إسرائيل ودورها المشبوه في المشهد العراقي الراهن

تتابع إسرائيل عن كثب تطورات الأزمة العراقية، وقد شكلت الجهات الأمنية والإستخباراتية في تل أبيب فرق متابعة لرصد تداعيات الأحداث في العراق منذ اندلاعها، الأمر الذي يلوح بمدى أهمية هذه المنطقة بالنسبة لإسرائيل, ويطرح تساؤلاً حول الدور الذي تلعبه إسرائيل هناك.

 

ليس التدخل الإسرائيلي في العراق أمراً مستجداً أو فريداً من نوعه، إذ أنها تتدخل في كل صراع داخلي وكل حرب أهلية في الوطن العربي، فقد تدخلت إسرائيل في صراع اليمن، وفي مجازر أيلول الأسود في الأردن، والحرب الأهلية في السودان، وفي الصحراء الغربية بين الجزائر والمغرب، وفي الحروب الأهلية في لبنان وسوريا وفلسطين، وفي تحرك الأكراد شمال العراق، وفي ليبيا ومصر قبل الثورة وبعدها.

 

أمريكا تدرك فشلها في تحقيق مصالحها بالعراق عبر الاحتلال المباشر، لذا عادت إلى المنطقة لتخوض الحرب عبر وكلائها في المنطقة، ومن هنا سعت إسرائيل لضمان أمنها عبر إضعاف المحيط وإشغاله بمشاكله الداخلية، ولهذا تسهم بشكل مباشر في إثارة النزاعات والحروب في بلدان الجوار، فالإسرائيليون مروا بتجارب مرة مع المقاومة الإسلامية بشقيها الشيعي \”حزب الله\” والسني \”الفصائل الفلسطينية\” وهم يدركون أن السبيل الوحيد لفك الارتباط الإستراتيجي بين المقاومتين هو إثارة صراع \”سني شيعي\” شامل في المنطقة، ينعكس ذلك على المواقف والتوجهات بين الطرفين بشكل سلبي بما يعزز من انهيار محور المقاومة.

 

ومن هذا المنطلق تعتبر إسرائيل عاملا مدمّرا لتطلعات أمتنا العربية من محيطها إلى خليجها، فليس سراً على الإطلاق أن إسرائيل وحدها وقبل غيرها هي الطرف المستفيد قبل أي طرف آخر من التحولات الحادة التي تحصل في المشهد العراقي، وليس سراً أن أول شحنة نفط كردية وصلت تل أبيب فعلاً وسط مظاهر الاحتفال الإسرائيلي، في وقت انشغل العرب والعراقيون بأزماتهم، في إطار ذلك، فمن الواضح تماماً أن التحولات في العراق قفزت بالعلاقات الإسرائيلية الكردية إلى مستوى الإنتاجية الفعالة والإستراتيجية، فضلاً عن الاستيلاء على النفط على حساب الأمن القومي العراقي ووحدة العراقيين في المنطقة.

 

وفي سياق متصل راهنت إسرائيل على العراق منذ أكثر من ثلاثين عاماً، إذ راهنت على المياه العراقية، وراهنت على الأراضي العراقية التي تعتبرها بوابة حقيقية للدخول إلى مصطلح \”الدولة الكبرى\”، لهذا لا يبدو مدهشا أن يبدأ رجال الأعمال الإسرائيليون من جنسيات مختلفة بشراء مزارع وأراض عراقية، لذلك هناك مجموعة من الأهداف والمطامح الاقتصادية البعيدة المدى يمكن لإسرائيل تحقيقها وجني ثمارها في العراق من خلال استغلالها للأزمة الحالية، هي التخلص من حال الاختناق التي يمر بها الاقتصاد الإسرائيلي، وفتح السوق العراقية  أمام المنتجات الإسرائيلية، واعتبار العراق الجسر نحو بدء الخروج من العزلة العربية، وتمهيد الطريق نحو استعادة زخم العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والدول العربية، وهو ما يمكن أن يمهد الطريق نحو فتح الأبواب العربية المغلقة أمام المنتجات الإسرائيلية، خاصة في ظل حالة الترهل الاقتصادي العربي الراهنة، فضلاً عن بناء علاقة تحالف إستراتيجي طويل الأمد مع العراق الجديد وذلك عبر الوسيط الأميركي، ما يعني اعتراف أي حكومة عراقية قادمة بالمصالح الإسرائيلية في العراق، وبحيث تصبح العلاقة بين الطرفين علاقة كاثوليكية يصعب فكها.

 

فالحقيقة التي يجب أن ندركها بيقين أن إسرائيل أصبحت تتمدد في قلب الوطن العربي وأن الدول العربية مهدده بالتقسيم وأنها تسعى لعودة نفوذها واستحواذها على مقدرات المنطقة، لذلك هناك مخاطر جمة تهدد العراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن ولبنان وفلسطين، وفي إطار ذلك أصبح من اللازم إعادة النظر في السياسات العربية، واستعادة اتفاقية الدفاع العربي المشترك، والعمل باتجاه إستراتجية تجمع وتوحد العرب وتقود للتصدي لمؤامرة التقسيم ومنع انفصال إقليم كردستان عن العراق، لأن المسبحة إن انفرطت فإن المنطقة في طريقها للتقسيم وهي تتعرض للمخاطر التي تهدد وجودها لصالح إسرائيل الداعمة لاستقلال إقليم كردستان وانفصاله عن العراق ضمن مخطط مرسوم للمنطقة.

 

وهنا يمكنني القول إن غياب الصحوة العربية لخطورة مستجدات الأحداث يقرع جرس الخطر، خاصة وأن إسرائيل تسعى للهيمنة على مقدرات المنطقة والاستحواذ عليها، فإسرائيل تهدف للوصول إلى قلب العالم العربي بتكريس وجودها وقواعدها الإستخبارية في كردستان ما يجعلها على حدود إيران مباشرة وفي قلب وعمق الجزيرة العربية وعلى حدود سوريا، لذلك أبلغت إسرائيل الولايات المتحدة الأمريكية بأن الاستقلال الكردي أمر مفروغ منه، وأن إسرائيل ستكون أول من يعترف بالدولة الكردية إذا تم إعلانها.

 

وأخيراً ربما أستطيع القول إن الخيار الوحيد حالياً أمام الشعب العراقي في الوضع الراهن الابتعاد عن التعامل مع الغرب وخاصة أمريكا، وتشكيل حلف عسكري وسياسي مع سوريا ودول الجوار المستعدة لتقديم الدعم لمواجهة عدو يدعمه من يُظهر خوفه على مستقبل العراق والمنطقة، وهو في ذات الوقت يسعى لإضعاف الدولتين السورية والعراقية في المنطقة.

 

* د. خيام محمد الزعبي: كاتب وباحث سوري متخصص في العلاقات الدولية، khaym1979@yahoo.com

إقرأ أيضا