أوكرانيا.. فصل من الحرب الباردة

من يتمعن في حوادث أوكرانيا منذ انطلاقتها حتى رحيل يانكوفتش مكللا بفضائح الفساد السياسي وسوء الإدارة يدرك حقيقتين مهمتين أولاهما تشابه بعض فصول الاحتجاج في العاصمة كييف مع ما جرى في أحداث 25 يناير المصرية حيث إقامة المحتجين في خيام وتزودهم بالطعام والمؤن من مصادر غير معروفة في ظل شروط مناخية قاسية، وثانيهما أن ثمة تواصلا يتبدى على نحو سافر بين منظمي الاحتجاج ودوائر المفوضية الأوربية وحلف الناتو، إذ صارت كييف قبلة أقطاب اليمين في أوربا والولايات المتحدة من جون ماكين إلى كاترين آشتون إلى هولاند وسكاشفيلي (لماذا لم نلحظ ذلك في تظاهرات اليونان وتركيا مثلا؟) ما انعكس بالضرورة على شعارات وموجهات جديدة للحركة الاحتجاجية وصعود قوى متطرفة تشهر عداءها لروسيا والأجانب على نحو لا صلة له بمطالب المعارضة لنظام يانكوفتش.. خليط غريب من الشعارات والأفكار بينها صيحات (الله أكبر) رفعها على ما يبدو إسلاميون متشددون أغاظهم الدور الروسي في الأزمة السورية.

قوى الصدام الرئيسة التي اختطفت التغيير في أوكرانيا هي قوى اليمين وطليعتها حزب الحرية الفاشي المتحالف مع حزب الوطن بزعامة المليونيرة تيموشينكو التي تقبع في السجن بتهم تتعلق بالفساد فأفرجت عنها السلطة الجديدة في أول مراسمها. هذه القوى أدارت ظهرها لمطالب الاحتجاجات المشروعة في إصلاح النظام السياسي وانتهاج سياسة اقتصادية فعالة لإنقاذ الاقتصاد الأوكراني المنهار، وانغمرت في إجراءات انضمامها إلى حلف الناتو، بينما يتواصل تصعيد العداء لروسيا التي ترتبط معها بأواصر ديموغرافية وثقافية ترقى إلى مئات السنين، فضلا عن روابط الحقبة السوفيتية واتفاقات التعاون الاقتصادي والمصالح المشتركة.

ما كان الانخراط في عضوية الناتو على جدول أعمال الاحتجاجات بقدر ما كان الهدف إسقاط نظام غارق في الفساد وسوء الإدارة، ثم استئناف مسيرة التحول الديمقراطي. يبدو أن الغرب الأوربي والولايات المتحدة لم تلق سلاح المواجهة مع الشرق رغم نهاية الحرب الباردة في أواخر 1990 والولوج في (نهاية التاريخ ) وما روجوا له من انفتاح أفق العلاقات الدولية بزوال الاشتراكية الذي هو في الحقيقة انفتاح العالم بأسره أمام زحف رأس المال المعولم  لابتلاع الجغرافية والثروات وسحق إرادة الشعوب وتدمير خصوصياتها.

النهاية الدراماتيكية للإتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية والمكاسب الهائلة التي أحرزها رأس المال الأوربي والأمريكي لم ترو ظمأ الأخير للمزيد من التوسع والنهب وإحكام هيمنته الكونية، فيما تبدو شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان واقتصاد السوق والعولمة أقنعة زائفة تفضح تفكير وممارسة القوى الدولية في بقاع شتى من العالم. إذن كان رد الفعل الروسي مهيئا مثلما كان عليه في جورجيا 2008 لاستباق ما ستؤول إليه المتغيرات في أوكرانيا. هل ستواجه روسيا ما سبق أن واجهه السوفييت في أوربا الشرقية وأفغانستان؟
* كاتب عراقي

إقرأ أيضا