الإدارة البدائية للنفايات والمخلفات الطبية في بغداد.. خطر آخر يهدد السكان

لا يجد يوسف سلام (34سنة) مع زوجته وولديه الفتيين، من وسيلة لتوفير قوت يومهم، سوى النبش في تلال النفايات التي تحيط بمدينة النهروان، جنوب شرق العاصمة بغداد، حيث يقطنون، وإخراج ما يتسنى لهم بيعه من مواد بلاستيكية ومعدنية.

“هذا عملنا، نجمع كل ما يصلح لإعادة التدوير، ثم نبيعه بالوزن لوسطاء أو عاملين في معامل التدوير”، يتطلع إلى مجموعة من النساء والشبان المنهمكين بالبحث على مسافة قريبة منه:”كلنا تقريباً نعاني من أمراض جلدية أو صدرية.. نعرف ان هذا يشكل خطراً على حياتنا لكن ما من سبيل آخر أمامنا للعيش”.

يرفع كم قميصه المتهرئ كاشفاً عن ذراعه الذي بدا متقرحاً في بعض الأجزاء:”أخبرني أطباء في المركز الصحي هنا، وكذلك طبيب معروف راجعت عيادته، أنني مصاب بالأكزيما بسبب ملامسة النفايات الطبية التي كثيراً ما أجدها هنا”.

ويعدد أنواعها:”حقن وأنابيب وأكياس مغذيات السيلان وكانيولات وعلب أدوية وأغطية وغيرها كثير”. ولأنه يعمل بيديه المجردتين كما هو حال الغالبية العظمى من جامعي النفايات في النهروان، فإن العدوى قد انتقلت إليه.

وفق شهادات عاملين بالمؤسسات الصحية ونشطاء بيئيين ومسؤولين حكوميين، فان أطنان من النفايات الطبية الصلبة التي تطرحها المستشفيات والمؤسسات الصحية الحكومية والأهلية والعيادات الطبية بشكل يومي، تجد طريقها إلى مناطق الطمر المختلفة التي تعتمد طرق تقليدية في التخلص من نفاياتها أشهرها عبر الطمر لتتغلغل في التربة وتختلط بالمياه الجوفية.

وتوجد في بغداد منطقتا طمر رئيسيتين حاصلتين على الموافقة البيئية، تقع واحدة بمنطقة النباعي بجانب الكرخ، والثانية بالنهروان بجانب الرصافة.

تتسع كل منهما وفقاً للخبير البيئي د.ابراهيم السوداني، لجزء محدود من النفايات التي تطرحها العاصمة، والتي تصل الى 10 آلاف طن يوميا بحسب أرقام رسمية، فيما تنتهي الأخرى الى عشرات مناطق التجميع والطمر المختلفة غير الحاصلة على الموافقات البيئية، ولا تعتمد الطرق العلمية في التخلص من النفايات.

عدا التلوث البيئي الناتج في تلك المطامر، هناك تلوث آخر ينجم عن “حرق المخلفات الطبية” في المؤسسات الصحية بما تصدره من إنبعاثات غازية يؤكد متخصصون خطورتها على الصحة العامة، فضلا عن المخلفات الصحية السائلة التي تتسرب من المؤسسات الصحية عبر قنوات صرف المجاري إلى الأنهر مباشرة بما فيه دجلة في ظل عدم امتلاك المستشفيات وحدات خاصة لمعالجتها.

مخلفات ونفايات طبية صلبة

يشير منتظر منصور، وهو طبيب صحة عامة، إلى أن معدل النفايات يتراوح بين 4.8 الى 4.2 كلغم لكل سرير في اليوم، بينما تشير مصادر أخرى الى أرقام أقل من ذلك.

ووفقاً للموجز الإحصائي لسنة 2022 الصادر من وزارة التخطيط فأن هنالك 295 مستشفى حكومي من أصل 450 مستشفى في عموم العراق، وفي العاصمة بغداد وحدها، هنالك 105 مستشفى حكومي وخاص و 463 مركزاً صحياً، ولو كان معدل الأسرة 50 سريرا لكل واحدة من هذه المستشفيات، سيكون هنالك 5250 سريرا في بغداد وحدها، وإذ ضرب بمعدل التوليد اليومي للسرير الواحد من النفايات وبافتراض انه 4 كيلو غرام سنكون أمام 21 طنا من النفايات الطبية في العاصمة وحدها.

