أميرٌ على حجارة

شارع الطوسي من اكثر شوارع النجف القديمة ازدحاماً، وذلك لموقعه بين الحضرة العلوية ومقبرة وادي السلام من جهة واحتضانه لجامع الطوسي الكبير ومدارس دينية من جهة اخرى، مما يجعله مكتظاً بالجنائز والمشيعين وطلبة العلم بالأضافة الى الزائرين.

ما يزيد الشارع زحمةً وضيقاً باعة السبح والمحابس والترب الحسينية الذين يفترشون ارصفته ويعبرون على جانبيه، هذا غير ابو عربانة الدهين وابو السبيل الذي يلحّ على المارة لشراء الماء: سبّل يا زاير.

ذاك اليوم هجمت البلدية على الشارع وشالت الچنابر والعربات وطردت الباعة المتجولين، نظفت الشارع ووضعت فيه شرطياً مهمته طرد الباعة ومنع وقوف السيارات الى جانبي الطريق.

اول شيء فعله الشرطي ضرب احد الأطفال من باعة ماء السبيل فصاح الطفل مستنكراً: هاي شبيك؟ وينك يزاير سبّل يزاير.

بعدها جاء السيد حسين بحر العلوم رحمه الله وهو مرجع ديني كبير آنذاك.

اراد السائق ان يوقف السيارة امام جامع الطوسي لينزل السيد فمنعهم الشرطي قائلاً ممنوع. يمعود الناس منتظرة السيد للصلاة ووقت ماكو.. ممنوع. ابو الغيرة السيد چبير ومريض ولا يستطيع المشي مسافة طويلة.. ممنوع. زين بس انزّل السيد وارجع انقل السيارة للگراج.. ممنوع. هكذا كان يجيب الشرطي واضعاً سبابته فوق انفه غير آبهٍ بتوسلات رجل كبير ومريض.

المهم خضع السيد لأوامر الشرطي ولم يقف بباب الجامع، ولكنه قبل ان يأمر السائق بالسير فتح النافذة وقال للشرطي معاتباً: هذا وأنت أميرٌ على حجارة!

موقف ذلك الشرطي المتزمت ومحاولته لإذلال رجل كبير بحجة تطبيق القانون له مواقف مشابهة تصدر هنا وهناك فيكون اصحابها كأمراء على حجارة.

يقول ماجد صديقي الذي فارقته من سنين والتقيته في موقع فيسبوك، يقول انه وقف ثلاث ساعات امام باب استعلامات احدى الدوائر الحكومية في البصرة من اجل ان يمرر معاملة لأبنته.

والله يا اخي غبشنا من الصبح حتى نلزم سره على باب الدائرة، والحديث لماجد، صار الطابور طويلاً والجو حار والشمس بدأت تصفع وجوهنا، وابو الأستعلامات ملتهي يخابر بالموبايل.

يقول ما تحملت الوضعية فصحت به: يمعود وكت موبايلات الحر كتلنا، فانتبه لي ذلك الموظف الذي لم ينس دهن رأسه بعلبة جل كاملة، سمعني فانهى مكالمته وبدأ يستلم معاملات المراجعين.

ولكنه عندما وصل الدور لي اغلق شباك الأستعلامات ودخل الى الدائرة ولم يعد لساعة اخرى.

تصوروا مراجعاً وابنته الصغيرة يقفان لساعات طويلة امام شباك الاستعلامات تحت شمس البصرة اللاهبة وجوّها الدبِق وابو الأستعلامات يحاربه نفسياً كيف يكون حاله؟.

هذا وهو موظف استعلامات بسيط فماذا لو اعطي سلطة ومنصباً؟.

أمراء الحجارة اصناف وألوان تجمعهم عقدة السلطة وحب اذلال الآخرين، ولا اشك ان بعض المسؤولين كانوا امراء حجارة وصلوا الى السلطة بالصدفة، ولكنهم لازالوا يمارسون تلك العقدة.

عقدة شرطي شارع الطوسي الذي اول ما شطح نطح وراح يضرب طفلاً يسترزق بماء السبيل. وينك يزاير سبّل يزاير.

أقرأ أيضا