ارفعوا أيديكم عن سوريا… إنها وطن لأبنائها وليس ساحة لصراعاتكم

تعد سوريا \”رمانة الميزان الإستراتيجي العربي\” لموقعها الجغرافي المتميز من جهة، ولرعايتها دعوة القومية العربية، سواء على مستوى الفكر أو الحركة من جهة ثانية، ولرفعها لواء المقاومة والممانعة ضد المشروع الإسرائيلي المدعوم من الغرب من جهة ثالثة.

 

فلو توقفنا  قليلاً، وتأملنا فيما يحدث من قتل، وتدمير، وتخريب وما أصاب العراق، وليبيا الخضراء واليمن ومصر وتونس والسودان والصومال، واليوم في سورية نكتشف أن الوطن العربي يتعرض لمؤامرة كبيرة تهدف إلى تمزيقه، والسيطرة على مقدراته من قبل الطامعين وتحويله بالكامل لمستعمرات قواعد غربية، ونرى أيضاً أن هذا التغيير المصطنع من قبل الغرب بمساندة من وكلاء لهم بالوطن العربي كان ضرورياً على الغرب فعله لكي تبقى الشعوب العربية منهكة ومشتتة لعشرات السنين وتثبت هيمنة المستعمر.

 

ما من مرة تدخّل الخارج في دولة إلا وعبث فيها ومزق مكوناتها وأثار فيها الحروب والفتن، هذا الخارج يغتنم الفرصة عند أية أزمة داخلية في بلد ما كي يحقق مصالحه وإستراتيجياته، ويدخل طرفاً ضد طرف آخر، ويقدم ما يلزم من دعم لمن يؤيد، ضد طرف آخر يلقى دعماً موازياً من خارج آخر، فالأزمات التي تواجهها العديد من الدول العربية حالياً، لم يكن لها أن تتفاقم على ما عليه من اقتتال وفتن، وتتحول إلى ساحات للمواجهات الدموية وانتشار للأفكار التكفيرية والإرهابية، وإلى معاقل للمرتزقة، لولا يد الخارج التي تجد عوناً لها في الداخل يعمل في خدمة هذا الخارج معتقداً أن الخارج يحقق له مصالحه، ويغيب عن باله أنه مجرد أداة يتم استغلالها، وعندما تنتهي صلاحيته يتم التخلي عنه.

 

ففي سوريا عمل الخارج في تفجير أوضاعها وتهديد وجودها وكيانها، فتحولت إلى مركز للفوضى، والقتل، والتشتت ومستنقع خصب لمطامع المستعمر يغرس فيها أنيابه وينهش في لحمها كما يشاء.

 

لا يختلف معي أحد في  أن المرحلة الحالية التي تجتازها الأمة العربية هي من أخطر المراحل التاريخية في حياة العرب وأكثرها تعقيداً، فالغرب الاستعماري انتقل بخططه وسيناريوهاته من حالة التجزئة القومية إلى حالة التجزئة القطرية، أي تفتيت وتجزئة المقسم إلى دويلات طائفية وعرقية ومذهبية بالعمل على تفجير الأقطار العربية النازفة، واختراق الهوية الوطنية لحساب الولاءات والهويات البدائية التي تشكل الإستراتيجية المرحلية التي تفتك بجسد وروح الأمة من أمراض، مثل الجهل والتخلف والانقياد وراء العصبيات الضيقة.

 

وفي هذا الإطار فان أمريكا في مشروعها للشرق الأوسط الجديد تبحث عن تحقيق هدف واحد وهو أمن إسرائيل وترسيخ وجودها على حساب الدولة السورية ومصالح الشعب السوري كما حصل في العراق، وبالتالي فإن أمريكا تسعى من وراء تآمرها على الدولة السورية إلى محاولات الانتقاص من السيادة الوطنية السورية لأكثر من هدف ومصلحة في ذلك، وهي في هذا تسعى لتوفير البيئة الحاضنة لنشر الفوضى الخلاقة في العالم العربي وتحقيق الأهداف المرجوة لمخططها للشرق الأوسط الجديد. لذلك جندت أمريكا عبر حلفائها الآلاف من المسلحين الذين تم إرسالهم إلى سوريا في مهمة قتل وتدمير الشعب السوري ضمن محاولة شطب وتدمير الدولة السورية وإخراج سوريا من المعادلة الإقليمية التي قد تهدد إسرائيل مستقبلاً.

 

ومن هنا أرى أن استمرار شلال الدم في سورية هو مصلحة أمريكية إسرائيلية فالجانبان يريدانها مقسمة وملغاة من دورها في الصراع العربي الإسرائيلي حتى ينجح مشروع الشرق الأوسط الكبير ضد الوجود العربي والقضاء على فكرة القومية العربية وإبقائها خاضعة للهيمنة الصهيوأمريكية.

 

الحرب على سورية لها آثار مدمرة متى اشتعلت واستعرت لأن هناك أكثر من جهة تريد أن تثبت وجودها في المنطقة سواء على الصعيد العسكري أو السياسي، وأن هذا العدوان سيكون كارثياً على مستقبل الأمة العربية وعلى سورية التي لن يغيب عن أذهان أبنائها أن من يعدون الحرب على فلسطين والعراق ومصر و.. هم أنفسهم من عادوا الإرادة الوطنية في سورية، وأن سياسة التخبط والتردد التي اتبعتها الولايات المتحدة الأمريكية فشلت في هزيمة الشعب السوري من خلال توجيه بوصلة حب الوطن ضد كل ما تقوم به واشنطن ومحاصرة كل مغامرة تؤدي إلى ضرب هذه الوحدة وزعزعة السلم الأهلي.

 

وأخيراً ربما أستطيع القول: إذا كان الخوف يتجلى اليوم لدى العرب مما آل إليه الوضع في سوريا، بعد اشتداد عود الإرهاب واتساع خطره، فإن الخدمة التي يمكن أن تسدى لهذا البلد العربي هو أن يرفع الجميع أيديهم عنه، ويتوقفوا عن التدخل في شؤونه، وأن يتم تبني مقاربة حل وطني توافقي فيه يجمع ولا يقصي أحداً، وأن يجرى اتفاق على إنهاء ظاهرة الميليشيات المتفاقمة، وأن تعود سوريا لأهلها، لا أن يظل السوريون غرباء في بلادهم.

 

ولابد من وقف كل أشكال الدعم الغربي للتنظيمات والمجموعات التكفيرية في سورية ووقف دعم الإرهابيين بالمال والسلاح، وإلغاء جميع العقوبات المفروضة ضد سورية التي أضرّت بالشعب وضربت قوته ومستقبله وهجّرت أبناءه بعد أن كان نموذجاً عالمياً في السلام والاستقرار والأمن والتآخي والتعايش بين الأديان ومهد الحضارات. 

 

وفي النهاية آمل أن يعود السلام إلى أرض السلام التي حوّلها الغرب وحلفاؤه إلى أرض للحديد والنار والقتل والدمار والذبح والخطف، باسم الحرية وهو أبعد الناس عنها.

 

* د. خيام محمد الزعبي: كاتب وباحث سوري متخصص في العلاقات الدولية، Khaym1979@yahoo.com

إقرأ أيضا