اكتشافات الجلبي: لماذا لم يُطَحِ المالكي؟ 2-4

يعلق الزميل الصحافي على رأي أدلى به النائب أحمد الجلبي حول موضوع الانهيار الأمني الشامل في العراق فيقول إنّ (الجهات الأمنية الحكومية قالت بأنّ الهاشمي والعيساوي وراء الأمر)، أي وراء الفشل والانهيار الأمني. ومع أن هذا التعليق الاعتراضي مصوغ بطريقة غير دقيقة أو مبالغ فيها، فلم نسمع طرفاً أمنياً قال ذات يوم بأنّ الهاشمي والعيساوي هما وراء التدهور الأمني الشامل، بل كان جميع من هم في كابينة المالكي أو على مقربة منها يكررون أسطوانة ذاتها \”القاعدة والبعث الصدامي وراء هذه العمليات\” متناسين دور جهات مخابراتية أجنبية أخرى منها تحديدا الأميركية والإسرائيلية والإيرانية والتركية والسعودية، دون أنْ يعني استدراكنا هذا تبرئة القاعدة والبعث الصدامي طبعا. أما الهاشمي والعيساوي فقد ورد ذكرهما في سياق حوادث أمنية أو سياسية محددة ومؤطرة في قضايا قديمة نسبياً ومعروضة على القضاء. 

ردا على هذا التعليق الاعتراضي، يقول الجلبي (وين أكو هيچ شي؟ فالموضوع أكبر من هذا) ولا جديد هنا فالأمر فعلاً وواقعاً أكبر من حصر الموضوع بقضيتي الهاشمي والعيساوي، ولكنه قد يعني أيضا تبرئة مجانية لهما. ويمر الجلبي مرورا عابراً وسريعاً على عدم استفادة الأجهزة الأمنية من طريقة التنصت على الاتصالات العامة بين الناس، وينتقد عدم وجود نتائج مفيدة من تحليلها إذا كانت تحلل فعلا، ولكنه، مع ذلك، ينكر معرفته بقيام الحكومة بعمليات تنصت على المواطنين نفياً مضحكاً حين يرد على الصحافي الذي سأله (هل تعني أن كل مكالماتنا خاضعة للتنصت من الحكومة؟) يرد الجلبي ردا عجيباً ينفي فيه بطريقة الإثبات كمن يقول (لا، طبعا، نعم!) فيقول (لا أدري بالضبط، لكن هناك تقنية رصد متطورة، دونما نتيجة عملية). أهي حزورة من النوع العويص؟

لا بل أن الجلبي يزايد على أساليب الحكومة الاستخباراتية واللادستورية كالتنصت على اتصالات المواطنين فيدعو الى تعميم أسلوب التجسس والتنصت بأحدث الأجهزة وعلى أوسع نطاق، ومثاله وإمامه الذي يقتدي به في ذلك هي أجهزة الاستخبارات والتنصت التي تنتجها شركات آسيوية أو أميركية إذ يبدو أنه مطلع بشكل جيد على تجربتها فيقول (هناك شركات آسيوية تبيع هذه التقنيات التحليلية، فهل جرت الاستعانة بها؟ ان نتائج التحليل غير موجودة. نحن كما يبدو نقوم بالتسجيل لكن لا نتولى معالجة المعلومات، بينما اميركا وغيرها يضعون التجسس كأساس في مكافحة الارهاب \”…\” لدى اميركا اليوم مركز سيفتتح قريبا في ولاية يوتاه \”يوتا\”  يمكنه خزن 4 مليار مكالمة يوميا، وعلى مدى قرون). وسيعود الجلبي لموضوعه المحبب، تعميم التجسس حين يتحسر على ضياع شبكات الجواسيس التي بناها المحتلون الأميركيون في المناطق الغربية وعلى إهمال الخبرة التي جمعها بترايوس في كتابه \”مكافحة العصيان\” ونال عليها رتبته العسكرية الرفيعة!