هذا الرقم الكبير من النفايات والمخلفات الطبية الصلبة الذي تطرحه مشافي بغداد وحدها يومياً، يذهب الجزء الأكبر منه الى تلك المطامر، وفق خبير صحي طلب عدم الإشارة إلى أسمه، يضاف اليها ما تطرحه المراكز الصحية والمختبرات الصحية الخاصة والعامة وعيادات الأطباء والممرضين التي لا تملك محارق “والتي تساهم جميعا بتلويث البيئة بمواد خطرة”.

ويؤكد الخبير أن التخلص من تلك الكميات الكبيرة من النفايات يومياً، لا يتم بنحو سليم “لا تفرز النفايات الطبية الخطرة عن الأخرى في الكثير من المستشفيات، وفي البعض منها، تخلط النفايات الطبية مع المخلفات والنفايات العادية، وضررها قد يصيب العاملين أنفسهم في المؤسسات الصحية، وكذلك عمال النظافة في القطاع البلدي وأولئك الذين ينبشون النفايات والسكان القريبين من مناطق الطمر الصحي أو تجمع النفايات”.

هناك في وزارة الصحة من يخالف ماذهب إليه الخبير الصحي بشأن حجم المخلفات الطبية لكل سرير، وتؤكد مصادر في الوزارة بأن المخلفات الطبية الناتجة عن كل سرير تبلغ فقط 0.5 كيلوغرام، لكنهم لا ينفون بأن مجموع الكميات يكون كبيرا على أية حال.                                                                     

نحو 20 طنا من النفايات الطبية تخلفها يوميا مستشفيات بغداد جزء كبير منها لاتعالج في المحارق

منطقتا طمر صحي ببغداد!

وفقا للموجز الإحصائي لوزارة التخطيط لسنة 2022 فأن هنالك فقط 74 موقع طمرٍ صحي حاصل على الموافقة البيئية في عموم العراق ماعدا أقليم كردستان، مقابل 146 موقع طمر غير حاصل على تلك الموافقة.

وزارة البيئة وعلى لسان مدير البيئة الحضرية فيها لؤي صادق، تؤكد أن “30٪ فقط من مطامر النفايات في عموم العراق مطابقة للمعايير البيئية وأن أكثرها متهالكة لمضي أكثر من 40 سنة على انشائها”، في حين يشير مدير قسم الرقابة وتقييم الهواء والضوضاء في الوزارة علي جابر الى أن العراق يمتلك موقعين نظاميين فقط للطمر الصحي أحدهما في كركوك والآخر في البصرة.

وتؤكد مصادر من البلديات والأشغال العامة أن أعداد المطامر غير المصرح بها بيئياً زادت في 2023 لتبلغ 169 موقعاً، وفيما يتعلق بالعاصمة بغداد، تشير أمانة بغداد الى وجود منطقتين للطمر الصحي تخضعان لرقابة وزارة البيئة في (النباعي بجانب الكرخ والنهروان بجانب الرصافة) وأن هنالك مشروعاً للطمر الصحي في منطقة ألبو عيثة حديث الإنشاء.

وأكد موظفون في الأمانة، أن هنالك مكبات نفايات عشوائية ينشؤها المواطنون بأنفسهم، وهي غير مرخصة بيئياً وعددها غير محدود، وتشكل خطورة على الصحة العامة، لما قد تحتويه من نفايات خطرة، الطبية من بينها.

الناشط البيئي علي سعيد، يعتقد بأن المخلفات الطبية تسبب العديد من الأمراض من بينها السرطانية، ويقول بأنه على علم بعشرات الحالات المرضية بسببها، وقال بأن الجهات الرسمية الحكومية “لم تتحرك مطلقاً لمعالجة المشكلة” حسب تعبيره.

