التعليم في العراق.. 20 عاما من الانهيار

بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شهد النظام التعليمي تحولات كبيرة، وخاضت مستوياته، تجارب لا…

بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شهد النظام التعليمي تحولات كبيرة، وخاضت مستوياته، تجارب لا تقل مرارتها عن مفاصل حياة العراقيين الأخرى، وبعد 20 سنة على تلك اللحظة، ما يزال التعليم في البلاد يعاني مشكلات هيكلية، مثل نقص التمويل والموارد، ونقص الكوادر التعليمية المؤهلة والمدربة، ونقص البنية التحتية الملائمة، ما يبقيه خارج تصنيفات التعليم العالمية الرصينة، وخارج مؤشرات الجودة.

تمويل ودعم اللا جدوى

لا يمكن، على وجه الدقة، تحديد ما خصصته الحكومات العراقية من أموال لقطاع التعليم منذ العام 2003 حتى الان، حيث إن هذه الأرقام تتغير بشكل دوري مع تغيّر الموازنات الحكومية وأولوياتها كل عام، إن وجدت، لكن تقارير الحكومة تشير إلى أن نسبة الإنفاق على التعليم -وزارتا التعليم العالي والتربية- يتراوح بين 4% و8% من الناتج المحلي الإجمالي للبلد، منذ العام 2003 حتى العام 2021.

خلال تلك الفترة اقرت ميزانيات تصاعدية ابتداء في العام 2003 بحوالي 14 مليار دولار لترتفع سنويا بمعدل نمو حوالي 10%، على سبيل المثال تقدر ميزانية العراق في 2012 بحوالي 101 مليار، وفي العام 2013 حوالي 130 مليار دولار لتصل ذروتها في العام 2014 حوالي 150 مليار دولار، وفقا لتلك الارقام والنسب فأن اجمالي الانفاق الحكومي على قطاع التعليم يقدر حوالي 82 مليار دولار امريكي.

وبحسب المصادر المتاحة، فإن أكثر سنتين انفاقا على التعليم في العراق هما 2013 و2014، حيث خصصت الحكومة العراقية في موازنة الأولى 10 تريليونات دينار عراقي (حوالي 8.5 مليار دولار أمريكي) للتعليم، وارتفع الرقم في موازنة عام 2014 حتى 13 ترليون دينار عراقي (حوالي 11.4 مليار دولار أمريكي)، وتشمل هذه المبالغ جميع المستويات التعليمية بدءًا بالتعليم الابتدائي وحتى التعليم الجامعي،  مغطياً النفقات التشغيلية والاستثمارية، ليشهد انخفاضا في ميزانية عام 2021 لتصل نسبة الانفاق عليه 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي للبلد.

وخلال العقدين، قدمت الولايات المتحدة دعما ماليا وتقنيا لتحسين جودة التعليم في البلاد. فوفقاً لموقع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، فإن إجمالي التمويل الذي قدمته الولايات المتحدة لدعم التعليم في العراق بلغ أكثر من 1.3 مليار دولار أمريكي منذ عام 2003 حتى عام 2021.

في عام 2019، وافق البنك الدولي على مشروع بقيمة 10 ملايين دولار أمريكي لدعم الابتكارات من أجل التعلم في ثلاثٍ من المحافظات العراقية المتعثرة (وهي ميسان والقادسية والمثنى).

نافذة أخرى

لم تقتصر تخصيصات التعليم في العراق على ما تقدم، فقد شرع قانون خاص لبناء المدارس ورياض الأطفال، وهو القانون رقم 19 لسنة 2019 أُضيف، وفق بنوده، مبلغ قدره 1000 دينار عراقي لرسم الطابع تحت تسمية “الحملة الوطنية لبناء المدارس ورياض الاطفال”، وحسب بنوده أيضاً فإن هذه الاموال تخصصها وزارة المالية لوزارة التربية لبناء المدارس ورياض الاطفال وحسب التمثيل السكاني، وهذه الاموال منذ تاريخ تطبيق القانون كانت تودع في حساب الامانات الضريبية الذي تعرض لسرقة كبيرة كشف عنها نهاية العام 2022 وعرفت بسرقة القرن، الشيء الذي جعل حساب ما جمعته الحملة من مبالغ بشكل دقيق، شبه مستحيل.