ينتبه الزميل الطائي إلى إصرار الجلبي على حصر الكلام في الجانب الفني للمشكلة فيوجه له سؤالاً مباشراً يقول (هذا حديث عن الجانب الفني من الموضوع، ماذا عن أخطائنا السياسية التي تقود الى كارثة؟)

ولكن الجلبي يزوغ ويروغ من هذا السؤال ويعود إلى نهجه، وها هو يحصي الخسائر الجانبية حيث المواطن (البغدادي، وبسبب نظام السيطرات، يخسر كل يوم أربع ساعات تقريبا من حياته في التنقلات الروتينية من والى محل عمله) كما يتحفنا الجلبي بمعلومة لا ندري مقدار صحتها لكنها غير مستبعدة في مناخات الحرمنة والنهب الشامل مفادها أنّ (ملف جهاز السونار لكشف المتفجرات هو من أغرب الملفات في العراق، ولا نعرف حتى الآن كيف دفعنا ثمنه، إذْ لا يوجد اعتماد في المصارف، و..لا يوجد تفسير علمي لمبدأ عمل هذا الجهاز. هذه فضيحة بكل المقاييس).

وفي أقسى نقد يوجهه أحمد الجلبي لزملائه الذين يقودون العملية السياسية الفاشلة، وتحديدا لرئيس مجلس الوزراء نوري المالكي فيقول (ان من يتخذ هذه الاجراءات الخائبة منفصل عن الواقع وليس لديه اي احساس بالناس، وهذه أمور تثير النقمة ولا تصنع الأمن…) معترفا في لحظة صفاء أو زلة لسان بواحد من أسباب الفشل الأمني فيقول (لقد اعتمدنا عنصر الولاء وفضلناه على الخبرة، وصار فشل الموالي أكبر من خطر الكفء الذي ليس لديه ولاء للنظام السياسي). وبمقدار ما يستأهل الجلبي الإطراء على اعترافه هذا، غير أن من الضروري إنعاش ذاكرة النسائين؛  فالجلبي هو أحد زعماء المليشيات التي تدعى \”قوات العراقيين الأحرار\” تدربت عناصرها في هنغاريا تحت إشراف وتمويل المخابرات المركزية الأميركية وقامت طائرات الاحتلال العمودية سنة 2003 بإبرارها في جنوب العراق للقيام بأعمال جمع المعلومات والسيطرة وملء الفراغ التي يولدها انهيار وتلاشي قوات نظام صدام حسين، كما شاركت هذه المليشيات في الاقتتال الطائفي البشع في سنوات الجثث 2006 وما بعدها، ثم دمجت في القوات الأمنية أسوة بالمليشيا الأخرى الشيعية والسنية والتي تم امتصاص كوادرها ومقاتليها من قبل أجهزة أمن حكم المحاصصة تحت عنوان \”الدمج\”.

يطرح الصحافي سؤالاً كبيراً آخر على الجلبي يقول (أنتم جميعا اليوم معترضون – على المالكي؟ – في التحالف الوطني وخارجه، وتعجزون لأن المالكي هيمن على ملف الأمن ولا يسمع النصائح، وعجزتم حتى عن إقناع أميركا وإيران بالتدخل لتخفيف الخطر. كيف سينتهي؟) ومع احترامي لطريقة الصديق والزميل سرمد الطائي في طرح وصياغة أسئلته ولكني أعتقد أنَّ تطويرا مهما ينبغي إجراؤه ليكون السؤال منتجاً، يبحث عن سبب فشل خصوم المالكي المتحدين في \”جبهة أربيل\” في جمع أغلبية نيابية تطيح حكومته، وليس في فشلهم إقناع إيران وأميركا بالتدخل لصالحهم. وإذا ما كان السؤال هو هذا، فهل نجد الإجابة عنه في سيطرة المالكي على الملفات الأمنية؟ لا نعتقد بصحة هذا الجواب، دع عنك أنه يعني أنّ جميع من عارضوا المالكي \”خائفون\” على رؤوسهم، ويعني أيضاً أنهم رضوا بدكتاتورية فتية قبل انتصارها وخانوا منتخبيهم. غير أن الجواب ليس هنا، كما أنّ السؤال ليس هذا. لنجرب حظنا ونسأل: إذا كنتم جميعاً تعترضون على سياسات المالكي وطريقة أدائه وتعرفون بأنه لا يصغي لنصائحكم وانتقاداتكم فلماذا لم تصوتوا ضده وتسقطوه في البرلمان؟