ويلفت علي سعيد، بأن عائلات فقيرة تعتمد على ما يلتقطه أفرادها من أماكن تجميع النفايات ولا يتخذون أية وسائل حماية لوقاية انفسهم من خطرها، فيكونون عرضة لأمراض أقلها الجلدية والتنفسية.

يؤيد موظفون من قطاع الرعاية الصحية الأولية في منطقة النهروان، ما ذهب إليه الناشط البيئي علي، ويؤكدون بأن ملامسة النفايات الطبية أمر خطر لأنها تحتوي في الغالب على ميكروبات وفايروسات سريعة الإنتقال والإنتشار، فضلاً عن المواد الكيماوية الخطرة بالنسبة للإنسان.

العديد من الموظفين في المؤسسات الرسمية الصحية وغير الصحية، ممن تواصل معد التحقيق معهم، حذروا وبعبارات جازمة من مخاطر تلك النفايات، لكنهم طالبوا كما سابقيهم بعدم الإشارة إلى أسمائهم وعناوينهم الوظيفية خشية التعرض لعقوبات إدارية من مراجعهم.

لمواجهة تلك المخاطر، يؤكد موظفون صحيون في منطقة النهروان حيث مكب النفايات، أن قطاعهم يحرص على تقديم محاضرات السلامة المهنية والبيئية للعاملين وكل من له احتكاك مباشر بالمخلفات الطبية كموظفي المستشفيات، وعمال النظافة في أقسام الطوارئ، وعمال البلدية وحتى الأشخاص ملتقطي النفايات بغرض البيع.

توجيهات السلامة التي يقدمونها تركز على متطلبات التعامل مع المخلفات الطبية كتوفير معدات الوقاية الشخصية من قفازات لليدين، وتغطية الأنف والفم وحتى العينين والأذنين، الى جانب توعية عمال النظافة بكيفية التعامل مع تلك المخلفات.

توصل معد التحقيق بعد جولة قام بها في عدد من المشافي بالعاصمة بغداد، إلى أن النفايات الطبية الصلبة التي تصل إلى المطامر، سببها عدم الالتزام بعزلها عن النفايات العادية في المستشفيات.

ممرض في قسم الطوارئ بواحدة من المستشفيات الكبيرة في العاصمة، أكد بأن الجهات الرقابية الصحية والبيئية توجه دائما بفرز المخلفات الطبية، ويتم العمل بذلك، لكنه يستدرك:”آلافٌ يراجعون المستشفى كل يوم، وهذا يولد ضغطاً هائلاً، ولاسيما في قسم الطوارئ، كما ان النفايات الناتجة عن مجمل الأعمال في أقسام وردهات ومختبرات المستشفى تكون كبيرة فيصعب فرزها جميعا”.

                                                انبعاثات المحارق الطبية

لم يحصل معد التحقيق على إحصائية دقيقة بشان أعداد المشافي والمؤسسات الصحية التي فيها محارق طبية نظامية لمعالجة المخلفات الصلبة الخطرة، لكنه تحقق من عدم وجودها في الكثير من المستشفيات التي تفقدها.

ويكشف آخر مسح بيئي لنشاط الخدمات الطبية في العراق أجري سنة 2015، وشمل 1480 مؤسسة صحية بما فيها 307 مستشفى حكومي وأهلي، أن عدد المحارق في المستشفيات الحكومية والاهلية تبلغ 195، وفي المؤسسات الصحية الأخرى 336، واعداد المداخن في جميعها تبلغ 236 مدخنة، وأعداد المرشحات الكيسية (فلاتر) فيها تبلغ فقط 45. وهذا يؤكد افتقاد أكثر من 100 مستشفى ونحو 850 من المراكز الصحية لمحارق نظامية.

مدير قسم التوعية البيئية في وزارة البيئة، صلاح الدين الزيدي، يرى بأن النفايات الطبية يتم التخلص منها بنحو آمن من خلال حرقها في محارق طبية نظامية تملكها العديد من المستشفيات الحكومية في بغداد، ويتم العمل حالياً على تأسيس محرقة طبية حديثة وبسعة أكبر في مستشفى مدينة الطب، وهي اكبر المراكز الطبية في البلاد.

