Home > رأي > صراع العمة والكنة

صراع العمة والكنة


26-01-2014, 23:31. Author: العالم الجديد

هناك استحالة دينية على دخول إبليس الجنة، إلا أن له بصيص أمل أخير بدخولها؛ في حالة رضت العمة عن الكنة! ويبدو أن حظه السيئ لم يتغير كثيرا هذه المرة أيضا، فمتى وأين تراضت الاثنتان؟ حتى يدخل إبليس الجنة، ويبدو أن دهاء إبليس قد عجز طوال القرون عن إقناع الطرفين بالتراضي وشاب رأسه منهما قهرا عسى أن يحقق بمصالحتهما أمل الدخول للجنة! وكما يقول المثل العراقي (لو رضت العمة عن اﻠﭽنة.. ﭽان إبليس دخل الجنة) وهذه الاستحالة وإن كانت بصيغة مبالغة إلا أنها تعكس حقيقة الصراع النفسي بينهما بحيث صارت مثالا يُضرب به؟ لان الأمثال أبلغ ما يُعبر عن الوقائع الاجتماعية بأسلوب مكثف وسهل الحفظ والتداول من فرد إلى فرد ومن جيل إلى جيل ما دام يعبر عن وقائع متشابهة.

ومن هنا أدخل إلى أشد مشاكلنا الاجتماعية المسكوت عنها؛ الصراع بين الأم وزوجة الابن، وقد دهشت كثيرا حين لم أجد كتابا واحدا يسلط الضوء على هذه الظاهرة بالرغم من أن كل شخص منا تقريبا عاش مشاكل العمة والكنة أو سمعها من أخ أو صديق أو جار؟ هذه الثنائية (العمّة والكنّة) واستحالة التراضي بين الأم التي تريد أن تحتفظ بحب وطاعة ابنها لها بعد أن ربته سنين طويلة، محاولة التحكم بابنها كطفل وبزوجته كخادمة لهما في المنزل، والزوجة التي بالعكس تريد أن تستحوذ على زوجها لوحدها يطيعها ويحبها ويدافع عنها ضد أمه ويدللها كأبيها، محاولة عزله عن أهله بالمال والمأكل والمنزل والتقرب به لأهلها وتزويج أبنائها مستقبلا من أقاربها، والرجل هنا هو الهدف المشترك لكلا الطرفين المتصادمين أو الطرف الثالث بمثلث المشكلة (الأم، الابن، الزوجة) يكون له دور في تحديد مسار الصراع وقوته بانحيازه لطرف ما أو الحياد والعدالة في التعامل مع الاثنين، وحسب طبيعة شخصيته ضعيفة أو قوية ذات خبرة أو عديم الخبرة، وِكلا المتصارعين ينتهج أسلوب النق المتكرر، واللوم المستمر، والتحريض والكذب والمبالغة في التهم والروايات للتأثير بالرجل ضد خصمه.

