التنمّر المدرسي يضع مراهقات ومراهقين في مرمى الانتحار

ربطت سارة عامر عنقها بحبل أوصلته بمروحة السقف داخل غرفتها في منزلها ببغداد، وكانت تريد…

ربطت سارة عامر عنقها بحبل أوصلته بمروحة السقف داخل غرفتها في منزلها ببغداد، وكانت تريد الانتحار، لكن والدتها وشقيقتها دخلتا مسرعتين وتمسكتا بجسدها وانتهت المحاولة، فيما ملأ البكاء والصراخ أرجاء المنزل.

كانت الفتاة ذات الـ14 ربيعاً عائدة للتو من مدرستها في حالة نفسية متهاوية وأقدمت على ذلك الفعل، لكن والدتها وشقيقتها أحبطتا المحاولة التي كادت أن تودي بحياتها.

في صباح ذلك اليوم، تعرضت سارة لتنمر حاد من زميلاتها في الدراسة، وسمعت كلاماً سلبياً حول شكلها، وأقسى ما تتذكره منه هو أن ملامحها تشبه ملامح الفتيان ولا تمتلك صفات الأنوثة، ولم تكن هذه المرة الأولى التي تسمع فيها مثل هذا الكلام.

فضلت سارة، العزلة وأصبحت فريسة مشاعر سلبية، ولم تنفع محاولاتها لتغيير شكلها أو ارتداء ماسك الوجه “الكمامة” لإبعاد النظرات السلبية عنها، ولاحقاً، تقدمت والدة سارة، بشكوى ضد زميلاتها المتنمرات اللواتي دفعن ابنتها المراهقة إلى الانتحار بطريقة غير مباشرة عندما كن يتنمرن عليها.

ويعد التنمر في المدارس أو تسلط الأقران، نوعا من أخطر أنواع التنمر، ويمكن أن يفرز مجموعة واسعة من التأثيرات على الطلاب المتنمر عليهم منها الغضب والاكتئاب والتوتر والانتحار، ويمكن للمُتنمَّر عليه أن يصاب باضطرابات اجتماعية مختلفة، أو تتوفر لديه فرصة أكبر للانخراط في الأنشطة الإجرامية.

ولعل معاناة سارة مماثلة لقصة الفتاة ذات “أسنان الفأر” وهو الوصف الذي تسمعه مينا أحمد (13 عاما)، من زميلاتها في المدرسة بسبب وضعها تقويماً لأسنانها البارزة.

ومينا، هي الأخرى اختارت العزلة، وتجنبت الاختلاط بمحيطها في المدرسة وقلة فاعليتها الدراسية، وكذلك داخل الأسرة، إذ بقيت الفتاة المراهقة تتكتم في البداية على معاناتها التي استنزفت طاقتها وجعلتها في خضم مشاعر سلبية حتى قررت في النهاية إخبار عائلتها للحصول على المساعدة والدعم النفسي والصحي.

وتقول والدة مينا، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إن “ابنتي قاومت التنمر كثيرا قبل أن تنفجر بما كانت تكتمه بكاء وصراخا، وبعد أن نفّست عن ألمها بالبكاء، قدمنا لها دعما نفسيا وقمنا بنقلها إلى مدرسة أخرى”.

وتشير الدراسات إلى أسباب ظاهرة التنمر المدرسي ترجع إلى الهزات والتغييرات التي تحدثت في المجتمعات، والتي تتعلق بشكل أساسي في حدوث العنف وأشكال مختلفة من التمييز، وانهيار العلاقات الأسرية في المجتمع وتأثير وسائل الإعلام على المراهقين في المرحلتين المتوسطة والثانوية.

من جانبها، تقول شهرزاد العبدلي، وهي باحثة وناشطة اجتماعية، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إن “بعض الفتيات يمتلكن صفات مختلفة أو لديهن عاهة بسيطة تضعهن فرسية أمام الابتزاز القهري، كأن تكون نحيفة أو بدينة أو طويلة أو قصيرة فتثير اهتمام المتنمرين”.

وتضيف العبدلي، أن “المتنمر في الأصل يعاني من أمراض نفسية، وقد يكون من أسرة متنمرة أو متفككة، فهي صفة مكتسبة وليست موجودة في الجينات، أو أن لديه ضعفاً في شخصيته داخل البيت أو يتعرض للضرب أو الإهانة ويحاول تعويض ذلك عبر التنمر الذي يظهره مسيطراً في المدرسة”.

ولوضع حد يصد المتنمرين، تتابع: “يتوجب مواجهته مرات عدة لمنعه من الاستمرارية وتقليل شعوره بالنرجسية المفرطة والاستعراضات الاستبدادية والتعسفية حيث يجد نفسه محوراً يقود المتفرجين إلى الفكاهة والضحك”.

