إسرائيل وتحديات تراجع \”قوة الردع\” في المدى المتوسط

تشكل خلخلة نماذج الأطر والعلاقات السياسية، التي بقيت سائدة في منطقة الشرق الأوسط على امتداد عقود طويلة، تحدياً كبيراً لإسرائيل في المدى المتوسط، فرغم أن الصراع العربي والفلسطيني – الإسرائيلي لم يتصدر اهتمام الحراك الشعبي العربي المعارض، الذي انطلق عام 2011. إلا أن المحصلة التي ستنتج عنه ستؤثر، في شكل أو آخر، على مكانة ودور إسرائيل في المعادلة الإقليمية.

 

حيث تتحسب الدوائر البحثية الأكاديمية الإسرائيلية لمخاطر مستقبلية ستواجه الأمن الإسرائيلي، ضمن ثنائية معقدة، شقها الأول تراجع احتمال مواجهات عسكرية تقليدية بين الجيش الإسرائيلي وجيوش دول الجوار، وهذا في صالح إسرائيل في المدى المنظور. أما شقها الثاني فيتمثل في عدم استقرار في المنطقة وضعف سلطات الدول فيها، بما يمكن تنظيمات راديكالية إسلامية من بناء حواضن لها في دول الجوار، وشن عمليات مسلحة ضد إسرائيل ستنال من التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي.

 

وعموماً؛ يقرُّ الخبراء الأمنيون والعسكريون الإسرائيليون بأن إسرائيل تعاني من عدم إمكانية وضع رؤية واضحة لما يحيط بها منذ عام 2011، بفعل تسارع الأحداث وتقلباتها وتطورات الصراع في دول الجوار، ومأزق المفاوضات على المسار الفلسطيني – الإسرائيلي، وتراجع دور الولايات المتحدة الأميركية السياسي والعسكري على المستوى العالمي.

 

وبصرف النظر عن السيناريوهات المتداولة حول فرص الحراك الشعبي العربي المعارض في تحقيق أهدافه أو نجاح ثورات مضادة، يجمع الخبراء الإسرائيليون على أن الحراك الشعبي، وتداعياته القائمة والمحتملة، شكّل نقطة تحول إستراتيجية، تفرض على إسرائيل إدخال تغييرات إستراتيجية على (عقيدتها الأمنية)، وعبَّر عن ذلك باكراً نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي سلفان شالوم، في تصريح لصحيفة (يديعوت أحرانوت) 7/9/2011، بالقول: \”إنّ الثورات العربية القائمة في المنطقة العربية كانت بمنزلة كارثة على إسرائيل، لاسيما بعد تنحي قادة كبار موالين للغرب ولإسرائيل مثل الرئيس المصري السابق حسني مبارك ونظيره التونسي زين العابدين بن علي.. والربيع العربي أتى بقيادة عكس ذلك..\”.

 

ولم تأثر التداعيات اللاحقة، التي أعقبت التصريح المشار إليه، من التقديرات الإسرائيلية القائلة: إن البيئة الإستراتيجية الجديدة التي أنتجها الحراك الشعبي العربي المعارض ليست في صالح إسرائيل، وسيكون لها انعكاس بالغ على عمليات بناء القوة في الجيش الإسرائيلي، ويوضح ذلك البروفيسور إفرايم إنبار مدير مركز \”بيغن – السادات للدراسات الإستراتيجية\” وأستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان، بالقول: \”خلقت الثورات وضعاً أمنياً هو الأكثر خطورة بالنسبة لإسرائيل منذ نهاية الحرب الباردة.. الجو الأمني في إسرائيل هو الأسوأ الآن مما كانت عليه في أي وقت مضى من العقدين الماضيين، فماذا يمكننا أن نفعل حيال ذلك؟ ليس كثيراً. فلدينا القليل من النفوذ بعد التطورات في منطقة الشرق الأوسط، وأيضاً طموحات قليلة للانخراط في الهندسة السياسية، كل ما يمكننا القيام به هو الدفاع عن أنفسنا بشكل أفضل بزيادة الاستثمارات العسكرية..\”.

 

وفي دراسة حديثة، صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي – جامعة تل أبيب – ترجمة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، يؤكد ثلاثة من كبار الباحثين الإستراتيجيين الإسرائيليين، أودي ديكل وشلومو بروم ويورام شفايترز، أن الميزان الاستراتيجي القائم حالياً في منطقة الشرق الأوسط إيجابي بالنسبة لإسرائيل.