وطبعا هناك أسباب خارجية أخرى تتعدى الأسباب النفسية للعمة والكنة، كتصميم المنزل وحجمه الصغير الذي يجعل الاحتكاك كثيرا بينهما، أو عدد أفراد الأسرة الكثير الذي يسبب مشاكل أيضا، أو أن تكون حالة الابن الاقتصادية متدهورة ما يجعله يعيش على نفقات أهله فيضعف موقفه إزاء مشاكل زوجته وأمه، كل هذه الأسباب لها دور في المشكلة لكني حصرت الموضوع فقط بالصراع النفسي بين الأم والزوجة، لأني عشت شخصيا هذه المشاكل واستوقفتني كثيرا الظاهرة بعدما كنت أظن أن المسألة تحتاج إلى حل عقلاني عادل بين الطرفين بعد معرفة أسباب أي مشكلة، إلا أني دهشت حين اكتشفت سذاجة هذا التصور. فكل الحلول التي طرحتها ومبادرات التراضي التي جمعتهما لم تصالح الطرفين أبدا، واغلب المشاكل كانت مبنية على سوء نية أو سوء ظن! أو شك! أو نميمة من شخص آخر! بدون وجود أي دليل إدانة! أو بسبب خطأ بسيط لا يستحق مشكلة وسهل الحل! أو كلام تلميح فقط! والمثل العراقي يعّبر عن ذلك (أحاﭼﯾﭻ يا بنتي واسمعيني يا ﭽنتي). في حين أن التهم خطيرة كالاتهام بالسحر والفتنة والخيانة الزوجية والنفاق والكذب! فالمسألة ابعد بكثير من تهم وأدلة بين الاثنتين وموقف عادل من الرجل لحلها، إنها ليست بين جانٍ وضحية بل بين جانٍ وجانٍ والرجل هو الضحية. إنه في الحقيقة صراع نفسي بشكل اتهامات وحجج وتبريرات كلها تخفي حسد وغيرة وحب تملك بينهما، وأي محاولة للتصالح لن تجدي نفعا إلا حلول مؤقتة أو مجاملة فقط لتعود المشاكل من جديد وهكذا تبقى تدور الأحقاد، والنتيجة إن حب التملك والغيرة والحسد هي سبب الصراع بين العمة والكنه. ودون معرفة هذه الأسباب النفسية لا يمكن للابن أن يتعامل مع هذه الظاهرة المنتشرة في المجتمع العراقي التي اجزم أنها تتجاوز الخمسين بالمائة، لكن المسألة تتعدى كونها غيرة وحب تملك وحسد، بل صارت ثقافة اجتماعية تورث من الأم إلى ابنتها بالتلقين والعادات، إذ تعلم الأم ابنتها حين تتزوج أن تسيطر على زوجها ولا تسمع كلام أمه وأن تحذر من أخواته وألا تجهد نفسها في عمل البيت كالطبخ والغسيل والتنظيف، وهذه الأم التي قاست مع عمتها في شبابها ستنتقم من زوجة ابنها مثلما قاست على وفق آلية التقمص النفسية، وهذه البنت تعلمت من أمها كيف تعامل زوجة أخيها بقسوة وحقد في بيتها خصوصا إذا كانت هذه البنت غير متزوجة لأنها ستغار منها وتحسدها، أو سمعت من أختها أو عمتها أو خالتها أو صديقاتها أو جيرانها، حتى تشكلت صورة نمطية سلبية بذهن الأم عن الزوجة أنها تسرق ابنها منها، وصورة نمطية سلبية بذهن الزوجة عن الأم أنها تسيطر على زوجها وتحرضه ضدها، بغض النظر عن تصرفات كل منهما سلبية كانت أو ايجابية، أي أن الأحكام أصبحت مسبقة قبل أن تأتي الزوجة للبيت أصلا! بالتالي فالمشكلة موجودة وتنتظر المتهم (الزوجة أو الأم) لتلقى عليه التهم جاهزة! إنها أشبه بلصين اتفقا على سرقة لكنهما اختلفا على تقسيم الغنيمة بعد الحصول عليها متهما كل طرف الآخر بخيانة الاتفاق، والحل الأمثل للابن هو الخروج من المنزل أو عزل الغرف بجدران داخل البيت لتقليل الاحتكاك مع سياسة من الخداع والكذب والإقناع بينهما تحسس كل واحدة منهما أنها صاحبة الحق أو العزيزة كالتعامل مع ضرتين بالضبط، دون مضيعة الوقت بسماع المشاكل التي لن تحل بينهما ودون أن تعرف أي واحدة بهذه السياسة.

وطبعا هناك حالات تكون فيها الزوجة ضحية عمة قاسية عدوانية أو العكس، وهناك حالات تراضٍ وانسجام بين العمة والكنة، وإن كانت قليلة، لهذا تحدثت في هذا المقال عن السائد وليس الاستثناء.

إن أسباب السكوت عن ظاهرة عداء العمة والكنة هو قداسة الأم الاجتماعية (الجنة تحت أقدامها) والتي لا تسمح بقبول حقيقة أن الأم تغار من زوجة ابنها بل وتنظر إليها كضرة!(1) ولأن مكانة الرجل الاجتماعية المتفوقة التي لا تسمح بقبول حقيقة أنه خاضع لزوجته عاطفيا وحاجته وضعفه أمام رغباته الجنسية تجاه زوجته التي لها وسائلها الضاغطة والمؤثرة بالرجل بالفراش أو البكاء أو الزعل، أو انه خاضع لأمه كالطفل يطيعها في كل شيء ولا يعرف أن يتصرف بدونها، ولأن (دونية) المرأة الاجتماعية كضعيفة وساذجة وتابعة للرجل التي لا حول ولا قوة لها بدونه، لا تسمح بإعلان حقيقة قيادتها للرجل أو تأثيرها به بدهائها ومكرها.

هذه القضايا الأسرية تعتبر من اشد المسائل الشخصية المحاطة بالسرية والخصوصية بالمجتمع العربي، وهكذا فان القيم الاجتماعية الذكورية لها دور في السكوت عن قضايا اجتماعية خطرة من دون الاعتراف بها!

