احتفاء شخصي بصديقي الشاعر سلام صادق وفاءً لجمال القصيدة.

\”كل مثقف في المهجر إنسان أبتَر\”.

استرعت انتباهي، هذه الجملة، في أول زيارة لي قبل أكثر من عشرين عاماً لصديقي الشاعر سلام صادق إلى داره الكبيرة في الريف السويدي. الجملةُ هذه من لوحةٍ مؤطرة بزجاج ومعلقة على الحائط في الزاوية المفضلة للكتابة عند سلام. التي دونها عالم الإجتماع الألماني أدورنو، ونصُّها:

\”كل مثقف في المهجر انسان أبتر، ولا أحد يستثنى من ذلك. ويحسن به أن يعترف بذلك في قرارة نفسه، إذا ما ابتغى تفادي وحشة اكتشاف ذلك بكل قسوة، وراء جدران كرامته، فهو يعيش في بيئة مستغلقة عليه، ومهما تضلّع في معرفة التنظيمات النقابية وحركة سير السيارات فسيبقى على الدوام تائهاً، ذلك أن بين إعادة انتاج أسباب عيشه في ظل احتكار الثقافة الجماهيرية، والعمل الجدّي المسؤول ثمة فجوة سحيقة مستحيل عبورها. فقد صودرت لغته واستنزف نسغ البعد التاريخي الذي كان يغذي معرفته. وتشتد وطأة العزلة عليه بتكوينه مجموعات مغلقة وخاضعة لرقابة سياسية، لاتثق باعضائها، وتعادي كل من يوصم بالاختلاف.

\” TH.W.ADORNO

سألتُ سلام: هل تؤمن بجملة اودرنو هذه ياصديقي؟ رفع رأسه يتأمل اللوحة ـ النص. نبحَ \”شَسْتَر\” الكلب الوفي الذي يعيش مع الشاعر في ذاك الريف الأعزَل. ضحك سلام. قال: نباح \”شًسْتَر فيه بعض من الموافقة. نباحهُ نباحٌ حق.
اللائحة ـ اللوحة، مازالت معلقة على حائط مكتب الشاعر سلام صادق منذ ثلاثة عقود.
لوحة اودرنو ،هذه، بُرْجي. يقول سلام صادق. بُرْجي الذي اصطفيته منذُ وضعت أولى خطواتي في المنفى. أنا أعلقها كأيقونة أو ناقوس تذكيرٍ لي كلما سهوت أو راودني الحنين إلى السماءُ الأولى \”وأثقل ُ سماءٍ تلك التي لاتطيرُ فيها\”.

القصيدة في العُزلة، بتْراء، ياصديقي سلام.
وعزلةُ الأبتر، فتنة.
نكتبُ القصيدة لتفادي الوحشة.
هكذا قُيِّضَ للمثقف أن يعيشَ البَتْر في المنفى
إثمٌ لم نخترهُ بإرادتنا..
لاوعْدَ في الفِرْدَوْس.
الفردوسُ قصيدتنا،
ياصديقي سلام.

مختارات من ديوان \”ايقونات عارية\” للشاعر سلام صادق:

إلى أبي:
              أغادرتَ حقًّا
              وما أورثتَني شيئاً
              حسناً ..
              إلى أين تمضي بتلك الأحزان؟
              عطشٌ يُميتُ ورافدان.

****

كنتُ يدَ الرحيل
وانتهاء الحكاية
كنتِ بدءَ الحكاية
وانتهاء الرحيل
أيقونة الصبر الجميل.

******

من يأتيني بالحبر
فقد نضبَ دمي؟
واستقوى مدُّ اليرقانِ
على قلمي.

   ****

المرأة أدعوها كما المنافي
فتؤثر التجافي
والأرض أكنيها بأسماء آبائي الحُسنى
فلا تعبأُ بي.

   ****

حال القوم:
وأمَّا عنهم فأحدِّثُ ولا حَرج
قومٌ نسيجَ وحدهم
فالذي درى كأنما ما درى
والذي ما درى افترى
والذي قدَّرا
ماعرف البتة ما جرى
ثم انبرى مُشمِّراً
وفجأةً تناهبتهُ القَهقرى
خطوةٌ إلى أمام
وعشرٌ إلى ورا!

      ****

مرَّة أشرتُ لخطويَ الواضح خلفي
فقالوا أنتَ تُشير إلى نفسكَ
وحين أشرتُ إليهم
قطَّعوا لي أصابعي.

إقرأ أيضا