يشير الجهاز المركزي للإحصاء إلى ارتفاع عدد رياض الاطفال في العراق من 804 روضة في العام الدراسي 2014/2015 إلى 1244 روضة في العام الدراسي 2019/2020 ولنفس الفترة ارتفع عدد المدارس الابتدائية من 10779 إلى 17945 والثانوية من 4953 إلى 8612 مدرسة بينما ارتفع عدد الخريجين في العراق لنفس الفترة من 58405 إلى 107854 خريج.

نقص مدارس.. نقص مرافق

وهذا الارتفاع النسبي يمكن عده مؤشرا ايجابيا، لكن لو ضعنا في الحسبان الدعم والتمويل الذي حصل عليه قطاع التعليم مقابل العدد التقريبي لسكان العراق سنجد ان الجهود المبذولة ليست كافية، حيث يقدر احصاء غير رسمي عدد الطلاب في العراق بـ 11,450,401 وعدد المدارس الكلي بـ 28,164، لو صحت هذه الارقام فأن المعدل العام لعدد الطلاب في كل مدرسة هو 406 طالب، وهذا رقم كبير، لو اخذنا بنظر الاعتبار ان هناك مدارس لا يتجاوز عدد صفوفها 12 صفا، وبشكل عام تعاني مدارس العراق انهيارا خدميا أخرج مرافق أكثرها عن الخدمة.

وكالة التنمية الامريكية لاحظت، من خلال إحدى دراساتها عن التعليم في العراق، أن مشكلة البنية التحتية مصدر قلق، خاصة وأن ثلاثة ارباع المدارس بحاجة إلى اصلاح، وكشفت عن العديد من المؤشرات السلبية التي تعيق عملية تقدم التعليم في العراق، منها أن 79% من المدارس التي شملتها الدراسة تتشارك الابنية مع مدرسة اخرى، حيث أن 94.7 % منهم يتقاسمون البناء المدرسي مع مدرسة واحدة، بينما يتقاسم 5.3 % منهم البناء المدرسي مع مدرستين اخريين، ما يؤثر على كمية الحصص التي يمكن ان تعطى للطلاب.

وبحسب التقرير أيضاً، لا تتعدى نسبة المدارس التي تتمتع بخدمة التيار الكهربائي 40.4% من المدارس التي تمت زيارتها، قدّر الباحثون في الدراسة أن 18% من المدارس التي شملتها دراستهم فقط، تعتبر نظيفة جدا، بينما ترى اليونيسف ان نصف الأبنية المدرسية في العراق بحاجة الى إصلاحات عاجلة.

الواقع المتسرّب

رغم الدعم الدولي والتخصيصات الحكومية، الا ان المؤشرات تضع قطاع التعليم العراقي، وجودته، في مراكز متأخرة، ففي تقرير اليونيسكو لعام 2020 حول التعليم العالمي، قُيّمَ العراق بناءً على مؤشرات مثل معدل القبول في التعليم الثانوي ومعدل القبول في التعليم العالي ومؤشر تطوير الموارد البشرية وغيرها، ووجد التقرير، وتقرير آخر للبنك الدولي، أن مستوى التعليم في العراق منخفض بشكل كبير.

وفق تقرير لليونسكو صدر عام 2021، فإن معدل القراءة والكتابة في العراق منخفض جدًا، حيث يقدر بحوالي 77% للكبار ونحو 63 % للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا. وتشير إحصائيات البنك الدولي إلى أن معدل الالتحاق بالمدارس في العراق منخفض جدًا.

وفي تقرير العام الذي سبقه 2020 ركزت اليونسكو على مشكلة التسرب الدراسي، حيث يبلغ معدل القبول في التعليم الثانوي، وفق تقرير المنظمة، حوالي 51%، ومعدل القبول في التعليم العالي حوالي 12%.

يلتحق، حسب جهاز الاحصاء المركزي، 90% من الاطفال المستحقين في المرحلة الابتدائية بينما تنخفض لنسبة إلى 58% مع المستحقين في المرحلة المتوسطة، وتشتد انخفاضاً في المرحلة الاعدادية لتصل إلى 32%.

كما تشير مصادر عدّة إلى أن نسبة الأمية في العراق مرتفعة، كما نسبة التسرب المدرسي، مما يزيد التحديات التي يجب التغلب عليها من أجل تحسين جودة التعليم في العراق.