لكنه يستدرك:”يتجلى الخطر الكبير للنفايات الطبية في عمل الناس على التعامل معها وفرزها”.

رداً على سؤال وجهه معد التحقيق، لموظفين في وزارتي الصحة والبيئة، أجمعت الاجابات على أن التصميم الأساسي لأي مستشفى يشترط وجود محرقة للتخلص من النفايات والمخلفات التي تجد إدارة المستشفى ضرورة لحرقها، لمنع انتقال عدوى الأمراض، وأن عدم وجود المحارق أو عدم صيانتها وتحديثها مشكلة قائمة وتقع مسؤوليتها على إدارة المستشفى.

ويشير ياسر الحمداني، مستشار اليونيسيف في العراق، إلى كفاءة محارق النفايات الطبية في المعالجة، لكنه يقر في الوقت ذاته إلى أن الأبخرة والغازات الناتجة عن الحرق تُعدُ من الملوثات البيئية والصحية التي تؤثر على المناطق المجاورة والعاملين في المستشفى، بما في ذلك الأطباء.

الخبير البيئي د. إبراهيم السوداني، يقول ان الحرق العشوائي للنفايات الطبية وعدم مراعاة ضوابط ومعايير وزارة البيئة في عملية التخلص منها ينتج عنه “أبخرة وغازات سامة مثل الديوكسينات التي تنتج عن حرق البلاستيك أو غازات أخرى حسب مكونات النفايات الطبية مثلا إن كانت مواداً عضوية فتخرج ثاني أوكسيد الكاربون أو مواداً طبية فتنتج اكاسيد الكبريت او النيتروجين أو الزئبق”.

منظمة الصحة العالمية تؤكد ذلك بتقرير نشرته على موقعها الرسمي في نوفمبر ٢٠٢٣، وأن الديكوسينات يمكن أن تسبب مشاكل متصلة بالإنجاب والنمو وتلحق الضرر بالجهاز المناعي وتتداخل مع الهورمونات وتسبب السرطان.

ذات التحذيراتها يبديها لؤي صادق، مدير البيئة الحضرية في وزارة البيئة، فيقول بأن الديوكسينات الناتجة عن الحرق العشوائي للنفايات بمختلف أنواعها هي “غازات مسرطنة وذات انشار واسع وبطيء الاندثار من الجو، والعالم اتجه نحو فحص المنتجات الغذائية وحليب الام لمعرفة تركيز الديكوسينات فيها”.

بعض سكان المناطق المجاورة للمشافي التي تضم محارق طبية، يَعرفون بتلك المخاطر. يقول، علي محسن (32 سنة) الذي يقع منزله بجوار مستشفى الشيخ زايد، في منطقة الكرادة وسط بغداد، ان أفراد عائلته يخشون كثيرا من إنبعاثات محرقة المستشفى “نشعر جميعا بالقلق الدائم من التعرض لمشاكل صحية حاضراً أو في المستقبل جراء الدخان، وجيراني أيضاً لديهم نفس القلق”.

ويناشد محسن، الجهات المسؤولة في وزارتي الصحة والبيئة، لإيجاد حل ما أو في الأقل تطمينه وجيرانه بأن هذه المحارق تعمل بكفاءة عالية ويتم متابعتها بحيث لا تشكل إنبعاثاتها خطرا قاتلا.

رد وزارة الصحة، على مناشدته، أتى من خلال المتحدث بأسمها د. سيف البدر، إذ أكد اتخاذ وزارة الصحة الإجراءات الكفلية بضمان اتباع الطرق الحديثة للتخلص من النفايات الطبية باستخدام المفارم والمحارق الخاصة، مع الالتزام بالمعايير القياسية الدولية للحفاظ على سلامة البيئة والمجتمع.

محارق متهالكة

في مستشفى الإمام علي، الواقع في قلب مدينة الصدر شرقي العاصمة بغداد، توجد محرقة قديمة للنفايات الطبية يبلغ عمرها نحو أربعة عقود، كانت تعد وقت إنشائها حلاً مثالياً لمواجهة خطر انتشارالأمراض والأوبئة، إلا أنها أصبحت بسبب التهالك والإندثار وإهمال الصيانة سبباً في التلوث، وحتى إنتشار الأمراض بحسب عاملين هناك.

