أمريكا تهزم في سوريا وتنتقم في العراق

سقوط جديد يشهده العراق، ولكن هذه المرة جاء الهجوم من تنظيم مسلح يدعي السعي نحو تأسيس الدولة الإسلامية في العراق والشام \”داعش\” الذي بدأ في السيطرة على عدة مناطق في العراق. هذا يعني انهزاما عسكرياً لحكومة المالكي، ومؤشراً للفشل السياسي لعراق ما بعد صدام، وهو ما يجعلنا نتساءل هل تسقط بغداد في المرحلة المقبلة؟

 

جاء استيلاء \”داعش\” على عدة مدن عراقية لتفتح عدة ملفات لما حدث في دولة العراق من تخريب متعمد من جهة الولايات المتحدة الأمريكية، وتحويل تلك الدولة التي كانت من أغنى دول المنطقة، وتمتلك قدرة عسكرية كبيرة، إلى دولة ضعيفة غير قادرة على حماية حدودها، فالتحرك السريع لـ\”داعش\” في العراق لم يكن مفاجئا، على خلاف ما يصفه الكثيرون، فجميع الأطراف المعنية بالشأن السوري كان يحذر من ذلك، لكن المفاجئ هو القوة التي مكنته من التقدم السريع في الأرض العراقية، وهذا يعود لدعم الغرب وبعض الدول العربية له، فالفشل الغربي الذريع في الأرض السورية، وسقوط أوراق التفاوض على مستقبل سوريا؛ دفع الغرب للتوجه إلى العراق، كونه كان الهدف الآخر بعد سقوط سوريا. لكن التراجع في سوريا دفع إلى استعجال العراق عن طريق التعامل مع \”داعش\”، فالذي يجري الآن في العراق بحسب العقلية الأمريكية سيشتت جهود وقوة سورية وإيران وحزب الله فيما يسمى بخط وجبهة الممانعة، ومن هنا يدخل التنظيم الجهادي على خط اللعبة الإقليمية بصفته القوة الأولى التي تقف في وجه النظامين العراقي والسوري وحزب الله. وإذا ما نُظر إلى \”الدولة الإسلامية\” التي تقيم حدودها بين المحافظات السورية الشمالية والشمالية الشرقية امتداداً إلى محافظات الوسط العراقي، فإن حدود \”داعش\” تكسر المحور الإيراني – العراقي – السوري – حزب الله. و لم تكن إزالة مقاتلي \”داعش\” للحدود بين محافظتي نينوى العراقية والحسكة السورية إلا دلالة رمزية على ما يعتزم التنظيم المتشدد فعله لتوطيد أركان دولته، وبالتالي فالدعم الأمريكي لـ\”داعش\” لم ينقطع يوماً إما بشكل مباشر أو غير مباشر، فضلاً عن سكوت الأوروبيين وحلفائهم الإقليميين الذين يراقبون ما يجري في العراق، ولكنهم في الوقت نفسه لن يسمحوا بسيطرة عناصر إرهابية على مصادر النفط العراقي.

 

أما بالنسبة للكيان الإسرائيلي فكل ما يحصل في العراق يعد فرصة لتسويق مبرراته في التمسك بغور الأردن والسيطرة عليه.

 

في إطار ذلك فان \”داعش\” ليس منحصرا في مكان واحد، وهو العراق، بل امتد إلى سوريا، لذلك لا يمكن أن نفصل ما يحدث في العراق عن الوضع في دول الخليج، فالحدود مفتوحة بين العراق ودول الخليج ومن السهل تسلل عناصر من تلك الجماعات الإرهابية إلى تلك الدول وبخاصة دولة الكويت. وعلى الجانب الآخر، لم يكن \”داعش\” بعيدا عن الأحداث في ليبيا ومحاولاته إرسال عناصر للقتال ضد اللواء حفتر، وأيضاً محاولات السيطرة على بعض المناطق هناك، فمن الطبيعي أن ما فعله \”داعش\” داخل الأراضى العراقية من احتلال للموصل هو تهديد للأمن القومي السوري والعراقي من جهة، وتهديد حقيقي للأمن القومي العربي من جهة أخرى.

 

وفي إطار ذلك يمكنني القول إنه لا يوجد طريق مباشر لإنهاء هذه الأزمة في العراق، فالحكومة العراقية في حالة من الفوضى، واستعادة الموصل مرة أخرى سيكون أمراً شديد الصعوبة، وذلك بالأخذ في الحسبان أنها لم تتمكن من استعادة الفلوجة أو الرمادي حتى الآن، لذا فإنني أشعر بالتشاؤم، وأخشى من أن العراق يتجه إلى حرب أهلية من جديد.

 

فالحقيقة التي يجب أن ندركها بيقين إن المشهد مخيف، وهذا التمدد الداعشي يهدد منطقة الشرق الأوسط، وإن حلم تنظيم \”داعش\” قد يقترب من التحقق إن لم تتضافر الدول العربية معاً لمواجهته عسكريا. وفي إطار ذلك يجب أن يتكاتف العراقيون في هذه المرحلة الحساسة وأن يوحدوا صفوفهم في مواجهة هذا التنظيم من أجل تحقيق الأمن والاستقرار للعراق.

 

وأخيرا ربما أستطيع القول إن الدولة الإسلامية في العراق والشام خلطت الأوراق لتعيد رسم المنطقة من جديد، بين خطر التقسيم المذهبي وتغيير ميزان التفاوض بين الدول، فالذي يحدث الآن هو مخطط غربي مدروس بعناية لإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط من جديد من خلال مشروع الشرق الأوسط الموسع بالتحالف مع حلف الناتو، وهو ما يحدث حالياً من تدمير في ليبيا وسوريا واليمن ومن قبلهم العراق ومحاولات تدمير القدرة العسكرية العربية بالكامل لتكون غير قادرة على مواجهة أي عدوان خارجي، من أجل تحقيق أمن إسرائيل.

 

* د. خيام محمد الزعبي: كاتب وباحث سوري متخصص في العلاقات الدولية، khaym1979@yahoo.com

إقرأ أيضا