كلّ هذا وضع العراق في المرتبة 137 من بين 190 دولة في تصنيف التعليم العالمي لعام 2020 الصادر عن منظمة اليونسكو، وحصل على درجة 0.543 في مؤشر جودة التعليم، وهي درجة منخفضة جداً، وفي تصنيف التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة لعام 2021، حل العراق في المرتبة 119 عالمياً من بين 189 دولة فيما يتعلق بمؤشر التعليم.

وعلى الرغم من وجود أكثر من 35 جامعة حكومية و45 جامعة وكلية اهلية في العراق إلا انه خارج كل التصنيفات الجامعية، ففي تصنيف QS للجامعات العالمية الذي صدر في عام 2022، لم تُصنف أية جامعة عراقية ضمن المئة الأوَل في العالم، وفي تصنيف ويبومتريكس الأخير الذي صدر في يناير 2023، تم تصنيف جامعة بغداد كأفضل جامعة في العراق والتي حصلت على المركز 1779 عالمياً، تلتها جامعة الموصل بالمركز 2706 وجامعة النهرين بالمركز 2816، وهي مراكز تعتبر متأخرة.

أما تصنيف شنغهاي لتصنيف الجامعات العالمية في 2021، لم تتم تصنيف أي جامعة عراقية ضمن المئة الأوائل في العالم.

العنف يغلق ابواب التعليم

لقد أثر العنف والصراعات المستمرة في العراق على مستوى التعليم في البلاد بشكل كبير، وخصوصاً خلال سنوات ما بعد الغزو، مما أدى إلى تدمير العديد من المدارس والمؤسسات التعليمية، وإصابة العديد من الطلاب والمعلمين بجروح وأذى، وأثر سلبًا على جودة التعليم وتقدمه في العراق، بالإضافة إلى هجرة كبيرة للكوادر التدريسية الكفوءة.

لقد شهد العراق فترات توقف عن الدراسة في ٢٠٠٣ ابان دخول قوات الاحتلال الامريكي، وهذا التوقف تفاوت حسب المدن، فبعضها توقف تعليمها لستة أشهر، بينما تأخر في اخرى لأكثر من ذلك، وضربت البلاد موجة عنف طائفي بين عامي 2005 و 2008، ولا توجد مؤشرات دقيقة على عدد المدرسين والمعلمين والطلاب الذين قتلوا أو أصيبوا أو هاجروا جراء العنف، لكنّه حرم مئات الالف من الطلاب حق التعليم خصوصا في المدن التي كانت توصف بانها ساخنة.

 إلا أن اكثر موجة عنف أثرت على التعليم وبشكل واضح هي فترة سيطرة تنظيم الدولة الاسلامية –داعش- على مدن كاملة في العراق من 2014 وحتى 2017، اذ حرم ملايين الاطفال من حقهم في التعليم: حسب بعثة الامم المتحدة هناك 3.2 مليون طفل عراقي في سن الدارسة لم يتمكن من الحصول على تعليم، ويشمل ذلك 340 الف طفلاً نازحاً ممن تعرضت مدنهم للعنف والدمار جراء احداث العنف التي شهدتها منذ 2014 مدن مثل الموصل وصلاح الدين والرمادي وديالى، وتقدر الامم المتحدة أن عدد النازحين ممن هم بحاجة الى تعليم حوالي 1.2 مليون مواطن عراقي.

في تلك السنوات توقف التعليم تماما في غالبية المدارس، كما فرض التنظيم مناهج من صنيعته على ما تبقى من مدارس في المناطق تحت سيطرته، ففي نينوى وحدها هدمت 174 مدرسة، وحسب احصاء غير رسمي، انخفض عدد المدرسين في سنجار من 2850 قبل دخول التنظيم إلى 150 مدرس فقط في بعض الفترات، كما ان عدد الطلاب انخفض من 60 الفا إلى 10 الالف فقط.

ادت موجات العنف بالعراق على مدى عقدين لحرمان ملايين العراقيين من حق التعليم، كما اسهمت الجماعات المتطرفة في ضم عدد غير محدد من الطلاب إلى جانبها، لتخلق عاملاً مباشراً آخر بانحدار مؤشرات التعليم في العراق، إلى جانب عوامل أخرى، يتصدرها الفساد المالي والإداري.