الجلبي لم يجب عن سؤال الصحافي وزاغ كعادته إلى سؤال آخر لا علاقة له بالموضوع، وهو لن يجيب عن سؤالنا المعدّل يقينا، لذلك يقترح كاتب هذه السطور جواباً من عنده: رغم أنَّ الأغلبية الساحقة من ساسة وأحزاب العملية السياسية الطائفية تعترض على سياسات المالكي وتعاديه، سواء فشلت سياسياته، وما أكثر فشله، أو قدَّم أو حاول تقديم بعض الإنجازات المهمة لأن المعارضة للمالكي تعتبر تلك الإنجازات دعاية انتخابية لمصلحته ومصلحة كتلته (لنتذكر مشروع الخدمات وبناء مليون وحدة سكنية لمحدودي الدخل الذي اقترحته الحكومة وعطّله البرلمان كمثال)، ورغم أنه تمادى كثيراً في التفرد والهيمنة على الملفات المهمة، كما يزعم خصومه، ولكن هؤلاء المعارضين والمعادين للمالكي لا يجرأون على إطاحته وإسقاط حكومته لأنهم جزء عضوي من اللعبة السياسية، وبسقوطه تسقط اللعبة كلها. يمكننا أن نضع اليد على السبب فهو كامن في طبيعة التصميم الأميركي لنظام الحكم العراقي الحالي والذي هو على هيئة المتاهة التي لا يمكن لمن يدخلها أنْ يخرج منها إلا بتدميرها أو بتدميره، وتدميرها يفقد جميع الأطراف المتشاركة في الحكم الطائفي العرقي حصصها من المغانم والامتيازات والمناصب ويعود بهم إلى نقطة الصفر حيث الأمور ليست مضمونة الاستمرار على منوال المحاصصة الطائفية والعرقية.

لنتذكر هذه الواقعة: حين تصاعدت لهجة \”جماعة أربيل\” المؤلفة من التحالف الكردستاني وقائمة \”العراقية\” والتيار الصدري، وقالوا إنهم جمعوا أكثر من 163 صوتاً كافياً لإسقاط المالكي في نيسان/ أبريل من السنة الماضية، ذكَّرهم أحد مستشاريه بأنّ ممثليهم في رئاسة الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء سيسقطون أيضا وسيعاد النظر بوجودهم! هنا، تحرك الوسطاء السريون ومورست الضغوط الإيرانية والأميركية على اللاعبين حتى سقطت ورقة سحب الثقة وبشكل مهين، وسقطت وإلى الأبد معها هيبة قائمة \”العراقية\”، إن كانت لها بعض الهيبة، فتشرذمت منذ ذلك الحين وتحولت الى قوائم وكتل، ومات سياسيا زعيمها علاوي فاقتسم الزعامة النجيفي والمطلك، كلٌّ حسب مقاعده، إذْ لم يعد لوجوده مبرر سياسي أو قوة يمثلها بعد أن تفرقت القوى الأخرى كأيدي سبأ، ولم يسلم من هذا المصير زعماء آخرون من جماعة أربيل، فطالباني انتهى هو وحزبه الى كارثة انتخابية وغربت شمسه السياسية نهائياً وقد تنشغل عائلته بإدارة ما جمعته من ثروات هائلة مستقبلا، ومقتدى الصدر لا يزال يراوح بين الاعتزال والعودة عن الاعتزال وكثُرٌ من المراقبين والمحللين حتى المتعاطفين منهم معه، يسجلون تراجع نفوذ وكثافة وحضور تياره حتى في بعض معاقله التقليدية. أما المالكي وكتلته فقد حلّت بها كارثة انتخابية في الانتخابات المحلية الأخيرة قد لا تقل فداحة عن تلك التي حلت بحزب طالباني ولم ينجح مستشاروه برمي المسؤولية على كتف المسكينة \”سانت ليغو\” التي احتسبت بموجبها الأصوات ووزعت على الفائزين! 

إن موت العملية السياسية الطائفية وتعفنها هو الذي أدى إلى هذه النتائج والمآلات للقوى والشخصيات السياسية المشاركة فيها ولا حل هناك إلا بحلها!

يتبع قريبا.

* كاتب عراقي

إقرأ أيضا