية فليجرب هؤلاء الشتامون الإجابة عليها:

 

هل كفَّ هؤلاء الذين لم يرفضوا اجتياح الكويت، أو أنهم أيدوه من باب تأكيد وقائع تؤكد حقوق العراق القديمة، هل كفوا أو توقفوا عن معارضتهم لنظام صدام والتحقوا به وبنظامه وإعلام نظامه كما التحق عدد من مثقفي الجانب الاخر بالإعلام الكويتي والأميركي والبريطاني وعملوا فيها بأجور معلنه، بل وخرجوا في تظاهرات حين لم يقبض بعضهم "فالح عبد الجبار وجماعته مثلا" أجور استخدامه في جريدة "صوت الكويت" مطالبين بمساواتهم بحيوانات حديقة الحيوان اللندنية التي تبرع لها أمير الكويت جابر الأحمد الصباح  بمبلغ طائل/ حادثة حقيقية رواها الصديق الكاتب نصير المهدي؟ أم انهم استمروا في معارضتهم ومواقفهم النقدية ضد نظام صدام حتى خلال تلك الفترة وبقيَّ هادي العلوي يستكثر إطلاق صفة "دكتاتور" على صدام حسين ويصفه بالبلطجي (استخدم العلوي ذات مرة كلمة "BOSS" الإنكليزية والتي تعني ضمن ما تعني رئيس عصابة، لوصف صدام حسين في حوار له مع مجموعة من الشيوعيين الإيطاليين في روما رافضاً وصفه بالدكتاتور)!

 

لماذا يهاجم هؤلاء الكتبة العلوي والنواب ويوسف بتهمة محاباة نظام صدام الباطلة ويسكتون على البارزاني والطالباني اللذين زارا صدام حسين في قصره الجمهوري وقبلاه على وجنتيه قبل أن تجف دماء ضحايا انتفاضة ربيع 1991؟ لماذا لم يقل هذا الكويتب الفيسبوكي شيئا عنهما، بل هو يعيش اليوم تحت حماية وفي كنف أحدهما اليوم؟

 

هل يصح اعتبار الثقافة العراقية كُلاً واحداً منسجماً نوعياً ليجري اعتبارها "ثقافتنا الفاسدة" لأن ثلاثة من رموزها اتخذوا موقفا منسجما مع التاريخ متحفظا على الدكتاتور ونظامه، أم أن هناك في كل ثقافة خاصة ببلد معين ثقافيتين متقابلتين ومتعارضتين كما تؤكد علوم اجتماع الثقافات؟

 

كيف السبيل للوصول الى حكم معياري وقيمي على شأن مُختلَف عليه في العمق ولا يحتمل حكماً قيمياً من هذا النوع أصلا، وما علاقة السياق الجمالي الثقافي بالسياق الاجتماسي العسكري وأحداثه المختلَف عليها؟

 

أ ليس من الصحيح اعتبار تكرار التشنيع على رموز الثقافة الوطنية والتقدمية العراقية في هذه الذكرى، وبهذه الطريقة، عملا مريبا ومأجورا القصد منه تبرير وتأييد كل ما حدث للعراق وشعبه بعد آب 1990، واستمر طوال عدة عقود من الحصار انتهت باحتلاله وإقامة نظام رجعي طائفي تابع للولايات المتحدة؟

 

وأخيرا، ومن المنظور الأخلاقي، هل يُعْتَبَرُ الفريقُ "المثقفُ" الذي وقف مع الغرب في حصاره على العراق ومع حرب الاحتلال وإقامة حكم رجعي طائفي كعقاب للعراق وشعبه فريقا ذا موقف وشخصية سليمة أخلاقيا في حين يعتبر من عارض النظام ولكنه رفض إدانة محاولته تلك أو أيدها من منطلق التحفظ على النظام وتأييد الحقوق التاريخية للبلد فريقا ذا موقف غير سليم أخلاقيا؟

 

خلاصة القول هي أن العلوي أو سواه ممن ذكرت أسماؤهم ليسوا فوق النقد، ولكن التشنيع والتسفيه شيء والنقد الموضوعي شيء آخر، وأنا هنا اتصدى لتشنيع الطرف الآخر ولم أستثني حتى نفسي من النقد لموقفي من الحدث، وقد وحاولت توضيح الأمر. أما اتهام العلوي وغيره بالطوباوية واعتبار الطواباوية صفة سلبية فهو جهل بماهية ومعنى هذه المفردة التي كانت تعني في ما تعني الرؤية الفلسفية الجديدة الهادفة لتغيير العام في بدئها.

 

في كتابه الحاسم "الأيديولوجيا واليوتوبيا" يوضح الباحث كارل مانهايم مسألة في غاية الأهمية للتفريق بين الموضوعين: كانت الاقطاعية الأوروبية تتبنى الفكر الكنسي المحافظ لتبرير وجودها وحركتها، وحين تصدت لها الطبقة البرجوازية الصاعدة، وصف مفكرو الإقطاعية المحافظون مفكري البرجوازية بالطوباويين وفكرهم بالفكر الطوباوي. وحين انتصرت البرجوازية وهيمنت على المجتمع أصبحت تتبنى نوعا من الأيديولوجيا المحافظة والتبريرية وتصف الطبقة الجديدة التي أصبحت في مواجهة "طبقة العمال الصناعيين البروليتاريا" بأنها طبقة طوباوية وفكرها الاشتراكي بأنه فكر طوباوي. يخلص مانهايم الى الخلاصة التالية (إن الأفكار السياسية، أكانت محافظة أو طوبايات، تعبر عن مصالح فئوية، فهي إذن مطابقة لأغراضها. إنها متكافئة بالنسبة للملاحظ، كل واحدة منها تؤثر بشكل أو بآخر في سير التاريخ وتطور المجتمع. وهكذا نصل إلى النسبية الخلقية والمنطقية. قلنا إن الاجتماعيات الألمانية قبلت هذه النتيجة إلا أن مانهايم الذي كان ذا نزعة ديموقراطية، لم يقبلها وحاول التملص منها وهنا نصل الى مذهبه الخاص الذي عرف باسم "المنظورية"، لكي لا ينعت بالنسبية. ص 47/ مفهوم الأيديولوجيا – عبد الله العروي). وهذا موضوع آخر. وأخيرا بخصوص دوغمائية المناضلين الراديكلين التي تعتبرها أخطر على الوطن والبشرية فهي تبقى أهون بحسابات التاريخ وبسبب اختلاف مستوياتها من حيث الفعالية والنوع من خيانة المثقف المستعد لبيع ضميره وقلمه ووجدانه لمن يملكون القوة والمال والسلطة في محميات الخليج العربي.

 

 

*كاتب عراقي

 

رابط يحيل إلى مقالتي عن العلاقات بين العراق والكويت:

 

http://www.al-akhbar.com/node/186209

 

 

 

 

 

فريق التحرير

اسم الكاتب: فريق التحرير

عدد المواضيع المنشورة: 10276

نبذة عن الكاتب: صحفيون متحررون من التحيز الحزبي والطائفي والنفوذ، نطمح أن تكون "العالم الجديد" مصدرا موثوقا للأخبار المحلية، تعتمده وكالات الأنباء العربية و العالمية، ومرجعا مهنيا للمؤسسات الاعلامية المستقلة، وأكاديميات الاعلام، في العراق وخارجه.

التعليقات

عدد التعليقات