 

ويوضح الباحثون الثلاثة، من وجهة نظرهم، أسباب هذا الاعتقاد من خلال رصد عدد من النقاط الرئيسية: \”ضعف التهديدات التقليدية على الجبهات الشمالية، والشمالية الشرقية، نتيجة استنزاف الجيش السوري بفعل الحرب الأهلية طويلة الأمد، وحفاظ إسرائيل على ردع ذي صدقية في مواجهة حزب الله في لبنان وحركة حماس في قطاع غزة، وتلاشي التهديد الذي مثله الجيش العراقي في العقود السابقة، وتفكيك ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية، وتأثير السلبي للأزمة الاقتصادية في إيران، الناجمة عن العقوبات المفروضة عليها من قبل الغرب، على المحور الراديكالي الذي تقوده في المنطقة، ما أفضى إلى الاتفاق المرحلي بين طهران ومجموعة (5+1) في جنيف – تشرين الثاني 2013. بالإضافة إلى سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر العام الماضي.. الخ\”.

 

استكمالاً للصورة من مختلف جوانبها يستدرك الباحثون الثلاثة بأن علامات مقلقة لإسرائيل تبقى قائمة من منظور مستقبلي، منها – حسب وجهة النظر الإسرائيلية – الاتفاق المرحلي بين طهران ومجموعة (5+1) لا يلغي قدرات التخصيب النووي ومنظومات الأسلحة التي تمتلكها إيران. وتعزيز حضور اللاعبين الخارجين على سلطة الدولة، في موازاة ضعف سيطرة أجهزة الدولة الممسكة بزمام الحكم، وأصبحت هذه الجهات أقوى عسكرياً وبإمكانها إلحاق الأذى الأمني والسياسي، وأكسبتها قدراتها المتنوعة على تعطيل المسارات السياسية.

 

ويضرب الباحثون الثلاثة في بحثهم المشترك مثالاً على خطورة العلامة الثانية بالقول: \”إن الأخطار الناجمة عن التطورات في سورية حادة بنوع خاص، فالحرب الأهلية الدائرة تهدِّد بجعل سورية نموذجاً إقليمياً للدولة فاشلة التي تعاني اختلالاً وظيفياً، على الطراز الأفغاني أو الصومالي.. فقد أصبحت سورية قاعدة لنشاط الجهاد العالمي ضد نظام الرئيس الأسد ومؤيديه.. وحتى الآن لم تنشط منظمات الجهاد العالمي، العاملة في سورية ولبنان، ضد إسرائيل، لكن وبالإجمال، إن سيطرة قوات خارجة على الدولة، ولاسيما عناصر الجهاد الإسلامي، على مناطق محاذية لحدود إسرائيل، حيث لا سيطرة للحكومة المركزية، تشكِّل تحدياً أمنياً متنامياً لإسرائيل، وتهدِّد بتعطيل الحياة اليومية – ليس في المناطق الحدودية فقط، بل في عمق البلاد أيضا – وبانجرار إسرائيل إلى مواجهات عابرة للحدود. وفي سيناريوهات خطيرة بنوع خاص.. هناك صعوبة لدى محاربة قوات غير حكومية، في تحديد مكان المراكز الإستراتيجية للعدو، وفي إحراز نصر واضح وحاسم يضع حداً للنزاع، ويفعِّل آليات ترسيخ الاستقرار من أجل هدنة مطولة\”.

 

إن ما سبق، حسبما يؤكد الباحثون الثلاثة وباحثون آخرون، يفرض على إسرائيل إجراء تغيير كبير في استراتيجياتها الأمنية والعسكرية، على ضوء ما يصفه الباحث يوسي فيرتر، في حديثه عن الحراك الشعبي المعارض وتداعياته، بأنه \”تسونامي عربي يضع إسرائيل في بيئة غير مستقرة، ويدعو لمراقبة الوضع بأعين واعية، ولتجهيز القوات والترتيبات الأمنية تحسباً لخرق المعاهدات، أو لحدوث تغيير في السلطة في الجانب العربي\”.

 

لكن كل الإجابات الإسرائيلية عن تحدي النتائج القائمة والمحتملة للتغيرات الحاصلة تبقى ناقصة، وتحتوي على مغالطات للواقع، حيث أنها تنطلق من منطق إيهام النفس بإمكانية مواجهة التغيرات بمعالجات أمنية، دون إبداء استعداد لتغير النهج السياسي الرسمي الإسرائيلي إزاء فرص الوصول إلى تسوية سياسية متوازنة وشاملة للصراع العربي والفلسطيني – الإسرائيلي. والنتيجة المنطقية لمثل هكذا تفكير، يغالط الواقع، هي أن إسرائيل ستخسر أمام التحديات التي ستواجهها في المدى المتوسط، لتراجع قوة ردعها، وتراجع الدور السياسي والعسكري الأميركي عالمياً، بينما عليها أن تجرب خوض حروب غير تقليدية لن تكون فيها الغلبة لها، وهو ما شدَّد عليه أودي ديكل وشلومو بروم ويورام شفايترز في بحثهم الإستراتيجي المشترك.

* كاتب فلسطيني، أنباء موسكو

إقرأ أيضا