ويذكر فني يعمل في المحرقة منذ أكثر من عقد، بعد تشديده على ضرورة عدم الإشارة إلى أسمه بأن التكاليف الباهظة للصيانة وصعوبة شراء قطع الغيار الجديدة نتيجة لارتفاع أسعارها، دفعت إدارة المشفى إلى إجراء صيانات مؤقتة أو بديلة. ويضيف:”أدى ذلك إلى عدم قدرة المحرقة على أداء وظيفتها بشكل صحيح”.

هذا يعني ان انبعاث غازية غير معالجة بشكل سليم تخرج من المحرقة، وبالتالي ربما تسبب في انتشار الأمراض وتلويث سماء المدينة.

وكيل وزارة الصحة والبيئة د. جاسم الفلاحي يؤكد بأن “معظم المؤسسات الطبية الموجودة في العراق الآن تفتقر أو لا توجد فيها آليات رشيدة للتعامل مع النفايات الطبية وإن وجدت فهي ليست بالكفاءة المطلوبة ومنها طريقة التقطيع Shredding والتعقيم  Autoclaveوهي الطرق المتداولة للتعامل مع النفايات”.

يعزو الفلاحي ذلك الى “تقادم البنية التحتية للمستشفيات التي شيدت منذ فترة طويلة جدا، على عكس المستشفيات الحديثة والتي روعي فيها إضافة أحدث التقنيات ومراعاة الضوابط البيئة والصحية”.

قصي محمد، المسؤول عن إدارة المحرقة في وحدة مكافحة العدوى بمستشفى الإمام علي، وهو متخصص في الطب الباطني الجراحي، يكتفي بالتحذير من خطورة النفايات الطبية، سواء الصلبة التي تنتج عن عمليات جمع النفايات أو الغازات غير المعالجة “قد تنتقل العدوى إلى أحد المتعاملين معها ومنه تنتقل الى الآخرين في المؤسسة الطبية أو خارجها”.

وينبه الى أن النفايات الطبية التي لا تحرق، تذهب الى مناطق الطمر الصحي “وهنا سيأتي دور النباشة في إخراجها وبيع ما يصلح منها للبيع، وهو أمر خطر جداً”.

وبدورها تحذر مديرة مستشفى العلوية للولادة في بغداد، الدكتورة آسان النيازي، من مخاطر المحارق الطبية المتواجدة في المرافق الصحية، وأهمية تحديثها وصيانتها، إذ أكدت بأن “انبعاثاتها الضارة تحتوي على مواد سامة وفيروسات تُسبب أمراضاً خطيرة للسكان المحليين”.

العراق الأول عربياً بمعدلات تلوث الهواء

مدير اعلام وزارة البيئة أمير علي الحسون، يؤكد بأن الغازات التي تنبعث من محارق النفايات الطبية بنحو غير سليم “تُعدُ واحدة من أهم وأخطر ملوثات الهواء في العراق”.

بينما يحصي الخبير في استراتيجيات اداره المياه ومواجهة تلوثها، حمزة رمضان، أنواع مختلفة من تلوث الهواء والتربة والمياه، المهدد للانسان والبيئة “عوادم ملايين السيارات والآليات العاملة، مولدات الكهرباء التي لا يخلو حي سكني منها والتي تعمل بالديزل، النشاطات الصناعية والبشرية المختلفة”، منبها الى ان التلوث بات يعرض حياة عشرات الآلاف من السكان سنويا لخطر الاصابة بالأمراض السرطانية التي ترتفع معدلاتها.

ويشدد على ضرورة قيام أجهزة الدولة المعنية بوضع الخطط اللازمة للحد من هذا التلوث ومعالجة مسبباتها والتي من بينها “التخلص من السوائل الثقيلة للمستشفيات بطرحها في مياه الأنهر دون معالجة، ووجود محارق طبية لايتم فيها حرق النفايات بشكل سليم”.

