إسرائيلي في عقر دارنا

المجالس التشريعية في كل دول العالم تسن القوانين لكي تطبقها على مواطنيها، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تعمل على فرض سيطرتها على المنطقة العربية لاستغلال ونهب ثرواتها. فحكوماتنا العربية في سبيل السياحة، وتنشيط الاقتصاد، وتشغيل مرافق الدولة، والحرص على الصورة والسمعة والمظهر، تغمض عينيها عن الاختراقات الإسرائيلية لبلادنا، ومحاولات التسلل إلى مختلف مرافق الحياة فيها. فإسرائيل باتت تستخدم كل أشكال الانقسام والفوضى السياسية بصنيعة أمريكية وإسرائيلية وبمساعدة دول عربية، كي يمرروا مشروعاً هو الأكثر خطورة على الدول العربية من كل المشاريع السابقة.

إن العدو الذي يقطن بيتنا أو عالمنا العربي حاول منذ تموقعه في خاصرة الوطن العربي اختراق الشعوب العربية وتطبيع علاقته معها، وهو ما قسم الدولة العربية بين دول تقبل التطبيع على أرضها وأخرى تتمسك بالمقاطعة وعددها في الانحسار، وفي كل ذلك بقيت الشعوب العربية لا تحتكر قرار التطبيع من عدمه، فالتطبيع زرع ألغاما داخل الجسد العربي، واليوم يريدون تفجير تلك الألغام بإثارة مسألة الفتن الطائفية والمذهبية أو بشراء الذمم للتطبيع مع الكيان الصهيوني وبث الفرقة داخل هذه الأمة المنهمكة.

إن هدف إسرائيل تمزيق البلاد إلى دويلات كنتونية تحارب بعضها بعضاً، ونحن بكل أسف لم ندرك خطورتها على الأمن القومي لبلادنا ولم ننظر إلى الأحداث من حولنا بعيون مفتوحة قارئة للمستقبل، بل وضعنا كل أملنا في الغرب، وفي المقدمة الولايات المتحدة الأمريكية، لكي تسهم في استقرار المنطقة العربية، ولكن نظرا لقوة جماعات الضغط الإسرائيلية في أمريكا \”صانعو القرارات في أمريكا \”لم يستطيعوا منع إسرائيل من بناء المستوطنات في فلسطين وتجريف الأراضي وهدم البيوت على رؤوس أصحابها وبناء الجدار العنصري.

واليوم يخطئ العرب عندما يعتقدون أن بلادهم آمنة ومستقرة، وأن أرضهم وحدودهم مصانة وسيادتهم كاملة، وأسرارهم ووثائقهم محفوظة وغير مكشوفة للآخر، وأن اتصالاتهم ومكالماتهم محمية، وأن اجتماعاتهم ومؤتمراتهم المختلفة آمنة في كل مكان من المنطقة.

فالكثير من ضباط الأمن الإسرائيليين، ومن عملاء مخابراتها المختلفة، ممن يحملون جنسيات مزدوجة، سواء كانت أوروبية أو غربية، يزورون بلادنا العربية ويقيمون في عواصمنا، ويشاركوننا التجارة والعمل، ويعملون معنا في الصحافة والإعلام، وفي النفط والغاز، وفي البنوك والمصارف والبورصات، وفي الزراعة والصناعة، وفي السياحة والفندقة، وفي الاتصالات والمواصلات، حتى أصبح الإسرائيليون يتجولون في شوارعنا، ويجوبون أسواقنا ويقفون في مياديننا، ويجلسون عند مقاهينا، ويدخلون نوادينا، ويأخذون الصور التذكارية، ولا يوجد أحد من يعترضهم، أو يعرقل مهمتهم التي جاؤوا من أجلها.

وفي الوقت نفسه يعفون الإسرائيليين من المسؤولية، ولا يحاسبون ولا يعاقبون على أخطائهم وأفعالهم، فلا يسجنون ولا يحاكمون، ولا يطردون الى بلادهم، بحجة أنهم أجانب، ولهم سفارات تتابع شؤونهم، وتعارض المساس بهم، أو الاعتداء عليهم، كما أنها ترفض توقيفهم، ولا تسمح بمساءلتهم واستجوابهم في غياب محاميهم أو من يمثل سفارة بلاده.