ومن المفارقات إن الأم حتى لو اختارت الزوجة لابنها فإنها هي التي ستحاربها بنفسها أو تعاديها! متهمة إياها بخداعها أو سحرها بل وتجعل تزويجها لابنها كان صدقة ومنّة! قائلة (ﭽنتي ضاله محد لفاچ) أو (محد اخذچ) أو (كتلت روحها عالزواج) أو (الظالة، سترنه عليچ) أو الانتقاص من جمالها بتشبيهها بـ(البومة، العوبة، القرد) أما إذا اختار الابن زوجته بنفسه فيا ويله من اللوم وسوء الاختيار والتحريض المستمر على طلاقها (طلگها واني أشوفلك أحسن منها) واتهام زوجته بسرقة ابنها (التفيتي عليه وأخذتي) (قشمرتي وخليتي ياخذچ) والابن لا يسلم من سهام الشتائم أو التهم وأشهرها (يسمع كلام مرته) (راكبته زوجته) أو إذا أرادت أن تنصفه (ساحرته)! وأي شيء يفعله الرجل أو يقوله تفسره الأم على انه تحريض وتخطيط من زوجته هذا الشيطان الذي يستحوذ على ابنها (الفقير) أو (اﻟﭽلب)! حسب موقفه منها، وتبقى الأم تنبش وراء كنتها فإذا وجدت البيت أو المطبخ غير نظيف عيرتها (الجايفة أو الوصخة) أما إذا تأخرت في الحمل فتحرض ابنها على طلاقها وتعيرتها بـ(العاﮔر) أما أذا أنجبت بنتا فهذه جائزة ذهبية تمنحها الكنة للعمة والمثل العراقي خير من يعبر عن ذلك (مكروهة وجابت بت) فتزن برأس ابنها بالزواج عليها وتحملها مسؤولية إنجاب البنات! في حين أنها أثناء خطوبة ابنها كانت تقول (آني مو مثل بقية العمات! ادلل اﻠﭽنه وما عندي شي وياها).

وهكذا يكون حال الرجل بين ثلاث نيران أمه وزوجته والمجتمع، إذا انحاز لزوجته وبخته أمه قائلة (هاي تاليتها وياك؟ ربيتك وكبرتك؟ تالي تسمع كلام مرتك؟ حرامات بيك التربية والتعب) وكذلك يوبخه أو يعاتبه الناس بوجهه أو من وراء ظهره (أمك الربتك وتعبت عليك تالي اتعوفها؟ رضا الله من رضا الوالدين، واللي ما يرضي أمه، الله ما يوفقه؟ هذا كله من وره زوجتك، ليش ما ﺗﮕدر تلطمها على ﺤﻟﮔها؟ وتسكتها؟ وتخليها أتبوس راس أمك وأيدها؟ لو ﻤﺗﮕدر عليها؟ هي مره وأنت رجال؟ والمَره بخيالها) هذا وضع الرجل إذا لم ينحاز لأمه، أما إذا انحاز لها، فيا ويله من نار زوجته بزعلها ولومها وإلحاحها ولوم أهلها قائلة له (بعد ما أتحمل العيشة بهذا البيت شوفلي ﭽارة ويه أمك، آني رايحه زعلانه، أبقى يم أمك اسمع كلامها، وما ارجع من أهلي إلا من أتخليلي احترام وكلمة بهذا البيت) فيتبهذل حال الرجل بلا طعام مخصص، أو غسل ملابس، أو تربية الأطفال إذا بقوا عنده، أو اشتياق مدمر لهم إذا ذهبوا مع أمهم، وحاجة مدمرة للجنس والحنان، كلها تكون نارا مهلكة للرجل ومعنوياته، فيشعر بالكآبة والوحدة والنقص بدون زوجته وأطفاله، لهذا ينحاز اغلب الرجال لزوجاتهم في المشاكل متحملين نار الأم والمجتمع على ألا يتحملوا نار الزوجة والأطفال، ومع ذلك فالحال هو الحياد وليس الانحياز.

تجدر الإشارة إلى أن المنولوج هو الوحيد الذي تناول هذه الظاهرة بأسلوب فني رائع وأخرجها للعلن فغنى المونولوجست (علي الدبو) (كل يوم الهرجة أبيتي) وغنى المونولوجست (حسين علي) (ليش زوجتيني) و(راح انهزم من هالبيت) ذلك إن المنولوج فن ملتزم بقضايا اجتماعية يُعبر أفضل من غيره عن الظواهر والقضايا الاجتماعية بطريقة واقعية ساخرة جذابة وشعبية، وللأسف أن يندثر المنولوج ويحل محله فن غربي لا يتلاءم مع البيئة العربية هو فن (الراب) الذي يتناول أيضا قضايا اجتماعية بطريقة واقعية وصريحة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1_ من أكثر الأمور المسكوت عنها لأنها محرجة جدا، هو غيرة الأم من زوجة ابنها جنسيا! فحين تتزين له زوجته بالماكياج والملابس المثيرة المغرية، أو حين تستحم هي وابنها أو حين يستحم ابنها صباحا (غسل الجنابة)، تستثير غضبا وتبدأ تتهم الزوجة بأنها تُتعب ابنها وترهقه بالفراش بحجة الحفاظ على صحة ابنها، فتحاول منع ابنها بالاختلاء بزوجته بشتى الأعذار بتكليفه بواجبات البيت، أو إرهاق زوجته بشغل المنزل، وهي غيرة جنسية واضحة جدا!
* كاتب وأديب عراقي


Go Back