ووفقاً لتقرير ديوان الرقابة المالية لسنة 2018 فأن معالجة النفايات الطبية تعاني من نقص في الموارد والبنية التحتية، إذ أن 84 مستشفى من أصل 147 في بغداد والمحافظات يفتقر إلى وحدات المعالجة المطلوبة، مما يزيد من التحديات في التخلص من النفايات بشكل آمن.

عدم توفر أرقام دقيقة عن كمية النفايات الطبية التي تطرحها المؤسسات الصحية يعيق مراقبتها وتصريفها بشكل آمن

مخلفات طبية سائلة

تختلف المخلفات الطبية من مشفى أو مؤسسة صحية إلى أخرى، تبعاً للخدمات المقدمة فيها، لكن معظم تلك المخلفات تتضمن مواداً بيولوجية تُعد من أخطر الفئات، بسبب احتوائها على مزيج من الفيروسات والبكتيريا والأعضاء البشرية.

وتجد بعض هذه المخلفات وفقاً لعاملين في المؤسسات الصحية، طريقها إلى الأنهار، سواء مرت بوحدات المعالجة أو دونها، حيث لا توجد شبكات تصريف خاصة بالمجاري الثقيلة في اغلب المناطق العراقية، ولا توجد معالجة لتلك المياه قبل ان تصرف الى الأنهر.

بالإضافة إلى ذلك، هناك المخلفات الكيميائية الناتجة عن استخدام مواد كيميائية داخل المشافي. مثل النيكل والرصاص، اللذين يشكلان خطراً بناءً على استخداماتها وتعد من أهم المسببات للأمراض المسرطنة، كمخلفات التصوير الشعاعي. وجميع هذه المواد تم رصدها في نقاط المراقبة في نهر دجلة في محافظة بغداد، وفقًا للباحث في مجال البيئة والتلوث، عمار السوداني.

ويحدد موظف صحي في العاصمة بغداد، نوعية المخلفات الطبية السائلة:”المياه الناتجة عن غسل قسم الطوارئ، والتي تختلط بها مختلف أنواع البكتريا والفايروسات، وكذلك المياه الناجمة عن غسل الأدوات والمستلزمات الطبية وأيادي العاملين، وغسل المرافق والردهات وغيرها”.

ويوضح أن غالبية المشافي والمؤسسات الصحية لاتملك وحدات معالجة لهذه المياه، ويتم تصريفها عبر المجاري، لتصب في النهاية بالأنهر أو تختلط مع المياه الجوفية.

ردا على ذلك، يعود المتحدث باسم وزارة الصحة سيف البدر، ليذكر بأن المستشفيات تعمل على معالجة النفايات الطبية باستخدام وحدات المعالجة الحديثة، ويؤكد عدم وجود عمليات طرح عشوائي للنفايات في الأنهار. أكتفى بهذا الحد ممتنعاً عن إضافة مزيد من التفاصيل.

لكن تعليقات لباحثين ونشطاء بيئيين، تؤكد عكس ذلك، ويذكر تقرير لـ المرصد العراقي لحقوق الإنسان صدر في 22 آذار/مارس سنة 2023، أن مجمع مدينة الطب يُلقي بمفرده مخلفات أكثر من 1000 مريض يوميا في نهر دجلة المجاور.

وتعليقاً على سؤال وجهناه بهذا الخصوص إلى وزارة البيئة، اكتفى مدير عام دائرة التوعية والإعلام البيئي أمير علي الحسون، بالقول ان كوادرها تنفذ حملات تفتيشية على المرافق الصحية في البلاد، ومراقبة الوضع البيئي وفرز النفايات الطبية عن النفايات العادية، وتعزيز التوعية بالالتزام بالمعايير البيئية.

ولم ينكر رصد حالات لرمي النفايات والمياه الثقيلة في الأنهر من قِبل المؤسسات الصحية الحكومية والخاصة. وعن إجراءاتها ضد المخالفين، قال:”يتم ابلاغ الجهات التي رصدت لديها المخالفات ورفع تقارير الى وزارة الصحة لإتخاذ الإجراءت المناسبة”.