وفي سياق متصل عمدت إسرائيل الى تشكيل أذرع جديدة لها، تسمح لها باختراق الساحة العربية من منافذ حساسة ومهمة في بنية المجتمعات العربية، من الاقتصاد، الذي يعتبر الباب الرئيس لحياة الدول، خاصة تلك التي تعتمد اعتماداً مطلقاً على الاستيراد، وعلى مختلف أنواعه، حيث دخلت البضائع والسلع الإسرائيلية دون دمغة \”صنع في إسرائيل\”، مستخدمة أسماء مستعارة، وحتى هويات مستعارة، وأصل منشأ مستعار، فالخروق الإسرائيلية تنوعت وتعددت، وتخطت المألوف لتشمل مختلف المجالات الحياتية واليومية للمواطن العربي، ومن أبوابها الكبرى، فمثلاً على الخروق المالية إذ دخلت شركة باينير العالم العربي تحت غطاء تسهيل المعاملات المالية والتي تعتبر واحدة من أكبر شركات التعامل المالي الإلكتروني، التي تعمل على تسهيل الدفع عبر البطاقات الائتمانية حيث يستطيع المستخدم القيام بعمليات سحب وإرسال الأموال حول العالم، واستطاعت هذه الشركة عبر مصارف أجنبية تسويق خدماتها بشكل واسع لدى المصارف في الدول العربية، فضلاً عن اختراق الاتصالات \”الإنترنت\” الذي يعتبر من أخطر الاختراقات التي قامت به الشركات الإسرائيلية، من خلال خدمة تبادل النصوص والصور والتخاطب \”الفايبر\”، حتى خدمات الترجمة لم تسلم بدورها من هذه الاختراقات، وتم ذلك عن طريق  شركة بابيلون، التي تحتوي برمجياتها على قواميس بجميع اللغات حيث يمكن للمستخدم استخدام البرمجيات عن طريق الإنترنت.

فالحقيقة هنا التي يجب أن ندركها بيقين أن \”إسرائيل\” تلاحق العرب جميعاً وتتجسس عليهم، وتتابع حركتهم حتى في بيوتهم، وتتجسس على أقرب المقربين إليهم، وترصد أسواقهم التجارية، ومقدراتهم النفطية، وتتابع تجارتهم الداخلية والخارجية، وتعرف الوافدين الداخلين إلى بلادهم والخارجين منها، ويهمها أن تعرف تفاصيل الحياة اليومية، وأنشطة المواطنين الاعتيادية، فضلاً عن معرفة البنى العسكرية والأمنية، والمؤسسات الاقتصادية داخل هذا البلد أو ذاك.

يجب أن نعي ونفهم أن المخابرات الإسرائيلية، وخاصة جهاز الموساد المعني بالأمن الخارجي للكيان الصهيوني، لا يتوقف ليومٍ واحد عن محاولات السعي لاختراق أمن الدول العربية كلها بلا استثناء، وله في بلادنا خلايا ومجموعات، وعنده أجهزة ومعدات، فهو يستغل كل السبل والإمكانات، ويسخر كل الطاقات والكفاءات، ويتسلل إلى كل الساحات المختلفة من هذه البلاد لتحقيق أهدافه ومصالحه.

وليس بعيداً عن الفكر الذي يؤمن بنظريات المؤامرة والتخطيطات الإستراتيجية، فما يحدث في الوطن العربي من أزمات لم يأت بمحض الصدفة، بل يعد تخطيطا إستراتيجيا للصهيونية التي تنادي بتقسيم المقسم وتجزيء المجزأ وذلك لضمان استقرارهم السياسي والاقتصادي والعسكري والسيطرة على موارد المنطقة العربية وإيقاف عملية التنمية والرجوع الى الوراء وانهيار الأمن ومنظومات القيم والأخلاق وتفتيت النسيج الاجتماعي بين مختلف فئات الشعب العربي.

