الرهان الثقافي المستقبلي

إن من المتفق عليه اليوم أن المهمة التي اضطلعت بها الثقافة المستقبلية في دعوتها للتحرر كانت ذات شقين: أولا، إعادة تحديد ماهية الثقافة وثانياً، النظر في مقتضياتها المعرفية بالنسبة لظروف المجتمع الحديث. وقد اعتبر أن المهمة الأولى هي الأساسية ولم يخف إنها تتم على أساس تحرير الفكر من قيد التقليد أو العقيدة، ولو قدر لهذا الأمر أن يصبح هو الأسلوب السائد لانفتح للفكر وللثقافة في العراق على طول الأيام القادمة آفاق من التحرر والانطلاق.

الرهان الذي نتمناه هو في حكم ضمير وذاكرة وخيال الذين سينتجونه والرهان على المستقبل، يعني اليوم الرهان على العلم والمعرفة والثقافة، أسواق المستقبل وسلعها هي الأفكار الجديدة المغايرة والمعطيات المتمدنة، وعلى هذا المستوى لا يجوز ولا يمكن التواضع فالرهان الثقافي المستقبلي ذاته نقيض السياسة التي لا تشتغل سوى في نطاق الممكن المرتبط أبداً بموازين الأحلاف والأحزاب والطوائف والقوى والعقائد، وهي اليوم، أعني الموازين، مختلفة مضطربة بشكل فظيع وتبعث على يأس الكثيرين، لكن ما يبعث على الأمل لدى المثقفين في العالم هو أن أداة نفوذ المستقبل ووسائل التأثير أو الرهان ذاته لن يكون بحال قوة المال أو الأحزاب والمذاهب بل العقل والمعرفة والإقناع واحترام فكرة الحرية، في هذا النطاق وفي مثل هذه الشروط فلا مبرر بعد في (الصراع) للحديث عن الممكن وعن موازين القوى، فهي لصالح الثقافة بالتأكيد ولن نعطي ظهرنا أو كلماتنا لإدارة السياسة أو السياسي ولكن لا يجوز أن تقتصر مواجهتنا عليها بل على الإنسان في المجتمع، أفراداً ومؤسسات مستقلة، تنظمه معرفياً وبشكل مستقل وحر وتعيد تربيته وتأهيله حضارياً ليعتمد على نفسه وتحرره من الأوهام والغيبيات والأساطير المعاصرة وتشجعه على الخلق والابتكار وشحذ ذاكرته وإثارة خياله وتمتين سبل وقنوات التواصل والاتصال والتعايش السلمي الحضاري فيما بين أقرانه ومؤسساته الثقافية الخالصة، خصوصاً وأننا سنجد حلفاء عديدين هنا وهناك، بهذا المعنى لا ينحصر الرهان في إنقاذ ما تبقى للثقافة مخزوناً في الذاكرة أو في كنوز المتاحف والمكتبات بل أيضاً الحفاظ على القيم الحضارية والتراث العقلاني والإنساني، للثقافة نفسها، هذان الرصيدان العظيمان للبشرية واللذان يتعرضان من قبل السياسة/السياسي اليوم إلى هدر وإقصاء وإهمال واغتيال سواء بفعل تحويل الثقافة إلى إعلام موجه تسويقي واستعراض عقائدي أو بفعل توظيف قيم التاريخ، التي تعرضت للغزو الديني والانتحال، للدعاية المذهبية بمعنى الامتهان المحلي للأحداث التاريخية والأسماء والمواقف عن طريق توظيفها الديني/السياسي المبتذل، إن يوماً جديداً جداً، يلوح من قريب وسيهلُ على الثقافة أو المثقف كل حسب قدراتها/قدرته في تقرير مصائرها/مصائره الفردية والمؤوسساتية النزيهة المتحررة من سطوة العقائدي، إن بشائر هذا اليوم ومقدماته أكيدة منذ الآن.. ثمة تطورات ثقافية معرفية تقنية جبارة لا يحول بينها وبين الاستفادة العادلة المتوازنة منها سوى أنظمة العلاقات الثقافية الفئوية السائدة اليوم، والظالمة خصوصاً على مستوى الراهن الثقافي العراقي، غير أن استحالات استمرار الفئوية أو التناقضات الثقافية الفاقعة بين الممكنات ووقائع الأحوال، بين المطامح الشخصية الأنانية المغلقة والمطامح العادلة الشرعية وتخلف وعنصرية الصحف والدوريات بل عدوانية المتحكمين في مقدراتها، بين عطاءات العقول الثقافية الحرّة وأنانية الصحف المملوكة كل هذه الأشياء هي ما يقوي الأمل ويبعث الرجاء في الرهان على المستقبل الثقافي العراقي المتحرر من مافيا المؤوسسات والاخوانيات والاصطفافات، فملامح هذا الثقافي المتحرر الذي ننتظره تتجلّى في فكرة الحرية المقابلة للضرورة أو المغايرة.

أن قضية الرهان على المستقبل هي جزء من قضية أكبر، أعني قضية التواصل أو التفاعل المتبادل في المجالين الثقافي والإنساني، بين حملة الرسالة الثقافية الخالصة وبين المستقبل وبالتالي إتاحة الفرصة أمام المثقف لابتكار أعمال ثقافية تنسق مع واقع ظروفه اليومية وتستهدف في الوقت ذاته فتح آفاق للمنجز الإبداعي بمبادراته الذاتية، وتلك مشكلة لم تحل في العراق بعد ولا غنى لنا فيها عن عمل تجارب عدة حتى نصل إلى نتائج ثقافية مثمرة أو إلى المستقبل المطلوب والمرتجى.

أقرأ أيضا