تأكيداً للتلويث الحاصل بغض النظر عن نوعيه، يُحمل وكيل وزارة الصحة والبيئة الدكتور جاسم الفلاحي، مؤسسات الدولة المسؤولية، قائلا ان “معدلات التلوث الكبيرة في المصادر المائية وفي الهواء والتربة تتحملها وبنسبة 95% مؤسسات ووزارات الدولة”.

سوء تعامل مع النفايات الطبية

تشير الذاكرة القانونية إلى أن العراق بذل جهوداً لإيجاد حلول للنفايات بنحو عام وبضمنها الخطرة/الطبية، إذ أنشأ الهيئة العليا للبيئة البشرية في عام 1972، وأقر قانون حماية وتحسين البيئة في عام 1986. وفي عام 2011، انضم إلى اتفاقية بازل بشأن التحكم بنقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود.

كما أن الدستور العراقي أكد أهمية الرعاية الصحية في بيئة خالية من التلوث، وفقاً للمادة (33) التي تنص على حق كل فرد في العيش في بيئة صحية، وتعهد الدولة بحماية البيئة والتنوع البيولوجي.

 ومع ذلك، يرى مختصون أن هنالك تدهوراً في البيئة بالعراق بسبب التلوث، وأهم العوامل لذلك، هي النفايات الطبية. وأن المؤسسات الحكومية كوزارتي الصحة والبيئة غير قادرتين تماما على مواجهة هذا التحدي نظراً للموارد المحدودة والميزانية الضعيفة ونقص الكوادر.

وفي محاولة للتعامل مع هذه المشكلة، أصدرت وزارة الصحة والبيئة تعليمات لإدارة النفايات الخطرة، في سنة 2015 حددت تعريفاً بالنفايات الخطرة بأنها تلك التي تسبب أو يحتمل أن تسبب نتيجة لمحتوياتها من المواد أو تحللها ضرراً خطيراً على الإنسان والبيئة، وتعد نفايات خطرة إذا كانت خليطاً من نفايات خطرة مع نفايات غير خطرة.

وألزمت التعليمات منتج النفايات الخطرة بتحديد أنواع النفايات والعمل على تقليل حجمها كماً ونوعاً ومعالجتها عند مصدر إنتاجها باتباع طرق سليمة بيئياً.

وهذا غير كافٍ بالنسبة لمتخصصين بالشأن البيئي، فهم يرون في النفايات الطبية خطراً كبيراً ينبغي للمشرع العراقي التصدي له من خلال تشريع جديد يلزم جميع الأطراف بالتعامل معها لتجنب أضرارها.

لكن القانوني منتظر حميد، غير واثق من أن الجهات المعنية ستطبق أي تشريعات جديدة طالما لا تطبق التشريعات النافذة، وبالتالي ستصبح مجرد حبر على ورق، وفقاً لتعبيره.

ويقول:”المشكلة ليست في القانون بل في تطبيقه، فنحن لدينا قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009، لكنه غير فعال بسبب عدم احترام المؤسسات الصحية لبنوده وعدم تطبيقها والتي تهدف الى حماية وتحسين البيئة من خلال إزالة ومعالجة الضرر والحفاظ على الصحة العامة والموارد الطبيعية والتنوع الاحيائي بالتعاون مع الجهات المختصة”.

ويعزو سبب ذلك إلى عدم تشكيل أو تفعيل مجالس حماية وتحسين البيئة في جميع المحافظات، مما يعيق وضع سياسات بيئية فعالة على المستوى المحلي.

عضو مفوضية حقوق الإنسان السابق، علي البياتي يرى بأن الطرق التي تتبعها المؤسسات الصحية  والعيادات الطبية والمختبرات وغيرها، في التخلص من النفايات الطبية تشكل سبباً للتلوث.

ويشير إلى أن المفوضية رصدت قلة عدد محارق النفايات في المستشفيات ونقصاً في صيانتها، وعدم اتباع إجراءات التخلص الآمن من النفايات الطبية بنحو عام. يُضاف إلى ذلك، عدم توفر منظومة معالجة ثلاثية للنفايات السائلة في معظم المستشفيات، وضعف جودة الأكياس الخاصة بالنفايات الطبية، بالإضافة إلى عدم وجود تدريب كافٍ للكوادر المختصة بالتعامل مع تلك النفايات.

