أزمة المال بكردستان تؤثر في سوق الذهب.. وتاجر لبارزاني: كيف تتحدث عن دولة مستقلة وأنت غير قادر على دفع الرواتب؟

أخرج ريزكار سوار زوجته من جيبه ووضعه على النضد أمام تاجر الذهب في إقليم كردستان بداية الأسبوع، بعد أن قرر على مضض أن يبيعه لدفع فواتيره.

ولم تدفع وزارة الكهرباء في كردستان مرتب ريزكار لشهرين، لأن حكومة بغداد حجبت جانبا من نصيب المنطقة في الميزانية الاتحادية عقابا للأكراد على محاولة تصدير النفط عن طريق خط أنابيب جديد.

وقال ريزكار (39 عاما) \”أنا مضطر لبيعه وإلا صرت مديونا. إن لم يأت مرتبي قريبا فلا أعرف ماذا أفعل\”.

وبعد يوم من بيع السوار تمكنت وزارة الكهرباء، بين عدة وزارات، من دفع مرتب شباط أخيرا بعد أن أرسلت الحكومة الاتحادية متأخرة بعض المال في بداية الأسبوع، لكن المسؤولين في بغداد يؤكدون أنهم لن يدفعوا المزيد.

ويقول الإقليم إنه سيتمكن في آذار من الحصول على المال اللازم لدفع المرتبات، لكن الضائقة المالية تكشف عن مدى اعتماد كردستان حتى الآن على نصيبها من الميزانية الاتحادية ما دامت لا تستطيع تصدير النفط بنفسها بكميات كبيرة.

وكثيرا ما يلمح المسؤولون الأكراد إلى الانفصال عن العراق وتبدو خلافاتهم مع الحكومة المركزية في بغداد أكثر استعصاء على الحل من أي وقت مضى.

غير أن من المرجح أن تسعى المنطقة بمزيد من العزم ما أن تنتهي هذه الأزمة لتحقيق الاستقلال الاقتصادي مصعدة حدة المواجهة في إطار أسلوب حافة الهاوية الذي تتبعه مع بغداد.

وأثرت أزمة التمويل في الاقتصاد الكردي الذي ينعم بالازدهار منذ الحرب التي قادتها الولايات المتحدة في العراق العام 2003، وكان التأثير محسوسا فعليا في سوق الذهب التي تعمل كنظام مصرفي غير رسمي.

وفتح أحد تجار الذهب في أربيل درج الأموال النقدية كاشفا عن خوائه بعد أن رد زبونا آخر يريد البيع خائبا. وقال \”إن لم أستطع البيع فلن أستطيع الشراء\”، مضيفا \”كيف تتحدث عن دولة مستقلة وأنت غير قادر على دفع رواتب موظفيك؟\”.

تضخم أعداد الموظفين
يبلغ عدد سكان كردستان حوالي 5 ملايين نسمة، أكثر من خمسهم يتلقون أجورا من الحكومة. وتضخم بند الأجور في ميزانية الإقليم إلى 840 مليار دينار (722 مليون دولار) في الشهر وهو ما يشكل 70 بالمائة من الإنفاق العام.

وكان من المفترض أن تعطي بغداد كردستان 17 بالمائة من الميزانية الوطنية بعد خصم المصروفات السيادية، وكان المبلغ ينقل نقدا بطريق الجو من البنك المركزي إلى أربيل، برغم أن الجانبين يختلفان على مقدار المبلغ الذي كان ينقل فعليا.

وتقول الحكومة العراقية الآن إن دفع المبلغ يتوقف على تصدير النفط من كردستان تحت إشرافها وحدها وهو ما يعترض عليه الإقليم.

ولم تدفع في كانون الثاني سوى 566 مليار دينار أو أقل من نصف المدفوعات الشهرية العام الماضي. وحولت في بداية الأسبوع 548 مليار دينار أخرى لشهر شباط.

وقال نوري المالكي، رئيس الوزراء، لتلفزيون فرنسا 24 الأسبوع الماضي ملخصا النزاع، إنه يجب على كردستان حتى تحصل على 17 في المائة من الثروة أن تسلم ما لديها من نفط.

وأدت سياسة حافة الهاوية في الماضي إلى مواجهة بين القوات العراقية وقوات البيشمركة الكردية في شريط غني بالنفط على الحدود الداخلية التي يختلف عليها الجانبان.

وعزز الأكراد موقفهم بتوقيع عقود مع شركات نفط كبرى وإنشاء خط أنابيب يمتد إلى تركيا في تحدٍ لبغداد. ونقل مليون برميل من النفط بالفعل عبر هذا الخط إلى صهاريج للتخزين في ميناء تركي، لكن أنقرة تريد موافقة بغداد قبل المضي قدما بالتصدير. ولا يبدو في الأفق أي حل وسط حتى الآن.

وقال دبلوماسي أميركي بخصوص مساعي التوصل إلى اتفاق بين بغداد وأربيل \”نعمل على تحقيق هذا منذ بعض الوقت وقد قطعنا شوطا طويلا. لكن موسم الانتخابات يزيد صعوبة هذه المساعي\”.

وتجرى الانتخابات النيابية في 30 نيسان، ولا يريد أي من الطرفين أن يبدو ضعيفا إذا قدم تنازلات. لكن المالكي قد يحتاج إلى الأكراد لتشكيل حكومة جديدة مع الانقسام بين ناخبيه الشيعة وعداء الأقلية السنية.

الورقة الرابحة
وقال رمزي مارديني الزميل غير المقيم في مؤسسة أتلانتيك كاونسل \”ربما أن المالكي يصنع أوراقا للمساومة ليلعب بها مع الأكراد إن كان هدفه الحصول على تأييدهم للبقاء في رئاسة الحكومة لفترة ثالثة\”.