وبموازاة ذلك فان كل ما يجري في سورية من تدمير وتخريب لمعالمنا الثقافية هو مخطط رهيب وحاقد لإزالة شواخص سورية وبنيتها الحضرية، يريدون من خلاله القضاء على ذاكرتنا.. وحضارتنا.. وثقافتنا.. وتراثنا.. واستبدال العلم بهمجية التخلف، والوفاء والمحبة بالبغض والكراهية، كما فعل الكيان الصهيوني الذي دمر وما زال يدمر حضارة فلسطين وآثارها وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية ومن ورائها الغرب الذين سرقوا حضارة العراق ونهبوا متاحفه.

وهنا يمكنني القول إن المسألة التي ينبغي أن نعي خطورتها ونقر بها هي أن إسرائيل بدأت بوعد بلفور عام 1917، وسرعان ما أصبحت كيان دولة وتم توسعتها عام 1948، وتوسعت بشكل أكبر بعد حرب 1967، حيث استولت على بعض المناطق والأراضي العربية، ولم يكن بمقدور دولة الصهاينة المحتلة أن تتمركز ويتوسع كيانها ويستقر بها المقام وتزداد فيها المستوطنات لو لم تكن بعض الأنظمة العربية متواطئة معها.

ومع كل ذلك كنت أعتقد أن مقولة إسرائيل من النيل الى الفرات تبقى حلما. وتبين لي في السنوات الثلاث الأخيرة (سنوات الربيع العربي) أن ذلك ليس حلماً، بل أصبح حقيقة، بل ومخططا مدروسا ومرسوما، إنما تقود إلى تفكيك وتقسيم الدول العربية لدويلات، كما حدث في السودان، ويلحق به العراق واليمن، وتدمير ليبيا ونهب ثرواته، بل وتقسيم مناطق نفوذ السلطة الفلسطينية، وما ستشهده كل من سوريا ولبنان، وإشعال الفتنة في مصر التي ربما تؤدي لحرب أهلية، وإشغال دول المغرب العربي بنزاعات مماثلة، وإلهاء دول الخليج العربية بالتمويل لكل تلك الصراعات وتعويض خسائرها. كل ذلك هو لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الجديد المحقق للحلم المخطط له لدولة الصهاينة \”من الفرات إلى النيل\”.

إن إسرائيل اليوم، أصبحت لغماً خطيراً في الجسد العربي كله، وتحت أقدام العرب كافة، فهي كيان فوق القانون الدولي، وهي حالة شاذة عن السياق الإنساني العالمي بمجمله، وهي حظيرة عسكرة خالصة، لا وجود في نهجها لعرف أو مبدأ أو قيمة، فقد منحها الدعم اللامحدود من جانب القوى الكبرى، حتى وهي تغتصب أرض الآخرين، والصمت الدولي المريب عن جرائمها عبر العقود، منحها قناعة راسخة، بأن منطق القوة العسكرية، وحده، هو سبيلها للبقاء والهيمنة.

وأخيراً أختم مقالتي بالقول إن هذا الواقع يدق ناقوس الخطر عند رؤوس العرب والمسلمين جميعا، فنحن نعرف إستراتيجيتهم العسكرية، وندرك خططهم الأمنية، ونعرف أنهم يستهدفون منطقتنا العربية، كما يستهدفون العلماء العرب دون تمييزٍ لهويتهم الوطنية، فقتلوا مصريين وعراقيين وسوريين ولبنانيين وسودانيين وإيرانيين  ومغاربة، فلنحذر ولننتبه، ولنفتح عيوننا لحماية بلادنا وأمنها، وضمان مستقبلنا المشرق، وإلا فإننا سنصحو يوماً على حقيقة اختراق الكيان الصهيوني لعمقنا، وامتلاكه لكل شيء عنا، كونه ينظر إلى العرب والمسلمين جميعاً على أنهم أعداء وخصوم له ينبغي قتالهم.
khaym1979@yahoo.com
* كاتب وباحث سوري متخصص في العلاقات الدولية

إقرأ أيضا