الإسلاميون قادمون

في الوقت الذي بدأت الشعوب العربية التخلص من حكامها الإسلامويين، الذين يعانون فوبيا المدنية والعلمانية، بات العراق أكثر تمسّكا بإسلامييه، بأحزابه التي أثبتت فشلها بإدارة جميع مفاصل الدولة، بدءا من غياب الخدمات، وليس انتهاء بالحد من ارتفاع الخطوط البيانية للفقر والأمراض والقتل المجاني وانتهاك مواثيق حقوق الإنسان.

أضعف الإسلاميون الأحزاب العلمانية، وجرّوها إلى أوكارهم التي لطالما عملوا على رسم خارطة الطريق إليها، فالحزب العلماني الوحيد الذي تبقّى، والذي يمتلك تاريخا نضاليا في العراق، بات بين ليلة وضحاها حزبا ضريرا، ولا يعرف من أين تؤكل كتف مكاسب أصوات الناخبين، إنه الحزب الشيوعي العراقي الذي انضوى منذ أشهر الاحتلال الأولى تحت عباءة الطائفية، وليدخل أكبر قيادي فيه، وهو حميد مجيد موسى، مجلس الحكم الانتقالي ليس باعتباره سكرتيرا لأعرق الاحزاب السياسية العراقية، بل باعتباره شيعيا، ضاربا عرض الحائط كوادر الحزب التي تجتمع فيها جميع المكوّنات والاثنيات العراقية.

لكن الكرَّة عادت مرّة، لكنها من دون دليل، حيث ترددت في البصرة أحاديث عن إدراج الحزب الشيوعي مرشحين منتمين لرجل الديني الشيعي محمود الحسني الصرخي على لائحة مرشحيه لانتخابات مجالس المحافظات التي جرت في العشرين من نيسان الماضي. الحزب الشيوعي إذن، أقحم في اللعبة الطائفية، وفقا لطائفة سكرتيره العام (الشيعية) لأكثر من مرَّة.

العلمانيون دخلوا جلباب الأحزاب الإسلامية صاغرين. أما الشخصيات السياسية، فإنها أضعف من أن ترفض الدخول في ذات الجلباب، إذ لا قدرة لديها لتحقيق مكاسب سياسية من دونها، حيث لا قاعدة شعبية باستطاعتهم تأسيسها بسبب هيمنة الأحزاب على المال.

المقترعون قالوا كلمتهم من خلال الانتخابات المحلية: الغلبة للإسلامويين. والانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها العام المقبل لن تشهد صراعا حقيقيا على الأرجح، سوى الصراع بين الإسلامويين أنفسهم على المناصب، والصراع فيما بينهم مستمد من طرائق عملهم المختلفة. الصدريون ارتدوا بدلات العمل الزرقاء وهم بصدد إعادة انتاج تجربة الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد عندما انتقل، عن طريق صناديق الاقتراع، من رئيس بلدية طهران إلى رئيس للجمهورية. سوَّق التيار الصدري علي دواي محافظ ميسان ببدلة عمل وهو يتجول ويشارك في مواقع العمل في المحافظة، وكانت هدية زعيم التيار السيد مقتدى الصدر لمحافظ بغداد الجديد علي التميمي بدلة عمل زرقاء أيضا مشفوعة بتوصية أن يكون خادما لبغداد وأهلها. الإعلام له دوره هنا، ومواقع التواصل الاجتماعي تتلقف تلك الصور بلهفة. 

بمقابل هذا، يراهن المجلس الأعلى الإسلامي على حيّز النظافة التي يزرعونها في مناطق محددة من العاصمة، كما أصبح زعيمه عمّار الحكيم أكثر التصاقا بالواقع في أحاديثه (الأربعائية)، ومشهد \”القبل الحارة\” الذي انتهت إليه وساطته بين رئيس الوزراء نوري المالكي ورئيس البرلمان اسامة النجيفي، سيدرّ عليه حظوظا مضافة في الانتخابات المقبلة.

ائتلاف دولة القانون، يراهن على السلطة التي بين يديه، ويراهن على شخصيات تجيد توزيع الاتهامات على خصومه السياسيين، كما يراهن أيضا على التحشيد الطائفي تجاه الطوائف الأخرى. وتبقى الأحزاب الشيعية الصغيرة الأخرى تبحث عن غطاء أي من هذه الكتل، من خلال التحالفات، في حال حصّلت أي منها الأغلبية في البرلمان.

على الجانب الآخر، باتت القائمة العراقية متفككة، فلم يعد علاوي قياديا بارعا بعد أن أصبحت جملته الأثيرة \”والله ما أدري\” تستفز العراقيين، وبات النجيفي الذي يتنطّع بمظلومية السنة هو الخيار الأفضل للمكون، ويبدو النجيفي مهيمنا على الأصوات السنية على الرغم من الخلافات الكبيرة فيما بينهم.

بعد كلّ هذا، لم يظهر حتى الآن ولا سياسي علماني أو حزب علماني قادر على المنافسة، ودولة القانون تستغل هذه الفرصة، فلأكثر من مرّة تتشدّق النائبة حنان الفتلاوي بعلمانية دولة القانون علّها تكسب الأصوات الوسط المترامية هنا وهناك والرافضة لغمس إصبعها في حبر الانتخابات الذي قد يجلب لها الويلات.

إذن الإسلامويون قادمون، بفشلهم الاقتصادي، وبخنق المدنية، وبتجاوزهم على الحريات وحقوق الإنسان.

إنهم قادمون..

أقرأ أيضا