وأضاف أن \”كل هذا مناورات قبل الانتخابات. وما أن ينقشع الغبار وتبدأ آليات تشكيل الحكومة العمل حتى يبين بمزيد من الوضوح من هو صاحب الميزة\”.

وقال أيهم كامل، مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة يوراسيا غروب لاستشارات المخاطر السياسية، إن حكومة كردستان لا تعدم وسائل الضغط لكنها ما زالت معتمدة على أموال الحكومة الاتحادية، مردفا أن \”قدرة بغداد على وقف هذا التمويل أو خفضه ورقة رابحة في العلاقة بينهما\”.

ويدرس الأكراد خياراتهم بعد أن أخذهم خفض الميزانية على غرة. ويصور رسم كاريكاتوري في الصحافة العراقية مسعود بارزاني رئيس الإقليم في هيئة متوحشة واقفا منفرج الساقين فوق سد، وهو ما يبرز المخاوف من أن الأكراد قد يقطعون المياه عن بقية العراق.

وقال علي سندي، وزير التخطيط في حكومة الإقليم، إن كردستان ما زالت تأمل بأن تتصرف بغداد بمسؤولية، وإن في يد حكومة الإقليم أوراقا يمكن أن تلعبها أيضا لكنها لا تريد الحديث عنها الآن.

وتدور رحى المعركة في الوقت الراهن في مجلس النواب الذي تمكن من تحقيق النصاب القانوني لإتمام القراءة الأولى لمشروع الميزانية لعام 2014 الأحد الماضي على الرغم من مقاطعة النواب الأكراد.

وإذا أقرت الميزانية فستجعل مخصصات كردستان مشروطة بأن تصدر 400 ألف برميل من النفط يوميا عبر شركة تسويق النفط العراقية (سومو). وأي نقص عن هذه الكمية يخصم من حصة الإقليم في الميزانية وهي 17 بالمائة.

وقال عبد الخالق رفيق، مستشار بوزارة المالية في حكومة كردستان، إن \”هذا عقاب\” ممسكا بنسخة من مشروع الميزانية، وقد أبرز البنود الخاصة بكردستان بخطوط حمراء.

ولا يعرف الدخل الذي تحققه كردستان نفسها، لكن وزير التخطيط، سندي، قال إنه لا يكفي مرتبات الحكومة، فضلا عن تكاليف التشغيل الأخرى، إضافة إلى حوالي 2900 مشروع استثماري يجري تنفيذها.

ويبحث الإقليم عن سبل لتحقيق مزيد من الدخل وخفض الإنفاق، فضلا عن مصادر بديلة للتمويل في الخارج.

وقال سندي إن الحكومة بدأت تدرس نماذج تمويل مختلفة مثل القروض ومشاركة القطاع الخاص، متحدثا عن إجراء حكومة كردستان محادثات مع بنوك أجنبية حتى قبل أن تخفض بغداد الميزانية.

الادخار أو السرقة
ومن ناحية أخرى تقدّمَ أقطاب المال الأكراد للمساعدة في زيادة السيولة، ومن بينهم مؤسس شركة آسيا سيل لخدمات الهاتف المحمول الذي أقرض بنوكا في مدينة السليمانية 15 مليار دينار.

ويأمل بعضهم في أن تدفع الأزمة حكومة كردستان إلى تغيير عادات الإنفاق وممارسات التوظيف.

ويهيمن الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة بارزاني، ومنافسه حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، على السلطة، منذ حصل الإقليم على حكم ذاتي العام 1991، ووظفا آلاف الأشخاص في القطاع العام المتضخم بالفعل لتشديد قبضتهما.

وقال بلال وهاب، الباحث بالجامعة الأميركية في العراق، إن الوضع القائم لا يمكن استمراره، مضيفا أنه إذا لم تنوع حكومة كردستان اقتصادها وموظفيها فقد تتعرض لحالة من عدم الاستقرار الاقتصادي والاضطرابات الشعبية.

وما زالت المشاعر القومية الكردية التي أججتها حوادث القتل الجماعي على يدي صدام حسين في الماضي قادرة على جمع الأكراد، كما تبين هذا الشهر عند إعادة دفن 93 كرديا استخرجت بقاياهم من مقبرة جماعية في جنوب العراق. وقتل معظمهم رميا بالرصاص على أيدي فرق الإعدام في إطار حملة صدام لقمع الأكراد.

وقال بارزاني في مراسم الدفن إن الشعب الكردي لم يقدم كل هذه التضحيات ليخضع للاضطهاد والحكم الاستبدادي من جديد، معقبا بأن الوقت حان لإعادة النظر في العلاقات مع العراق. وتابع أنه إذا استمرت السلطات في بغداد في معاملة الأكراد بهذه الطريقة فسيتخذون موقفا لا يتوقعه أحد.

وتجمع حشد صغير أمام البرلمان الكردي الأسبوع الماضي مرددين هتافات تصف المالكي بأنه طاغية. لكن كثيرا من الأكراد يقولون إن زعماءهم يتحملون جانبا من المسؤولية عن أزمة الميزانية التي أعادت تركيز الأنظار في التعاملات البعيدة عن الشفافية والفساد في كردستان الذي وصفه تقرير لوزارة الخارجية الأميركية مؤخرا بأنه \”متفش ومستشر\”.

وقال تاجر ذهب في أربيل طلب عدم نشر اسمه \”أين ذهب المال؟ لا أحد يعرف. إما أنهم يدخرونه ليوم الاستقلال أو إنهم يسرقونه\”.

إقرأ أيضا