صلح توم وجيري

 

المصالحة الوطنية مصطلح فضفاض شاع استخدامه بين الفينة والفينة من قبل ربابنة سفينة العراق, هو كورقة الجوكر, يطرحه المقامر المحترف كلما اقتضت ضرورة اللعب, سفينة العراق الغارقة بسبب كثرة ربابنتها لا أمل في نجاتها من الغرق المحتوم طالما أن دفة القيادة تقودها المحاصصة وطالما أن الخصام قائم منذ اليوم الأول للاحتلال الأمريكي للعراق.

 

ما يثير الاستغراب ويجعل علامات الاستفهام تتزاحم فيما بينها في أدمغتنا هو أن من يتحدث عن المصالحة الوطنية ويطرح فكرة التصالح هو نفسه الذي يخرق اتفاقه في كل لحظة, اليوم يصافح خصمه ويطبل ويزمر للحدث ويحتل الصدارة في أخبار الفضائيات للترويج لمشروعه ثم ما يفتأ أن يتراجع وينقض اتفاقه قبل أن يدخل ذلك الاتفاق حيز التنفيذ.

 

كل الشخصيات التي تتحدث عن مصالحة وطنية هي في الأصل في خصام دائم مع شعبها وكان الأجدر بها أن تتصالح مع شعبها قبل أن تتصالح مع بعضها ثم تعود لتتخاصم؟ شعب لم يرض بما يجري منذ عقد ونصف وأعتاد منذ عامين على الخروج ليعلن بصراحة عن خصامه وسخطه وخلافه مع من يحكمه دون أن يفكر من يحكمه ولو لمرة واحدة بمصالحة هذا الشعب بل زاد من هوة ذلك الخصام أن نكل وسجن وضرب من خرج بالنار.

 

الحاكم قد أغلق أذنيه , وكما يقال ((أذن من طين وأذن من عجين)) , لا يرغب أن يسمع إلا الصوت الذي يدور في رأسه, يتجاهل كل الأصوات التي تتحدث اليه , لم يكن أصما فحسب بل وصل به الحال للعمى, فهو لا يسمع ولا يرى ولكنه مازال يغني ويطرب وحده لغنائه, ولكن أي غناء؟ غناء الهواة عند الاستحمام, نشاز لا يطرب إلا أذني من يغني.

 

المصالحة التي يدعون لها تذكرني دائما ببطلي سلسلة أفلام الكارتون الأشهر في القرن العشرين ((توم وجيري)), توم وجيري في خصام دائم, يكيدان لبعضهما البعض, نادرا ما يتصالحا وإن تصالحا فلا بد أن تكون هناك مصلحة مؤقتة ثم لم يلبثا أن يتخاصما مرة أخرى , كلاهما لا يتضرر بما يجري من شغب ومكائد تصل حد التدمير لكل محتويات المنزل, وهو نفس الحال حين يتخاصم طرف سياسي مع طرف آخر أو تيار ديني مع أخر, الشعب هو المتضرر الوحيد والدمار الحاصل يدفع ثمنه من دمه ومن المال العام حتى أصبح لكل عراقي عزاء وأصبحت خزينة الدولة خاوية لا دينار فيها.

 

شخصيات في واقعنا لا تختلف عن القط الانتهازي توم والفأر الخبيث جيري,هذا يتربص بذاك وذاك يتربص بهذا, هذا يكيد له بكل تفنن وعبقرية وذاك يفكر في الرد, لا تهمهما نتيجة ما يحدث, فهما في مأمن مما يجري والكلب سبايك يراقب عن كثب, تارة يحمي توم ويصاحبه وتارة يقلب عليه ليحمي جيري ويصادقه, المهم أن يحظى بعظمته بعيدا عن إزعاجهما.

 

رغم أن توم ليس سنيا وجيري ليس شيعيا وأن والت ديزني لم يكن طائفيا ولم يكن عربيا ولا كرديا, لكن المشتركات بين هؤلاء وبين توم وجيري كثيرة وأهمها أن سيناريو المصالحة هو نفسه, فالصلح لن يدوم طويلا مهما طبلوا وزمروا له, فصلحهم كصلح توم وجيري, فجأة يتصافحان ويجلسان على مائدة واحدة ويمسد كل منهما شعر الآخر, لكنهما سرعان ما يتخاصمان, فتوم انتهازي قذر ولن يحفظ عهده مع جيري, وجيري خبيث أفَّاق لا يتوانى عن الكيد لتوم وسيختلفان على تقسيم الكعكة ثم يتقاتلان ويدمران منزلهما ثم يعودان ويبحثان عن صلح جديد, أما الكلب سبايك فهو المستفيد الوحيد.

 

 

 

د. فراس مصطفى

اسم الكاتب: د. فراس مصطفى

عدد المواضيع المنشورة: 15

نبذة عن الكاتب: دبلوماسي سابق وأكاديمي عراقي مقيم في باريس

التعليقات

عدد التعليقات

احجز مساحتك الاعلانية الآن
تصفح موقع DW الألمانية