وتؤكد العبدلي، على “ضرورة تكاتف جهود الكوادر المتخصصة كالإخصائية الاجتماعية والمرشدة التربوية ومتابعة الحالات التي لها نتائج وخيمة وأيضا مراقبة الأهل لملابس أبنائهم فقد تكون متسخة أو متمزقة أو انقطاع الشهية فهي من أعراض التعرض للتنمر”، لافتة إلى أن “إفشال العميلة يتطلب تجنيد الطالبة على الثقة بالنفس وترويضها على مجابهة من يضع نفسه موقع القوة، وشدها نحو التفوق الدراسي والاشتراك في حملات تطوعية تخفف من شدة الآثار النفسية”. 

ويشكل التنمر خطرا كبيرا على الصحة النفسية والعقلية للأطفال على المدى القصير، وأكثر ما يلاحظ من أضراره: التوتر الزائد، الاكتئاب، والتفكير بشكل ينم عن القلق المبالغ فيه أو انفصام الشخصية، وفي حين أن بعض تلك الأعراض قد يختفي بشكل تلقائي، بعد توقف التنمر، فإن معاناة العديد من الضحايا تتواصل بسبب زيادة خطر تعرضهم للإصابة بأمراض نفسية وعقلية.

وكانت المفوضية العليا لحقوق الإنسان، أكدت العام الماضي، أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة دعا في قرار له الدول إلى اتخاذ جميع التدابير المناسبة لمنع وحماية الأطفال من جميع أشكال التمييز والعنف، بما في ذلك في السياقات الرقمية، ولإنشاء هيئات ذات موارد جيدة ومسؤولة عن منع ومكافحة ومعالجة الآثار السلبية للتنمر عبر الإنترنت، من بين تدابير أخرى.

من جهتها، تشير المحامية نور جواد، خلال حديثها لـ”العالم الجديد”، إلى أن “نظام المدارس الثانوية والابتدائية يمنح المدراء صلاحية معاقبة المتنمر عن طريق تحسين سلوكه بالنصح والإرشاد أو استدعاء ولي أمره أو التوبيخ والإنذار أو لنقل إلى مدرسة أخرى وغيرها”.

وترى جواد، أن “ردع المتنمرين يستلزم اتخاذ دائرة المدرسة والمنزل إجراءات قوية كون هذه الأماكن هي أولى مؤسسات التربية وهي المسؤولة الأولى عن تنظيم للسلوك وتهذيب الأطفال”.

وكانت المجموعة المستقلة للأبحاث، أجرت في 2021 استطلاعا حول التنمر في العراق، شمل 2000 عراقي، وأظهرت النسب نحو 15% منهم قد تعرضوا للتنمر، وأن 10% من الأسباب تحصل بسبب السخرية الطائفية، وذات النسبة بسبب نوع الجبس واللون والعرق.

بدوره، يؤكد الباحث النفسي أحمد مهودر، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “أغلب الشكاوى التي ترد للباحثين والأكاديميين عن القضية، نلاحظ منها استهداف فئة عمرية كمراحل المتوسطة والإعدادية بصورة متزايدة بغض النظر عن الجنس سواء كانوا من الذكور أو الإناث”.

ويضيف أن “المراهقة مرحلة عمرية حرجة ومسارها يغرس هوية وانطباعات الفرد وتحدد صفاته المستقبلية وبالتالي تنعكس آثار التنمر سلبا ويدفع الضحية إلى العزلة والانزواء والابتعاد عن الآخرين ويقلل تفاعلهم وتواصلهم مع بقية الأفراد”.

ويحذر مهودر، من أن “التنمر يولد ميولاً للانتحار وهو ما يجب مواجهته بالحيطة والحذر والانتباه إلى الانفعالات غير الطبيعية أو المشكلات السلوكية الطارئة لدى الضحية”، مشيرا إلى أن “مكافحة الآثار النفسية تقع على عاتق دور المؤسسات الحكومية الأخرى ولاسيما وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني”.

وفي ظل تنامي حالات الانتحار، وتحولها إلى ظاهرة تفتك بالمجتمع، أقدم مجلس الوزراء الشهر الماضي على إقرار الاستراتيجية الوطنية للوقاية من الانتحار (2023- 2030)، لكنها ما تزال “مجهولة” لدى المؤسسات التنفيذية المعنية والبرلمان، بحسب تقرير سابق لـ”العالم الجديد”.

وأعلنت وزارة الداخلية، العام الماضي، إحصائية بحالات الانتحار، بدءا من عام 2015 إلى 2022 حيث بلغت عدد الحالات في 2015 عدا إقليم كردستان 376 حالة، وفي 2016 بلغت 343 حالة انتحار، وفي 2017 بلغت 449 حالة، وفي 2018 بلغت 519 حالة، وفي 2019 بلغت 588 حالة، وفي 2020 بلغت 644 حالة، وفي 2021 بلغت 863 حالة، وفي 2022 بلغت 1073 حالة.

أقرأ أيضا