إنها حرب المياه!

يستشرف الإستراتيجيون حينما يتحدثون عن منطقة الشرق الأوسط أنه بعد نضوب النفط فان حروب تلك المنطقة ستتركز في المياه. وبالرغم من أنهم أصابوا في التوقّع، في المجمل، فإنهم أخطؤوا التوقيت، لأن حروب المياه قد بدأت حتى قبل نضوب النفط!

وما فعلته المجموعات الإرهابية في الفلوجة قبل أيام حينما قطعت نهر الفرات يأتي في صميم تلك الحرب، خصوصا وان نهري الفرات ودجلة يعتبران المصدرين الرئيسين للمياه إذا ما استثنينا مياه الأمطار.

ومع أن القوانين الدولية تنظّم آليات الاستفادة من الأنهار المشتركة، إلا أن الفوضى السياسية التي اعتادت عليها منطقتنا المريضة لا تمنع من استخدام ملف المياه وتوظيفه لأغراض سياسية وهي ورقة غاية في الخطورة.

إن قطع المجموعات الإرهابية في الفلوجة لسدة الفلوجة على نهر الفرات في محاولة لتوظيف ملف المياه بهذا الشكل الصارخ، قبل توظيفه عسكريا لحسابات المعركة، يمثل فرصة مناسبة جدا لطرح أسئلة جوهرية تتعلق بصميم مستقبل العراق في حالة بقي موحدا أو حتى إن تم تقسيمه إلى دويلات؛ هل وضعنا في تصوّرنا يوما ما، ولو بخيارات محدودة، ما الذي سنفعل لو واجهتنا أزمة كارثية كما هو الحال مع قطع مياه الفرات؟! ما البدائل التي وفرتها الدولة لمعالجة أزمات من هذا النوع؟!

ذات الأسئلة وغيرها توجّه إلى المطالبين بـ\”الإقليم السني\” والمدافعين عن تلك الفكرة المشروعة دستوريا؛ كيف يتسنّى لهم ضمان عدم تكرار ما حصل في الأيام الماضية؟! إن ما حصل يؤكد المخاوف التي يتحدث عنها الرافضون لفكرة الإقليم رغم قناعتهم بدستوريتها، وذلك خوفا من كارثة على غرار قطع نهر الفرات، خصوصا مع احتمال سيطرة القوى المسلحة على زمام الأمور في أي لحظة. القصة ذاتها تتكرر ربما مع سيناريو التقسيم، كما أن الأمر لا ينطبق على سدود المنطقة الغربية، فسد دوكان لم يكن بعيدا عن الحسابات السياسية حتى وقت قريب! 

على شرف كارثة نهر الفرات أيضا ربما من الواجب التذكير للمرة الألف بان (داعش العراق) هي واجهة بعثية \”صدامية\” بوضوح تام، وقطعها لسدة الفلوجة عن شط الفرات ما هي إلا سياسة قديمة مارسها نظام صدام حسين في مطلع التسعينيات. ولمن لم يعاصر تلك المرحلة، ومن لم يذق مرارة هذا العقل الهمجي فليشاهد بنفسه ما يحصل.

على شرف ذات الأزمة أيضا فليشاهد المواطن العراقي الصراع السياسي بين الكتل السياسية إلى أي بؤس وصل. نخبة سياسية انتهت صلاحيتها تماما. لا أحد يبدي ردة فعل بشأن تلك الكارثة التي تخص الجميع، وذلك خوفا من أن يوظفها لصالحه أحد منهم!
gamalksn@hotmail.com

إقرأ أيضا