بينما تثبت تقارير ديوان الرقابة المالية خلال السنوات الأربع الماضية رصد عمليات رمي للنفايات الطبية دون معالجة، وتوقف محارق النفايات عن العمل لفترات طويلة في مستشفيات عدة في جنوب ووسط العراق، بيما فيها بغداد.

كتب رسمية تؤكد المشكلة

حلول ومعالجات

يقول الخبير البيئي رضوان علي، بأن الحل الأمثل لمعالجة النفايات الصلبة يكمن في معالجتها بواسطة شركات متخصصة يتم التعاقد معها، وأن تفرض رقابة صارمة على المحارق الطبية ووحدات معالجة المياه في المستشفيات، وفرض عقوبات رادعة على المخالفة منها.

ويحذر من أن المستشفيات أو باقي المؤسسات الصحية الحكومية ليست المسؤول الوحيد عن تسرب النفايات والمخلفات الطبية بدون معالجة، بل أيضاً مختبرات الصحة الخاصة والصيدليات وعيادات الأطباء والتمريض والمراكز البحثية والطبية في الجامعات، وحتى المنازل التي فيها مرضى.

ودعا إلى اعتماد مشاريع الفرز الحديثة بتحديد حاويات خاصة للمواد الغذائية وأخرى للبلاستيكية، وللورقية وللزجاجية وللمعدنية: “واذا أصبح ذلك منهجاً حياتياً سيتم التخلص أو في الأقل تقليل مخاطر تسرب المخلفات الخطرة وتحجيم ضررها البيئي”.

ويقترح خبراء حلول مختلفة لمعالجة المشكلة من جذورها، كانشاء محطات لمعالجة النفايات والمخلفات الطبية، واستخدام “التعقيم بالبخار لخفض الإنبعاثات الضارة من المخلفات الطبية، وعزلها في دوائر مغلقة وإعادة تدويرها من أجل إعادة الاستخدام”.

وبوسع الجهات المسؤولية عن تلك المحطات، توفير الأدوات والمعدات اللازمة للمؤسسات الصحية للتعامل مع المخلفات الطبية بطرق آمنة وفعالة، كالحاويات وأدوات جمع وفصل النفايات، مع تقديم خدمات التصميم الهندسي والتخطيط للبنية التحتية المتعلقة بإدارة المخلفات الطبية.

مصادر بوزارة الصحة، ذكرت أن الكثير من المؤسسات الصحية الحكومية والأهلية متعاقدة بالفعل مع شركات ومقاولين لإدارة النفايات، بلغت اعدادها في 2015 مامجموعه 506 شركة ومقاول، لكنها سجلت جميعا ملاحظة على تلك الشركات، وهي عدم الالتزام بفرز النفايات الطبية عن سواها، وتسرب الكثير منها عبر مصادر أخرى لتسبب تلوثاً للبيئة.

وسط دوامة مصادر التلويث المتعددة للهواء والتربة والمياه بسبب المخلفات الطبية، ظهرت في السنوات الأخيرة مساعٍ حكومية لإدارة النفايات والاستفادة من مخرجاتها، إذ أعلن رئيس الهيئة الوطنية للإستثمار، د. حيدر محمد مكية، في26 نيسان/أبريل 2024 عن قرب إحالة مشروع معالجة النفايات وتوليد الطاقة الكهربائية في منطقة النهروان، لإحدى الشركات المتقدمة والمتخصصة بتقنية المعالجة.

مكية يقول ان المشروع سيعمل بنظام الحرق التام الشبكي (الجيل الرابع صعودا) للنفايات وبمعدل (3000) طن يومياً، وهو ما يشكل نحو ثلث النفايات المطروحة في العاصمة بغداد البالغة أكثر من (9000) طن يومياً والتي تشكل خطرا بيئياً يزداد حجمه عاماً بعد آخر في ظل تزايد السكان والتعامل التقليدي معها من خلال عمليات الطمر والحرق البدائية.

  • انجز التحقيق تحت اشراف شبكة “نيريج” ضمن مشروع الصحافة البيئية الذي تديره منظمة أنترنيوز.

إقرأ أيضا