الفساد.. مسمار عجلة التعليم

دفع التعليم ضريبة كبيرة لتفشي الفساد الاداري والمالي في مفاصل الدولة العراقية منذ العام 2003، ملف الفساد هو أكثر الملفات التي أسهمت في تراجع مستوى التعليم في العراق: مدارس هدمت وأُحيلت إلى شركات لم تنجز اعمالها، ومدارس مخطط لها ان تدخل الخدمة قبل عقد، لم تنجز حتى الان، وفساد متواصل سنة بعد أخرى في عقود طباعة المناهج الدارسية.

كغيره من القطاعات، لا يمكن حصر الهدر المالي والفساد، في وزارتي التربية والتعليم العالي في العراق، لكن بين فترة واخرى تتسرب فضيحة للرأي العام، وأبرز ملفين مما أثير هما طباعة المناهج وبناء المدارس.

تدور شبهات الفساد في كل عقود وزارة التربية، حسب تصريحات لمسؤولين عراقيين، ولا يمكن لاي عقد ان يمر دون أن تطاله مخالب الفساد.

في 2008، منح العراق شركة إيرانية مشروع بناء 200 مدرسة من هياكل حديدية، بتكلفة تبلغ 280 مليار دينار (232.7 مليون دولار)، إلا أنه لم يُنفذ حتى الآن، وفي ملف آخر وجهت وزارة التربية دعوة إلى شركة لبنانية تسمى “دار غارنيت” لطبع كتب منهاج اللغة الإنجليزية للعام الدراسي 2018، وبكمية 24 عنوان كتاب، بمبلغ قدره 38 مليار دينار عراقي، كشف جهاز المخابرات الوطني لاحقا أن شركة دار غارنيت هذه لا تملك أي فروع معلومة لها في العراق، و يبلغ رأسمالها ما يقارب 3500 دولار أمريكي، نفس هذه الصفقة، اعتبرها آنذاك، مكتب المفتش العام في وزارة التربية، أن فيها هدرًا بالمال العام يقدر بـ10 مليارات دينار عراقي.

مرورا بما يعرف بصفقة شحنات البسكويت التالفة والتي كانت مخصصة لطلاب المدارس، صفقة قيمتها نحو 69 مليون دولار، وحين أثير هذا الملف وعد البرلمان بإجراء تحقيق حوله لم تخرج نتائجه حتى الان، على الرغم من مرور عقد كامل عليه.

في العام 2020 لبست فضيحة فساد ثوبا آخر، يتمثل باستقطاع 3500 دينار من موظفي الوزارة شهرياَ، مقابل تأمين صحي للموظفين، تأمين شكلي لا اساس ولا وجود له، ولاحقا تمت استعادة جميع قيمة العقد البالغ 41 مليار دينار.

ما يجري في وزارة التعليم مختلف، فهناك تحصل عمليات بيع وشراء للمنح الدراسية، وتلاعب بالمنح الخارجية لتجييرها، في النهاية، لأبناء وذوي الشخصيات السياسية الحاكمة.

كما يتركز الفساد بوزارة التعليم على كيفية التعامل مع التعليم الاهلي واعطاء الرخص للكليات الاهلية، الامر الذي اثيرت حوله العديد الشكوك، اهمها ما يتعلق بالأجور الدراسية، وطريقة تعامل وزارة التعليم مع اليات القبول بالكليات الاهلية والتسامح مع بعضها رغم عدم استيفائها شروط الجودة.

ينبت الفساد الاداري والمالي مسمارا يعيق تقدم عجلة التعليم في العراق، فالأموال الحكومية وغير الحكومية التي تخصص للتعليم، قد تكون كافية لتحسين واقع التعليم في العراق، لكن الفساد المتجذر في اسس النظام والمحاصصة التي قسمت الوزارات، والمديريات، والأقسام، وحتى المدارس ودرجات موظفيها، على الكتل والاحزاب يقف عائقا أمام أي محاولة جادة.

من دون القضاء على تلك المعوقات، سيبقى قطاع التعليم في العراق يعاني مشاكل جوهرية تبقيه متأخرا بمخرجاته وعلى المقاييس الدولية.

* اُنجزت المادة بدعم من “نيريج” وتنشر بالتعاون مع “العالم الجديد”.

إقرأ أيضا